قبسات من"أضواء البيان .." للإمام الشنقيطي (9)
*
كتب الشيخ،رحم الله والديّ ورحمه :
وقال سعيد بن منصور في سننه : حدثنا خديج بن معاوية عن أبي إسحاق،عن مرة،عن ابن مسعود قال : من أراد العلم فعليه بالقرآن،فإن فيه خبر الأولين والآخرين .(..) وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه : جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة،وجميع شرح السنة شرح للقرآن. ){ جـ 3 ص 404"أضواء البيان"}.
من الصفحة 406 حتى الصفحة 412 .. حديث طويل عن القرآن وما فيه من"العلم" :
(وقال ابن برجان :ما قال النبي صلى الله عليه وسلم من شيء فهو في القرآن،أو فيه أصله قرب أو بعد،فهمه من فهم،أو عَمِهَ عنه من عمه ،وكذا كل ما حكم أو قضى به. (..) فاعتنى قوم بضبط لغاته،وتحرير كلماته،ومعرفة مخارج حروفه وعددها،وعدد كلماته وآياته،وسوره وأجزائه،وأنصافه وأرباعه،وعدد سجداته،إلى غير ذلك (..) واعتنى النحاة بالمعرب منه،والمبني من الأسماء والأفعال،والحروف / العاملة وغيرها (..) واعتنى المفسرون بألفاظه،فوجدوا منه لفظا يدل على معنى واحد،ولفظا يدل على معنيين،ولفظا يدل على أكثر ..(..) واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية،والشواهد الأصلية والنظرية .(..) وتأملت طائفة معاني خطابه،فرأت منها ما يقتضي العموم،ومنها ما يقتضي الخصوص (..) وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة،والأمم الخالية (..) وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال،والمواعظ التي تقلقل / قلوب الرجال.(..) واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير،مثل ما ورد في قصة يوسف : من البقرات السمان (..) وسموه "تعبير الرؤيا" واستنبطوا تفسير كل رؤيا من الكتاب.(..) وأخذ قوم مما في آيات المواريث من ذكر السهام وأربابها،وغير ذلك "علم الفرائض"(..) ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة في الليل والنهار.(..) ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ (..) ونظر فيه أرباب الإشارات أصحاب الحقيقة فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق (..) وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل،مثل : الطب والجدل،والهيئة،والهندسة،والجبر والمقابلة،والنجامة،وغير ذلك .(..) أما الطب : فمداره على حفظ الصحة،واستحكام القوة،وذلك إنما يكون باعتدال المزاج تبعا للكيفيات المضادة" وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا" (..) ثم زاد على طب الأجساد بطب القلوب،وشفاء الصدور (..) وأما الهيئة : ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر فيها من ملكوت السموات والأرض (..) وأما الهندسة ففي قوله تعالى:" انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ "فإن فيه قاعدة هندسية،وهو أن الشكل المثلث لا ظل له.
وأما الجدل : فقد حوت آياته من البراهين والمقدمات والنتائج،والقول بالموجب،والمعارضة،وغير ذلك (..) وأما الجبر والمقابلة : فقد قيل : إن أوائل السور ذكر عدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سالفة،وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة (..) وفيه من أصول الصنائع،وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها : فمن الصنائع الخياطة في قوله تعالى:" وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ" الآية. والحدادة في قوله تعالى:" آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ"(..) والنجارة " أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ". والغزل :" نَقَضَتْ غَزْلَهَا"(..) والنسج (..) والفلاحة (..) والصيد (..) والغوص (..) والصياغة (..) والزجاجة (..) والفخارة (..) والملاحة (..) والكتابة (..) والخبز والطحين (..) والطبخ ..(..) وفيه من أسماء الآلات ،وضروب المأكولات والمشروبات (..) وجميع ما وقع ويقع في الكائنات = ما يحقق معنى قوله :" ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ" انتهى كلام المرسي ملخصا مع زيادات){ جـ 3 ص ص 406 – 412"أضواء البيان}
قال "مقتبسه"غفر الله لوالديه وله وللشيخ :
تعجبت من عدم تعليق "الشيخ"- رحم الله والديّ ورحمه – على الكلام الذي نقله عن"المرسي" أقصد "اصحاب الحقيقة" :
(ونظر فيه أرباب الإشارات أصحاب الحقيقة فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق)!!
هذا في الهامش .. أما المتن .. فإنه"القرآن" .. كلام الله – سبحانه وتعالى – الذي لا تنتهي عجائبه .. ولا تنقضي .. إلخ.
بالنسبة لي – كهاوي قراءة – كنتُ أسأل عن وجود كتب تحصي كلمات القرآن؟ : كلمة وردت مرة واحدة .. في القرآن كله .. وكلمة وردت مرتين .. وهكذا.
وإن كنتُ – للأسف الشديد ولأسباب كتبت عنها،لم أحفظ القرآن الكريم : ملخص ما حصل : كنت – في سن الخامسة - أحفظ بمجرد السماع . . ثم مسحت ذاكرتي .. لعمين تقريبا والحمد لله على كل حال – لا أذكر أنني قرأت في القرآن مفردة"حنان" غير تلك التي في سورة "مريم" :
"وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ "
وكذلك مفردة"راغ" لا أذكر أنها مرت عليّ غير مرتين .. وعلى لسان سيدنا إبراهيم – عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام – وهذا هو سبب طرحي السؤال السابق.
بالنسبة لي – كهاوي قراءة – تخطر في بالي أمور .. بطبيعة الحال .. هذا لا علاقة له بالتفسير ولا بالقرآن الكريم .. ولكنها "خواطر" .. تقفز إلى ذهني .. مثلا :
حين أقرأ قوله تعالى " وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ " البقرة 67،إلى قوله تعالى :" وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ "البقرة 72
القصة تقول،كما رواها"السدي" : (كان رجل من بني إسرائيل ثري،وعنده مال كثير،وكانت له ابنة،وكان له ابن أخ محتاج،فطلب ابن أخيه خطبة ابنته فأبى أن يزوجه إياها،فغضب الفتى،وقال : والله لأقتلن عمي،ولآخذن ماله،ولأنكحن ابنته،ثم أطلب ديته ).. وقد قتل الفتى عمه،بعد أن طلب منه أن يرافقه إلى "تجار"يريد الفتى التعامل معهم .. ومرافقة عمه ستساعده،وافق العم .. وفي الطريق غدر به الفتى،وعاد إلى منزله .. ثم عاد إلى مكان الجريمة .. فوجد بعض "السبط" الذين قتله عمه بقربهم،مجتمعين حول الجثة .. فاتهمهم بقتل عمه .. وطلب منهم دية عمه .. وانتهى الأمر بذهابهم إلى سيدنا موسى – عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام – فقال لهم .. "إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" .. إلخ.
وهكذا قدم القرآن الكريم .. طلب ذبح "بقرة" .. وبعد تعنت اليهود المعروف .. ذبحوا"البقرة"..
الخاطرة :
وهناك قضية أدبية معروفة عن أحد مشاهير الأدب الفرنسي .. أنه يقدم "النتيجة"على"السبب" .. تذكرتُ هذا فقط.
*
كتب الشيخ،رحم الله والديّ ورحمه :
(إن قريشا لما غلبوا النبي صلى الله عليه وسلم واستعصوا عليه قال:"اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف"..){ جـ 3 ص 447"أضواء البيان"}.
قال "مقتبسه"غفر الله لوالديه وله وللشيخ :
كنتُ أحسب أن عبارة"غلبه"كذا .. بمعنى أعجزه .. واستعصا عليه .. من لهجة الشناقطة .. لا من الفصيح !!
*
قال "مقتبسه"غفر الله لوالديه وله وللشيخ :
(وقد اختلف العلماء في التمتع بالزوجة : هل هو قوت؟ أو تفكه؟ وأجرى المالكية على هذا الخلاف حكم إلزام الابن بتزويج أبيه الفقير،قالوا : فعلى أن النكاح قوت فعليه تزوجيه،لأنه من جملة القوت الواجب له عليه،وعلى أنه تفكه لا جيب عليه ..){ جـ 3 ص 499"أضواء البيان"}.
*
قال "مقتبسه"غفر الله لوالديه وله وللشيخ :
عند قوله تعالى :
"وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا " الإسراء 11
(الوجه الثاني في تفسير الآية : أن الإنسان كما يدعو بالخير فيسأل الله الجنة،والسلامة من النار،ومن عذاب القبر،كذلك قد يدعو بالشر فيسأل الله أن ييسر له الزنى بمعشوقته،أو قتل مسلم هو عدو له ونحو ذلك. ومن هذا القبيل قول ابن جامع :
أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئزري المسبل
وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل /
عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل ..){ جـ 3 ص 543 – 544"أضواء البيان"}.
قال "مقتبسه"غفر الله لوالديه وله وللشيخ :
"الله لا يبلانا" .. حسب التعبير الدارج.
إلى اللقاء في الحلقة التالية .. إذا أذن الله.
محمود بن محمد للمختار الشنقيطي المدني