#شيء من اللغة: لمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا
د. هادي حسن حمّودي
هذا جزء آية من قصة ذي القرنين، وفيها أنه وصل إلى قوم لم يجعل الله لهم من دون الشمس سترا. ولمّا لم تذكر الآية عن أولئك القوم شيئا، أراد الرواة ملءَ شاغرٍ وتوضيح مُبْهَمٍ، حسب تصورهم. ولو اكتفوا بأن قالوا إنها أقوالهم وآراؤهم لهان الخطب، أما أن يضفوا عليها القداسة بنسبتها إلى المقام النبوي الشريف فدون ما يطيقه المرء إن كان لديه مُسكة من عقل وتفكير.
ولا نقول إنهم انطلقوا من سوء نية، ولكنها معارف أزمنتهم.
ومن ذلك ما رواه متأخرّهم عن متقدمهم - غفر الله لهم ولنا – في وصف الموضع وسكانه: (هو موضع قوم لم يكن بينهم وبين مطلع الشمس أحد من الناس. والشمس تطلع وراء ذلك بمسافة بعيدة وهي أمة يقال لها منسك وهي مقابلة ناسك... وهم تارس وهاويل. ومنسك حفاة عراة عماة عن الحق، يتسافدون مثل الكلاب، ويتهارجون تهارج الحمير. وقيل: هم أهل جابلق وهم من نسل مؤمني عاد الذين آمنوا بهود، ويقال لهم بالسريانية مرقيسا. والذين عند مغرب الشمس هم أهل جابرس. ولكل واحدة من المدينتين عشرة آلاف باب، وبين كل باب فرسخ ووراء جابلق أمم وهم تافيل وتارس وهم يجاورون يأجوج ومأجوج وأهل جابرس وجابلق آمنوا بالنبي - عليه الصلاة والسلام - مر بهم ليلة الإسراء فدعاهم فأجابوه، ودعا الأمم الآخرين فلم يجيبوه ).
ولم يتحرجوا من رفع الرواية إلى النبي الكريم. فأضفوا عليها قداسة ليست لها.
وأتحفنا أحد المفسرين بما قاله أحد الرواة: (وجدت رجالا بسمرقند يحدثون الناس، فقال بعضهم: خرجت حتى جاوزت الصين، فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت رجلا يُرينيهِم حتى صبّحتهم، فوجدت أحدهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، وكان صاحبي يحسن كلامهم، فبتنا بهم (كذا ورد في الأصل)، فقالوا: فيم جئتم ؟ قلنا: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة، فغشي عليّ، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذ هي على الماء كهيئة الزيت، وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلما ارتفعت أدخلوني سربا لهم، فلما ارتفع النهار وزالت الشمس عن رؤوسهم خرجوا يصطادون السمك، فيطرحونه في الشمس فينضج). وكأن الشمس تشرق ليلا!
ولقد ذكرتني فعلتهم هذه بما فعله أبو الفتح الاسكندري في (المقامة الأصفهانية) لبديع الزمان الهمداني. حيث روى عيسى بن هشام أنه أراد الخروج من أصفهان، وكان يترقب رحيل القافلة بين لحظة وأخرى، ولكن حان وقت صلاة الجمعة فآثر أن يؤديها أولا على الرغم من قلقه أن تفوته القافلة. وبعد أن يصف إطالة الإمام للصلاة وقراءته لطوال السور، حتى إذا ما انتهى منها (وقلت قد سهّل الله المخرَج، وقرَّبَ الفَرَج، قام رجل وقال: ..... وحقيق عليّ أن لا أقول غير الحق. ولا أشهدَ إلا بالصدق. قد جئتكم ببشارة من نبيّكم لكني لا أؤديها حتى يطهّر الله هذا المسجد من كل نذل يجحد نُبَوّته. قال عيسى بن هشام: فربطني بالقيود، وشدّني بالحبال السود. ثم قال: رأيته صلى الله عليه وسلّم في المنام، كالشمس تحت الغَمام، والبدر ليل التمام. يسير والنجوم تتبعه، ويسحب الذيل والملائكة ترفعه، ثم علّمني دعاءً، أوصاني أنْ أُعلّمَ ذلك أمّتَه. فكتبته على هذه الأوراق بخَلوق ومِسك، وزعفران وسُك (نوع من المسك) فمن استوهبه مني وهبتُه، ومن ردّ عليّ ثمن القِرطاس أخذتُه) فانثالت عليه الدراهم من كل حدب وصوب.
فبالطريقة ذاتها أراد أولئك الرواة إضفاء القداسة على تلك الروايات بنسبتها إلى المقام الجليل للنبي الكريم.
وتناسوا تماما هدف التنزيل العزيز من ذكر قصة ذي القرنين برحلاته الثلاث مما سنكمل استعراضه في الحلقة القادمة بإذن الله.
المصدر