حُروفُ الجرِّ في اللغة العربيّةِ
د. عبد الرحمن بودرع
حُروفُ الجرِّ في اللغة العربيّةِ ذاتُ أسرارٍ عظيمةٍ في توجيه المَعاني وتَشعيبِ المَسالكِ وتَفريعِ جِهاتِ القَولِ وتفصيلِ دقائق الكَلامِ، فهي التي تَبني المَشاهدِ للمُشاهِدِ وتُهيِّءُ مَنازلَ الحِجاجِ للمُنازِلِ، انظرْ على سبيل المثال في قَوله تعالى :
« ويَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ » النحل / 89
اجتَمَع في هذه الآيَة الواحدة ثَمانيةُ حروف جَرٍّ، منها ما تكررَ ومنها ما لم يَتكررْ. ولو تأمَّلْتَ
مواضعَ هذه الحروفِ ووظائفَها ودلالاتِها لوجدتَها أولا قد قيَّدَت الأفعالَ وأخرجتْها من إطلاقها وأحدثَت فيها شعباً ومَسالكَ وطُرُقاً فرعيَّةً بها تُدرَك دقائقُ المَعاني، فلا شكّ أنّ بين قولك: "نبعثُ شهيداً" وبين قوله تعالى "نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم" فَرقاً واختلافاً؛ فقَد أُخرجَ الفعلُ "بَعَثَ" من إطلاقه وقُيِّدَ بمَكان اختيار المَبعوث، وأُخرجَت الصفة المشبهَةُ "شهيد" من إطلاقها إلى تخصيص بمَن سيَقَع عليهم الإشهاد وتَبيين منْ سيُنتَقى منهم الشهداءُ... ثمّ يأتي الفعل الثاني "جئنا" لكيْ يُقيَّدَ بباء التعدية ... ثم الفعل "نزَّلْنا" ثم المصدر "تبيان" و"هدى".
المصدر