ويخرج الكاتب من هذه الدوامة ليقنعنا بأنه يعشق العربية عشقا لا مثيل له حيث يقول : "... كاتب هذه السطور عاشق للعربية التي يحبها ويقرأها يوميا ويكتب بها من حين لآخر. لكن سأجني عليها وأظلمها وأخون عشقي لها إذا حاولت أن أستعملها في التخاطب الشفوي..."، وإني لأتساءل : أي عشق هذا للعربية؟ وأي عاشق غير سوي ينعت عشيقته بألفاظ نابية كالتي رأيناها قبل قليل، وأقلها التخلف والإعاقة؟ أهكذا يكون العشق والهيام؟ إن هذه النظرية الجديدة من العشق لا تكون إلا في سياقات غير سوية، أو الذين يريدون أن يخدعوا الناس بهذا اللون العجيب من الحب!؟!
ولعل أعجب ما في المقالة الإعجاب بالماضي المغربي عندما كانت لغة التدريس غداة الاستقلال هي الفرنسية، حيث يقول :"... فلولا جنون التعريب لأمكن التعامل مع العربية بناء على طبيعتها وقدراتها الحقيقية وليس "اليوطوبية"، فتدرس كلغة لا يمكن الاستغناء عنها نظرا لوظيفتها الثقافية والتراثية الهامة، لكن مع التدريس بلغة أخرى موجودة في الأصل كلغة أم وتخاطب. وهذا ما كان عليه الأمر غداة الاستقلال، حيث كانت الفرنسية لغة التدريس والعربية لغة تدرس. والنتيجة معروفة : تكوين فكري وعلمي وثقافي جيد للتلميذ، وتمكن جيد كذلك بالعربية التي كانت تدرس كلغة وليس كـ "يوطوبيا" نحلم بها ولكن لا وجود لها في أي مكان...". ونحن نسأل الكاتب : إلى متى ستبقى الفرنسية لغة تدريس في المغرب؟ وهل التدريس بالفرنسية في بلد عربي يشي بالاستقلال؟ إن من أغرب الأمور أن يدعو كاتب إلى التعليم بالفرنسية مما يعني العودة إلى الوراء، ورفض التطوير الصحيح للغة التدريس التي هي الصورة المثلى لتحقيق رمز مهم من رموز الاستقلال الوطني واللغوي والثقافي.
غير أني سأكشف للقارئ الكريم دوافع هذا الشطط في الكتابة على هذا النحو، فهناك معركة حامية الوطيس بين تيارين في المغرب الحبيب : تيار يدعو إلى نصرة العربية، وتيار آخر يرى أن وجود العربية في المغرب لون من ألوان الاستعمار، وللأسف فإن جل من يناصرون هذا القول السفيه هم من أنصار الأمازيغية. وللتأكد من هذا ما عليك إلا أن تطالع المقالات والردود التي تنهال كالمطر على صفحات المجلة الإلكترونية المغربية "هسبريس" لترى بأم عينك حجم هذا الاختصام وفحواه وخطورته. وما عرف هؤلاء وهؤلاء أن هذا الاحتدام يؤثر على وحدة الشعب المغربي، وهو أمر في غاية الخطورة. وإني لأتساءل : متى كانت هناك خصومة بين العربية والأمازيغية اللتين عاشتا معا أدهارا وهما تصارعان معا الغزاة والمحتلين منذ الأندلس حتى وقت قريب؟ إنهما لغتان أختان لشعبين عريقين آن الأوان لتأكيد وحدتهم الوطنية والفكرية على أساس الدين القويم، ولقد كانت هذه حياة الشعوب الإسلامية باستمرار، حيث تقف العربية بجانب أخواتها من لغات الشعوب الأخرى باحترام متبادل. إن التعدد اللغوي أصبح ظاهرة طبيعية في هذا العصر، فلماذا الاقتتال في موضوع محسوم إنسانيا؟ والأغرب من هذا أن المتخاصمين مسلمون يحبون القرآن وعربيته، ولا ندري ما الذي يجنيه الفريقان من إضاعة الوقت في الخصام بدلا من إيجاد صيغة للحب والوئام والبناء في المغرب الذي هو محتاج إلى كل دقيقة عمل للرقي والازدهار؟ وافرض أن هؤلاء الأنصار للعربية نجحوا في جعل العربية لغة خطاب في التعليم، فما الذي يضير الكاتب ومناصريه؟ إنها دعوة جميلة وتصور جميل يرد الأشياء إلى أصولها وعراقتها، كما أنها خطوة في طريق الوصول إلى حالة التطابق بين المنطوق والمكتوب، كما يتمنى الكاتب ويحلم على نحو ما يرى في اللغات الأجنبية، إن كان هذا صحيحا، لأننا نعرف مثلا أن اللغة الإنجليزية التي نقرأها ونكتب بها، هي لغة أهل لندن وضواحيها، ويكاد الإنجليزي الذي يذهب إلى مقاطعة ويلز لا ينجح في التفاهم مع الناس هناك لاختلاف كبير بين اللهجتين. وأخيرا أستعير قول الرسول الكريم، عليه السلام، عندما قال:" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".