قبل نحو 200 عام .. مستشرق سويسري يعدّد مزايا اللغة العربية
جان هَمْبِرْت* | ترجمة: عبد اللطيف العبوبي
مساهمة في النقاش حول القضايا اللغوية بالمغرب، تنشر هسبريس ترجمة أعدها الدكتور عبد اللطيف العبوبي لخطاب ألقاه المستشرق واللغوي السويسري جان هَمْبِرْت عام 1823 في كلية جنيف، يعدد فيه مزايا تعلم اللغة العربية وأهميتها.
خطاب في منفعة اللغة العربية
حضرات السادة،
ينغرس أصل اللغة العربية عميقا في غابر الأزمان. البعض يظنها أم العبرية والبعض الآخر يعتقد وهو على حق أنها متفرعة عنها. لوحده، هذا الشك يبرهن على عراقتها، ذلك أن العبرية تعود إلى بداية الجنس البشري. وأيا ما يكن، فاللغة العربية هي إحدى اللغات الحية الأشد إيغالا في القدم والأفضل حفاظا على كيانها، إذ ما يزال يُتحدث بها إلى اليوم في صحاري شبه الجزيرة العربية مثلما كان الشأن منذ 5000 سنة. إنها كذلك الأرحب والأوسع انتشارا. هي اللغة الأم للشعوب التي تقطن العربيات الثلاث وسوريا وبلاد الرافدين وكلدا القديمة ومصر والنوبة والصحراء الكبرى وبلاد الجريد ومماليك فاس: تونس وطرابلس وبرقة. بهذه اللغة يسافر المرء في بلدان تركيا والأناضول وأرمينيا وفارس والهند وتتاريا والحبشة وإثيوبيا وسواحل جزر زنجبار والسنغال... في كل الأماكن التي نفذ إليها الدين المحمدي يتخاطب الناس بالعربية أو يفهمونها لأن القرآن يُدرس في وقت مبكر وفي النص العربي ويتلى مرة كل أسبوع في المساجد. ما أعظم المزية التي تتيحها هذه اللغة للمسافر إلى الشرق الباحث عن العلم والمتعة والثروة. ولن تبدو له أبدا اللغات التركية والفارسية والهندية أفيد ولا ربما أمتع منها. العربية هي أغنى لغات الشرق ويصل غناها أبعد حد لدرجة وجود آلاف المترادفات للكلمة الواحدة. هذه اللغة رائعة أيضا بتناغمها ومُوجزيتها وقوتها وجلالها.
لكن دعونا نتسامى إلى اعتبارات أكثر أهمية وذات طبيعة عامة، لنوضح أن التدريس الجدي لهذه اللغة سيساعدنا في التعرف بشكل أفضل على تاريخ وعادات ودين العرب، وأنها ستكون دعامة للاهوتي المنشغل بشرح وفحص الكتابات المقدسة، وأنها على الأخص ثمينة بما تمتلكه من النفائس الأدبية.
إذا كان في مكنة الدارس الهاوي لتاريخ الرومان واليونان، إذا دعت الضرورة، تلافي تعلم لغات هذه الشعوب بالاستعانة في ذلك بترجمات عديدة ووفية، فإن الأمر يختلف لمن يريد النفاذ إلى تاريخ العرب، لأن من بين آلاف المؤلفات التاريخية المحفوظة كمخطوطات في مكتبات أوروبا لا توجد سوى 30 مطبوعة [بالآلة]. فكيف بنا اكتساب فكرة جلية عن تاريخ هذه الشعوب إن لم ننهل مباشرة من هذه المصادر الخصبة؟ صحيح أنها حوليات، لكنها جديرة مع ذلك بالدراسة الجادة. وهي لا تقل أهمية من حوليات الإغريق والرومان؛ إذ تعرض أمام أعيننا وقائع لا تبلى وفضائل جميلة ونوازل عظيمة.
في نهاية القرن التاسع، تقريبا، رأت قبيلة من الجزيرة العربية انبثاق رجل من رحمها، تساوت فيه العبقرية والطموح. محمد [صلعم] يبتغي نيل الدرجات العلى، بتبديد الجهل والظلمات، الشعوذة والضلال، ومحاربة عبادة الديانات الباطلة. هُدد واضطهد وطُورد (...). وفي لحظة تهاوت الأصنام في سائر الجزيرة العربية ليعبد فيها إله واحد. سيواصل قادة مغاوير نشر رسالته الربانية. وبسرعة البرق، وفي أقل من 30 عاما فتحت دمشق وأورشليم وسوريا برمتها ومصر وفارس... ولم تكد تمر 80 سنة على وفاة النبي محمد حتى صار أتباعه سادة شمال إفريقيا بكاملها وإسبانيا، متخطين جبال "البرانس" ومندفعين إلى قلب فرنسا وقد توغلوا في سهول "البورغون" و"البواتو" متوعدين برهة بإحلال راية الإسلام محل صليب المسيح. غير أن مظاهر البذخ والتراخي الناشئة من الثراء الفاحش تسللت مبكرا إلى بلاط بغداد ولم يعد الخلفاء، الذين كانوا من قبل يثيرون الرعب ويهبون بسخاء دماءهم في المعارك، يحكمون إلا من خلال ولاتهم، بعد أن استقدموا لحماية عروشهم جنودا أجانب من التتار. بهذه الطريقة، هدوا بأنفسهم أسس إمبراطوريتهم: خرب العجز والفساد عمل العبقرية والفضيلة... ثم قتل آخر الخلفاء، "المستعصم"، ببشاعة تذكر بلوحة "موت سردنبال"-ستتكرر هذه الكوارث اللافتة للنظر والمليئة بالعبر من غير أن يستوعبها الأمراء. هكذا أيها السادة، كل ما هو بارز في تاريخ الشعوب الأخرى نجده في تاريخ العرب. أي من القادة العسكريين القدامى يتفوق في الشجاعة والعناد على صلاح الدين العظيم؟ وهل فترة حكم "المأمون" تلقي على الأدب إشعاعا أقل من فترة حكم أغسطس أو "ليون العاشر"؟
ثم إن تقاليد العرب ليست أقل شأنا من تاريخهم. ومن المعروف أن تقاليد وعوائد أي شعب تنعكس في لغته كما لو في مرآة وفية. الإنسان العربي صارم مثل اللغة التي يلهج بها. وطيلة 50 قرنا حافظ كليا على أعرافه وتقاليده وتراثه. وخلال هذه الحقبة الزمنية الممتدة ظلت لغته محصنة من أي تأثير أجنبي... لقد شاهد البدوي، الذي عاش حرا بجانب أمم مستعبدة، تعاقب مماليك مصر وسوريا وكلدا، كما لو كانت خيالات. تقدم غزاة قساة بعرباتهم الحربية حتى تخوم الصحراء وبالكاد وصلت إلى مسامعه أسماؤهم، وبالكاد تناهت إليه جلبة سباقات اسكندر المقدوني وسقوط مملكة فارس. وزمن فيما بعد، لما كانت أنباء انتصارات مواطنيه الباهرة تدعوه إلى ترك الرمال الحارقة والآبار الجافة، كان دوما يتصرف بحكمة وصرامة، ويفضل فقره الذي يمنحه الحرية والاستقلالية على العيش في الأقفاص الذهبية... في أيامنا هذه، لما قادت حملة مشهورة الفرنسيين إلى حدود شبه الجزيرة العربية، كان بمستطاع الناظر التعرف بسهولة على ملامح قاطن تلك الربوع كما صورها قدماء الأدباء: محراب، يأخذ بالأثر، شديد البأس، وفي آن معا مضياف وسخي، قنوع وصبور على تحمل ضروب الحرمان قاطبة، لا ينكل أبدا عن اليمين، يعيش مع كافة أفراد عشيرته في ود أخوي. اليوم، كما في زمن إبراهيم [عليه السلام]، يقيم كل رب عائلة العدالة بين ذويه. وبياض الشعر عندهم مقدس والشيوخ هم من يجرون المداولات، بحيث إن كلمة الشيخ في العربية تعني في الآن ذاته الكهل والسيد.
وثمة صفة مميزة لعرب الصحراء نعثر عليها في لغتهم: شغفهم بالخيول. ولهم ألف كلمة مختلفة لتسمية هذا الحيوان حسب سنه ولونه وشكله وعرقه. واسمه دوما على طرف لسانهم، يسكن أبياتهم الشعرية. الحصان عندهم بمثابة الصاحب الأعز، لا يفارقونه، وكنزهم الوحيد. يشاركهم في (...) الحروب ويقودهم نحو النصر السريع مثل الريح ويجنبهم هول الهزيمة.
هكذا فمعرفة اللغة العربية تفيدنا في التعرف على تقاليد الشعب الناطق بها. إنها تمدنا كذلك بمفاهيم أدق عن طبيعة وروح الملة المحمدية وهي موضوع بقدر ما هو بالغ الأهمية بقدر ما درايتنا به ضحلة. ولن نستطيع تصور جميع زوايا الانحراف التي ارتمى فيها العرب فيما يخص الدين: نحل عديدة ومحاجات من كل نوع وعناد في المناظرات والسجالات ومعتقدات واهية وخرافات تافهة وإيمان بالسحرة والمشعوذين وتقديس الأضرحة وبقايا الموتى... لقد عرف الشرق نظائر لما شهده الغرب من الأصوليين، والميثوديين والنساك المعتزلين والرهبان المتسولين، والأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت... فمن من مستمعيَّ لم يتناه إليه الحديث عن الوهابيين، وهي طائفة قوية نشأت في العربية السعيدة منذ 40 عاما وتهدد اليوم باجتياح فارس وتركيا. مؤسسها، وارث عبقرية واسم محمد، جاء ليعيد الإسلام إلى نقائه الأول. رفض التقاليد الإسلامية ومنع زخارف المساجد وأظهر العداء الشديد للأصوليين. 200 ألف محارب يدعمون بسيوفهم مذهب هذا المصلح الذي غير وجه الجزيرة العربية. (...) وإذا كان الهيلينيون، وحفدة ليونيداس الأول، يقاومون اليوم خصومهم بضراوة، فإن قسطا من نجاحاتهم يرجع إلى الرعب الذي يثيره هؤلاء المتعصبون وإلى جيوش الباب العالي العثماني التي تواجه هذا التيار المدمر.
هكذا وبدراستنا دين وتقاليد وتاريخ العرب سنتخلى تدريجيا عن كل الأحكام المسبقة الرائجة في المحادثات، بل في الكتب. غالبا ما نتكلم عن عمرو [بن العاص] العنيف، الخليفة القاسي، المسؤول عن إحراق مكتبة الإسكندرية... بيد أن عمرو كان أميرا لطيفا ومعتدلا وجوادا وكريم السجايا ومحبوبا تماما ممن كانوا يجلونه، والفعل الذي يلام عليه إن كان صحيحا إنما يدل على جهل وتعصب القرن... نتكلم عن معجزات نبي الجزيرة ونجهد أنفسنا في البرهنة على أنها ترهات ومجرد تسامٍ وتفاخر... لكن هذا معناه محاربة وهم عبثي. لم يزعم محمد [صلعم] قط بأن باستطاعته القيام بخوارق ومعجزات، بل كان يعيب الأمر صراحة على من كان يطالبه بذلك. نتكلم عن الشخص ذاته وكأنه أمي لم يعرف القراءة والكتابة. لكن المؤكد أنه ينتمي لأشهر قبائل العرب وكان قام برحلات طويلة إلى البلدان المجاورة ومارس التجارة مع شعوب سوريا المتحضرة واستجوب الكهنة والعلماء واكتسب كل المعارف الممكنة لتلك الفترة. نتكلم عن الضريح المشهور لمحمد [صلعم] في مكة غير أن هذا النبي دفن في المدينة بالذات التي توفي فيها. نتكلم عن الاستبداد الشرقي وكأنه بلا كوابح وبلا حدود لدرجة عدم الاعتراف قط بالقوانين الجنائية أو المدنية، وبأن كل القرارات متروكة لمزاج القضاة والسلطان... لنقرأ سورة النساء في القرآن وسنرى مدى دقة المشرع في تحديد نظام الإرث داخل العائلات وضمان الممتلكات الشخصية ضد شطط الحاكم... لن ننتهي من تعداد لائحة الأحكام المسبقة.
وإذا كانت دراسة العربية مفيدة للعلماء، فإنها إلزامية لعلماء اللاهوت المنشغلين بتفسير وفحص الكتابات المقدسة. العربية والعبرية لغتان شقيقتان ومفردات الواحدة تفسر غالبا بمفردات الأخرى. والعهد القديم (لا أحد ينكر أنه كتب بالعبرية) يتضمن الكثير من التعبيرات ἄπαζ γεγόύενα التي لا تتردد إلا مرة واحدة في الكتاب، وبما أن تلك التعبيرات لا تتكشف دوما بمجموع الجملة، فإننا وجوبا نلجأ إلى اللغة العربية بوصفها تضم تقريبا كافة جذور اللغة العبرية والتأكد ما إن كان المعنى المعروف للكلمة العربية يوافق الكلمة المجهولة في العهد القديم. إن "سفر أيوب" سيظل ملغزا غامضا للمترجم الجاهل بخبايا العربية.