الشمقمقية : شرح مختصر من شرح الشيخ الحسني ( 21 - 21)
بعد أن أوجه خالص الشكر للأحبة في (مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية )،وعلى رأسهم الدكتور عبد العزيز الحربي،عليّ أن أعترف بأنني حين أفتح صفحة (دراسات وبحوث لغوية)،أشعر أن الصفحة (محتلة) من (الشمقمقية)!! ولكن بفضل الله وتوفيقه هاهو يوم (الجلاء) قد حان .. وهاهي الحلقة الأخيرة،أو رحلة الشمقمقية الطويلة تلقي مراسيها .. وتلوح للقراء الكرام مودعة .. فإلى ختام الأرجوزة،حيث يقول الناظم مخاطبا السلطان :
255 – إليكها أرجوزة حُسّانة *** لمثلها ذو أدب لم يسبق
256 - كأنها أسلاك در ويوا *** قيت تضي كالبارق المؤتلق
257 - أعز من بيض الأنوقِ ومن *** العنقا ومن فحل عَقُوقٍ أبلق
((إليك : اسم فعل بمعنى خذ. وأرجوزة : أي منظومة من بحر الرجز : وهو أحد أوزان الشعر الستة عشر. وحُسانة بضم الحاء : صفة من الحسن،وهي أبلغ من حسنة. قوله كأنها أسلاك : أي خيوط. قوله : أعز من بيض الأنوق : هو مثل يضرب للشيء البعيد المنال. والأنوق : الرخمة،وهي لا تبيض إلا في رؤوس الجبال والأماكن الممتنعة. وكذا أعز من العنقاء،لأنها طائر لا وجود له إلا في الخيال. وأعز من الأبلق لأن الأبلق من صفات الفرس الذكر. والعقوق : من صفات الفرس الأنثى لأن معناه : الحامل والذكر لا يكون حاملا فهو أيضا مثل لما لا يوجد. وقد تصرف الناظم في المثل الأخير،فقال : من فحل عقوق أبلق،والفحل : الذكر من كل حيوان. ))
258 – ما روضة فينانة غناء قد *** جادت لها السحب بماء غَدَقِ
259 – فابتسمت أغصانها عن أبيض *** وأحمر وأصفر وأزرق
260 - يوما بأبهى للعيون منظرا *** منها ولا من لفظها المروق
((ما نافية حجازية تعمل عمل ليس. وروضة اسمها،وما بعد روضة صفة لها. والخبر في قوله بأبهى. والروضة : الأرض المخضرة بأنواع النبات. والفينانة : كثيرة الأفنان : أي الأغصان. والغناء : كثيرة الشجر والعشب. والماء الغدق : الكثير،وفي الكتاب العزيز "لأسقيناهم ماء غدقا". قوله : فابتسمت : الابتسام هنا كناية عن الإبانة،والمراد بالأبيض والأحمر وما بعده : أنواع الريحان كالزهر والورد والبهار والسوسن. قوله يوما : ظرف لابتسمت. وبأبهى : أي أجمل. ومنظرا تمييز. والضمير في منها يعود على الأرجوزة. ولفظها المرونق : أي المزخرف.))
261 – ما لجرير وجميل مثلُها *** في غزل وفي نسيب مونق
262 – ولا أديب في قرى أندلس *** جرت بها أقلامه في مُهْرَقِ
((جرير : هو ابن عطية الخطفى الشهير. وجميل : هو ابن عبد الله العذري صاحب بثينة. والغزل والنسيب : قيل إنهما بمعنى واحد. وقيل الغزل : مغازلة المحبوب خاصة أي ما يكون بين المحب والمحبوب من الأفعال والأقوال. والنسيب : وصف محاسن المحبوب،وكلف المحب بها. وجرت بها أقلامه : أي خطها. في مهرق : كمكرم : أي الصحيفة.))
ما ذكره الشيخ هنا من أن النسيب هو ذكر محاسن المحبوب .. عكس "النص"الذي أحفظ بعضه ..
ذكر محاسن النسا هو الغزل ... أما النسيب فالبكا على الطلل.
نعود للأرجوزة :
263 – فلو رآها الأصمعي خطها *** كي يَستفيد بسواد الحَدق
264 – أو فتح الفتحَ عليها عينه *** سام قلائده بالتمزق
265 – أو وصلت للموصلي فيما مضى *** عند الغنا بغيرها لم ينطق
266 – أو ابن بسام رآها لتدارك *** الذخيرة بها عن قلق
((الأصمعي : شيخ الرواة،,تقدم ذكره. وخطها : أي كتبها. بسواد الحدق : أي نورها. والتمزق : أراد به التمزيق. والفتح: هو ابن خاقان الأديب الأندلسي الكبير،وقلائده هي كتابه "قلائد العقيان"الذي ضمنه تراجم أدباء الأندلس والمغاربة في عصره وجملة صالحة من بديع شعرهم ونفيس نثرهم. قوله : أو وصلت للموصلي : هو إسحاق بن إبراهيم الموصلي المغني المشهور. والغنا في كلامه مقصور ضرورة. قوله : أو ابن بسام : هو علي بن بسام الأندلسي،أحد أدبائها الفضلاء وكتابها البلغاء،صاحب "الذخيرة"التي ألفها على مثال القلائد. وقوله : لتدارك الذخيرة بها : أي لألحقها فيها. عن قلق : أي بمزيد السرعة. ))
267 – من كان يرجو من ساوي مثلها *** رجا من القربة رشح العرق
(عرق القربة : كناية عن العدم،فهو مثل يضرب لمن يطلب المحال،وقد ظرف الناظم بتصرفه بزيادة لفظة،رشح فجاءت مؤكدة لمعناه،متممة لمبناه.))
268 – حصّنتها بسورة النجم إذا *** هوى من المنتحل المُسترق
(( حصنتها : أي جعلت لها حصنا يمنعها من المنتحل أي المدعي ما ليس له. المسترق : وهو مثل السارق. بسورة النجم إذا هوى : والتحصين بسور القرآن وأسماءه عز وجل مما ورد في الشرع فلا ينكر))
269 – فالحمد لله الذي صيرها *** إثمد عين المنصف الموَفق
270 – والحمد لله الذي جعلها *** قذى بعين الحاسد الحَفلق
(( الإثمد : حجر الكحل المعروف. والقذى : ما يقع في العين أو الشراب من نبتة أو نحوها. والحفلق : الضيف الأحمق.))
271 – ثم الصلاة والسلام ما تغنت *** أم مهدي بروض مورق
272 – على النبي وآله وصحبه *** وتابعيهم من مضى ومن بقي
(( أم مهدي : علم جنس للحمامة. وغناؤها : سجعها. وهذا تأييد للصلاة والسلام على خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم هـ))..
وبعد .. كما ستنتهي هذه الحياة .. انتهت هذه الأرجوزة الطويلة .. ووصلنا بفضل الله إلا نهاية الرحلة .. ولم يبق لنا – إضافة إلى تكرار شركنا للدكتور عبد العزيز الحربي – إلا أن نترحم على الربان الذي أبحر بنا بين أمواج (الشمقمقية) : الشيخ عبد الله بن كنون الحسني .. رحمه الله رحمة واسعة ورحم والديّ .. ونسأل الله أن يجازيه عنا خير الجزاء .. وسبحان الرزاق .. وصلّ الله على القائل (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ..) ومنها (أو عمل صالح ينتفع به) أو كما قال عليه الصلاة والسلام .. وهاهو هذا العمل يجلب للشيخ – رحم الله والديّ ورحمه – الترحمات .. بعد وفاته بما يدنو من ربع قرن .. فسبحان الرزاق.
وهذه ترجمة للشيخ – رحم الله والديّ ورحمه – نقلته عن موقع (المحجة) ..
العلامة الأديب عبد الله كنون ( 1908 - 1989 )
ترجمة حياتي
الاسم : عبد الله بن عبد الصمد التهامي كنون .
الولادة : بمدينة فاس يوم السبت 30 شعبان 1326هـ ، الموافق لشهر شتنبر سنة 1908 .
النشأة : كانت سني ست سنوات حين انتقلت مع والدي رحمه الله إلى طنجة ، وكان ينوي هو وعمي العلامة المرحوم محمد الهجرة إلى الشام ، ولكن إعلان الحرب العظمى الأولى حال دون ذلك . وقد نشأت بطنجة حيث حفظت القرآن الكريم ، وزاولت قراءة العلم على مشايخ عدة ، وأكثرهم والدي الشيخ عبد الصمد . وكان مجال دراستي ينحصر في علوم العربية والفقه والحديث والتفسير ، وأما الأدب فقد تعاطيته هواية .
وظائف وأعمال : اشتغلت بالتدريس في سن العشرين ، وكتبت في الصحف ونظمت الشعر قبل ذلك ، وأسست مدرسة حرة تخرج بها الكثير من المثقفين ، وعملت على إنشاء المعهد الديني بطنجة ، ووليت إدارته إلى يوم 20 غشت 1953 حين استقلت منها احتجاجا على الحادث الشنيع (*)الذي جرى في ذلك اليوم ، ولجأت حالا إلى تطوان لعدم المشاركة في البيعة الباطلة ، وأسندت إلي هناك وزارة العدل (**)في يناير 1955 ، ثم استقلت منها في يناير 1956 بعد رجوع السلطان واعتراف فرنسا باستقلال المغرب .
وقد اشتغلت أيضا عضوا في المجلس الأعلى للتعليم الإسلامي بالرباط وتطوان ، ومدرسا في المعهد الديني العالي بتطوان ، ومديرا لمعهد مولاي الحسن للأبحاث ، وعضوا في لجنة الأبحاث العلمية المشتركة بالرباط ، وقمت بأعمال أخرى اجتماعية وأدبية ، وأصدرت مجلة دينية شهرية هي مجلة " لسان الدين " .
أما تآليفي المطبوعة فقد تنوعت ما بين الفقه والفكر والأدب والسياسة والتاريخ ، وأشهرها :
- النبوغ المغربي في الأدب العربي
- أحاديث عن الأدب المغربي الحديث
- أمراؤنا الشعراء
- فضيحة المبشرين في احتجاجهم على القرآن الكريم
- على درب الإسلام
- مفاهيم إسلامية
- جولات في الفكر الإسلامي
- مدخل في تاريخ المغرب
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك،سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني