قولُ ابنِ مالكٍ في ألفيَّتِه :
وقدِّمْ الأخصَّ في اتِّصالِ =
وقدِّمَنْ ما شئْتَ في انفصالِ
والأخصُّ المُتكلِّمُ فالمُخاطَبُ فالغائبُ , فتقولُ في حال اتِّصال الضَّمير بالفعلِ : أعطَيتُكَه ولا تقولُ أعْطَيتُهُكَ لأنَّ الكافَ للمخاطَب تُقدَّم على الهاء الَّتي هي للغائِب , فكأنَّ الأمْرَ مُعلَّقٌ على مدَى قُربِ ما يُمثِّلُه الضَّميرُ وبُعدِه , فيقدَّمُ الأقربُ على الأبعد .
ويُشبِه هذا قولَ الله تعالى : « وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ » وقوْلَه : « وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ » , فكأنَّ التَّقديمَ كانَ باعتبارِ الأقْربِ والأبْعد : الوالدَان فذو القُريى , والجارُ ذو القُربى (قرابةٌ ومُجاورةٌ ) فالجَارُ الجُنبِ .
وكذلك قد يكونُ من ذلك قولُ النَّبيِّ : (وكُل ممَّا يَليك) , فالأقرَب الأقربَ , وفي الأثَر : (حَدِّثُوا النَّاس بما يعْرفُون أتريدُون أن يُكذَّبَ اللهُ ورسولُه) , فكلَّما قرُب الفهمُ إلى العقْلِ كان أفْضَل وأوْلى .
وكذلك - مثَلًا - التَّبرُّعُ بالأضْحيَةِ عن الميِّت بلا وصيَّةٍ منه , ففقهاءُ الحنابلَة يروْنَ أنَّ ذلك من الخيْرِ غيرَ أنَّ الحيَّ أولى منهُ .
وكذلك منهجُ الاسْتدلالِ فكلَّما كان أقْرَبَ في الوصولِ إلى الثَّمرةِ كان أوْلى من غيْره , فمثَلًا دليلُ الجواهِر والأعراضِ - على فرَضِ صحَّتِه تنَزُّلًا - فيه من المقدِّمات والخلافِ فيها ما اللهُ به عليمٌ , فيقدَّم غيرُه عليه لأنَّ طريقَه طويلةٌ إلى إثباتِ حدوثِ العالَمِ فمُحدثهِ اللهِ , وأولى منْه وأقربُ وأوقعُ في النُّفوس كلامُ ربِّنا ووحيُه , ويكْفي في ذلك قولُه تعالى : « أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ » .
وغيرُ هذا كثيرٌ , والله أعلى وأعلمُ .