لغويَّات: هل يجوز أن نقول: استشهد جندي متأثرًا بجراحه ؟
د.أحمد درويش
سألتُ قبلا
هل يجوز أن نقول: استشهد جندي متأثرًا بجراحه ؟
وأفاض علينا أحبابنا بما آتاهم الله من فضله فكان منهم الرافض ومنهم المؤيد ...
وقصة المنشور أنا نريد أن نقول : إن اللغة متجددة تواكب التعابير الجديدة التي صنعتها لغة الإعلام من مثل : استشهد جندي متأثرا ، قال قاض مؤيدا كلامه بالأدلة ...
والسؤال النحوي : هل يجوز كون صاحب الحال نكرة ؟ ففي المثالين السالفين جاء صاحب الحال نكرة ...جندي ...قاض ...وأفهمت الجملة فليس فيها خداج مطلقا ...
قلت : الأصل أن يكون صاحب الحال معرفة ، وهذا ما بثه علماؤنا ، لكن لا بد من تقدم إلى النصوص ، نصوص القرآن وقراءاته بدءا وخاتمة يساند هاتيك النصوص كلام رسول الله ...صلى الله عليه وسلم...وكلام العرب ، حتى نقول : ويجوز أن يكون صاحب الحال نكرة أيضا ... بلا أدنى غضاضة ...
ونحن هنا لا نحاول ليا لأعناق النصوص حتى نقول بالجواز ، ليس ذلك شأننا أبدا ...مع العلم أيضا أنا لم نأت بجديد ، فكل ما سنذكره مبثوث في كتب التفسير واللغة ، فقط هنا نحن نكتب من باب ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)
وهذي بعض النصوص التي جاء فيها صاحب الحال نكرة ، ولا مشكلة في ذلك كما أرى ...
أولا : يقول تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتالُ وَهُوَ كُرهٌ لَكُم وَعَسى أَن تَكرَهوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُم وَعَسى أَن تُحِبّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُم ﴾[البقرة: 216]
فالمقروء هنا أن ( شيئا ) نكرة وهي صاحب الحال ...ولا غضاضة مطلقا ثم جاءت جملة الحال ( وهو خير لكم ) ، ( وهو شر لكم ) فدل ذلك على جواز كون صاحب الحال نكرة ...
ثانيا : قال تعالى ﴿أَو كَالَّذي مَرَّ عَلى قَريَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُروشِها﴾[البقرة: 259]
فجاء صاحب الحال ( قرية) نكرة ، والحال ( وهي خاوية) ...
ثالثا : قال تعالى :﴿ ثُمَّ جاءَكُم رَسولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُم ﴾[آل عمران: 81]
حيث قرئت «ﻣﺼﺪﻗﺎ» ﻧﺼبا ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺎﻝ ﻣﻦ اﻟﻨﻜﺮﺓ، ﻭﻗﺪ ﻗﺎﺳﻪ ﺳﻴﺒﻮﻳﻪ ، ويعلق السمين الحلبي قائلا : "ﻭﺣﺴﻦ ﺫﻟﻚ ﻫﻨﺎ ﻛﻮﻥ اﻟﻨﻜﺮﺓ ﻓﻲ ﻗﻮﺓ اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺇﻧﻪ ﺃﺭﻳﺪ ﺑﻬﺎ ﺷﺨﺺ ﻣﻌﻴﻦ ﻭﻫﻮ ﻣﺤﻤﺪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ "
ومن هنا نستطيع استنباط قاعدة جديدة نصها ( إذا جاء صاحب الحال نكرة مدلولا عليه بمعرفة تسبقه فإن النكرة تصبح في قوة المعرفة ) ...وهذا مني اجتهاد بناء على ما ذكره السمين الحلبي وغيره ...
رابعا : قال تعالى ﴿ وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدينَ عَلَى القاعِدينَ أَجرًا عَظيمًادَرَجاتٍ مِنه﴾[النساء: 95-96]
قال السمين : " ﻗﻮﻟﻪ «ﺃﺟﺮا» ﻓﻲ ﻧﺼﺐ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﻭﺟﻪ. اﻟﺮاﺑﻊ: ﺃﻧﻪ ﺣﺎﻝ ﻣﻦ «ﺩﺭﺟﺎﺕ» ﻗﺎﻝ اﻟﺰﻣﺨﺸﺮﻱ: «ﻭاﻧﺘﺼﺐ» ﺃﺟﺮا «ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺎﻝ ﻣﻦ اﻟﻨﻜﺮﺓ اﻟﺘﻲ ﻫﻲ» ﺩﺭﺟﺎﺕ «ﻣﻘﺪﻣﺔ ﻋﻠﻴﻬﺎ» ...
خامسا : قال تعالى :﴿قُل يا أَهلَ الكِتابِ تَعالَوا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ ﴾[آل عمران: 64]
حيث قرئت «ﺳﻮاء» ﺑﺎﻟﻨﺼﺐ ، مع كون صاحب الحال نكرة ( كلمة) قال علماؤنا :" ﻭﻓﻴﻬﺎ ﻭﺟﻬﺎﻥ ...اﻟﺜﺎﻧﻲ: ﺃﻧﻪ ﻣﻨﺼﻮﺏ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺎﻝ، ﻭﺟﺎءﺕ اﻟﺤﺎﻝ ﻣﻦ اﻟﻨﻜﺮﺓ، ﻭﻗﺪ ﻧﺺ ﺳﻴﺒﻮﻳﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭاﻗﺘﺎﺳﻪ "
سادسا :﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِن كُنتُم في رَيبٍ مِنَ البَعثِ فَإِنّا خَلَقناكُم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضغَةٍ (مُخَلَّقَةٍ) وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ ﴾[الحج: 5]
جاء في البحر المحيط " ﻭﻗﺮﺃ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻋﺒﻠﺔ ﻣﺨﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﻨﺼﺐ ﻭﻏﻴﺮ ﺑﺎﻟﻨﺼﺐ ﺃﻳﻀﺎ ﻧﺼﺒﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺎﻝ ﻣﻦ اﻟﻨﻜﺮﺓ اﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ "
هذا وقد جمعت من بطون أمات الكتب أكثر من عشرة نماذج ، لكن ... يكفي من القلادة ما أحاط بالجيد ...
فذلكة المسألة :
صوغ قاعدة صاحب الحال على النحو التالي : الأصل في صاحب أن يكون معرفة ، وجائز أيضا أن يأتي نكرة بلا مسوغ إن أفاد ..
يمكن الرجوع لكتب التفسير وإعراب القرآن وبخاصة معاني القرآن وإعرابه ، الزجاج البحر المحيط أبو حيان والدر المصون السمين الحلبي ودراسات لأسلوب القرآن الشيخ عبدالخالق عضيمة ....
ونأسف لطول المنشور
والعلم عند الله
المصدر