في سلسلة محاكمة النصوص - بيت للنَّجَاشِي من شواهد كتاب سيبويه
في أثناء محاكمتي مواضع عدّة من نَصِّ "باب ما يحتمل الشعر" من كتاب سيبويه عرَضَ لي فيه 1/ 27 - الطبعة الثالثة، 1408هـ نشر مكتبة الخانجي - بيتٌ للنَّجَاشي الحارثيّ (المتوفي بعد 94 ه ظنًّا) فيه حذف للنون الساكنة من لكنِ المخفّفة من الثقيلة، قال: "وكما قال النَّجَاشي:
فَلَسْتُ بِآتِيْهِ ولَا أَسْتَطِيْعُهُ = وَلَاكِ اسْقِنِي إِنْ كانَ ماؤُك ذا فَضْلِ"
وقد ضُبِطَتِ الكاف من (ماؤك) بالكسر، وعلى الرغم من أني أراه خطأَ طباعةٍ، إلّا أنَّ الرَّغْبةَ في تدقيق النظر في هذا ساقني إلى الحديث عن البيت والقصيدة التي ورد فيها، فأثمر هذا هذه المقالةَ التي أرجو أن تكون نافعة بإذن الله.
وأبدأ بتعليل كونِ كَسْرِ كافِ الخطاب خطأَ طباعةٍ، ذلك أنَّ الكافَ هنا ليست كافَ خطاب المؤنث حتى تُكسَرَ، فالمخاطَبُ ليس مؤنثًا وإلا لقال: اسْقِيْنِي، بَدَلًا مِنْ: اسْقِنِي، وكما هو ظاهرٌ للعيان فإنّ المخاطَب مذكّرٌ هو الشاعر، والمتكلِّم مذكر أيضًا هو الذئب.
ولا شكّ عندي أنّ المحقق الشيخ عبد السلام هارون، رحمه الله، ليس مسؤولًا عن خطأِ الضبط هذا؛ فقد ذكرَ سِياقَ البيت وأنه "زعمٌ على لسان ذئب استضافه النجاشي للطعام والشراب، فقبل الذئب الشراب واعتذر عن عدم قبول للطعام"، ومع ضعف هذه القراءة للبيت نوعا ما، ولكنها تقترب كثيرا من المراد، وأحسن منها ما ذكره البغدادي الخزانة 10/ 419، 420، ونصّه: "وَكَانَ النَّجَاشِي عرض لَهُ ذِئْبٌ فِي سفر لَهُ، فَدَعَاهُ إِلَى الطَّعَام وَقَالَ لَهُ: هَل لَك مَيْلٌ فِي أَخ - يَعْنِي نَفسه - يواسيك فِي طَعَامه بِغَيْر مَنٍّ وَلَا بُخْل؟، فَقَالَ لَهُ الذِّئْب: قد دعوتني إِلَى شَيْء لم يَفْعَله السبَاع قبلي من مؤاكلة بني آدم، وَهَذَا لَا يمكنني فعله، وَلست بآتيه وَلَا أستطيعه، وَلَكِن إِن كَانَ فِي مائك الَّذِي مَعَك فَضْلٌ عَمَّا تحْتَاج إِلَيْهِ فاسقني مِنْهُ.
وَهَذَا الْكَلَام وَضعه النَّجَاشِيّ على لِسَان الذِّئْب كَأَنَّهُ اعْتقد فِيهِ أَنه لَو كَانَ مِمَّن يعقل أَو يتَكَلَّم لقَالَ هَذَا القَوْل. وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَعَسُّفِه للفَلَوات الَّتِي لَا مَاء فِيهَا فيهتدي الذِّئْبُ إِلى مظانه فِيهَا لاعتياده لَهَا".
وأحسن من هاتين القراءتين ما علق به محمد أبو الفضل على قول الذئب:
فقال هَدَاكَ اللهُ إِنَّك إِنَّما = دَعَوتَ لِمَالَمْ يَأْتِهِ سَبُعٌ قَبْلِي
"يقول الذئب: دعوتني لما لم يفعله ذئبٌ من الإمساك عنك وعن راحلتك" وهذا يعني أنّ الشاعر على لسان الذئب يقرر شدّة الاستيحاش بين السباع والآدميين بما يمتنع معه المؤاكلة ناهيك عن المعاشرة والمؤاخاة والمواثقة والثقة، واستحالة التعاهد بينهما وأن يأمن أحدهما الآخر حتى مع الإحسان من الآدمي للسبع لأنّ الذئبَ الشعريّ يدرك أنّه إحسانٌ ليس للإحسان، وإنما لاتقاء الشرّ والاعتداء المعتاد منه، وهذا إقرار من الشاعر أنّ الذئبَ الكائن الشعريّ اللغويّ الذي يتخلّق باللغة ويتحقق وجوده بها لا يمكن أن يتلبّس غير طباع الذئب المادّي المحسوس، وإلا لكان خَلْقًا آخر غيرَ الذئب، فالذئب الشعري يمكن أن يتكلم ويحزن ويبكي ويفرح ويضحك ونحو ذلك عدا أنْ يخلو من ذِئْبِيّتِهِ التي سُمّي من أجلها ذئبًا، فهي الحَبْل السرِّي الرابط بينه وبين الذئب الكائن المادّي المدرك بالحواسّ قبل اللغة.
وعودٌ إلى البيت والقصيدة التي جاء فيها، فالقصيدة في زيادات نسخة أبي سَهْل(1) على ديوان امرئ القيس جاءت في أربعة عشر بيتًا ص 362 – 364 (2) على أنّها من شعر امرئ القيس، وجاءت في ديوان النّجاشي، والأمالي الشجرية: 717، 718، تسعة أبيات، وفي المعاني الكبير لابن قتيبة: ص 207، 208، وأمالي المرضى 2/ 211، وخزانة الأدب، سبعة أبيات.
وللفائدة سأثبتها كما وردت في ديوان امرئ القيس - مع عناية بالضبط، وتصحيحه ما أمكنني ذلك - موازنةً في الحواشي بما في ديوان النجاشي وخزانة الأدب: ص 55، 56 فحسب (3):
1. رَحَلْتَ وَلَمْ تَقْضِ اللُّبَانَةَ مِن جُمْلِ = وكانَ سِفَاهًا صَرْمُ ذِي الوُدِّ والوَصْلِ
2. وما ذاك مِن صَرْمٍ بَدَا لِي ولا قِلًى = ولكنْ مُلِمَّاتٌ عَرَضْنَ مِن الشُّغْلِ
3. وخَطْبٌ يُعَدِّي ذا الهَوَى عن صَدِيقِهِ = وَيَمْنَعُ مِن بَعْضِ الصَّبَابَةِ ذا العَقْلِ(4)
4. وَرَكْبٍ يُرِيدُوْنَ(5) الرُّقَادَ بَعَثْتُهُمْ = على لاحِبٍ يَعْلُو الأَحِزَّةَ كالسَّحْلِ(6)
5. فَقَامُوا نَشَاوَى يَلْمَسُونَ ثِيَابَهُمْ = يَشِيمُونَ أَبْرَاقَ المَشَقَّةِ مِنْ أَجْلِي(7)
6. وَقُمْتُ إلى حَرْفٍ كَأَنَّ قُتُودَها = إذا دُقَّ أَعْنَاقُ المَطِيِّ على فَحْلِ
7. شَدِيدَةِ دَرْءِ المَنْكِبَينِ جُلالَةٍ = وَثِيقَةِ وَصْلِ الدَّفِّ مَفْرُوشَةِ الرِّجْلِ(8)
8. ومَاءٍ كَلَونٍ البَوْلِ(9) قَدْ عَادَ آجِنًا = قِلِيلٍ به الأصواتُ في كَلَإٍ(10) مَحْلِ
9. لَقِيتُ(11) عليه الذِّئْبَ يَعْوِي كأَنَّهُ = خَلِيعٌ خلَا مِنْ كُلِّ مَالٍ ومِنْ أَهْلِ
10. فقلتُ له: يا ذِئْبُ، هَلْ لك في أَخٍ(12) = يُوَاسِي بلا أُثْرَى(13) عليكَ ولا بُخْلِ؟
11. فقال هَدَاكَ اللهُ إِنَّك(14) إِنَّما = دَعَوتَ لِمَالَمْ يَأْتِهِ سَبُعٌ قَبْلِي
12. فَلَسْتُ بِآتِيْهِ ولا أَسْتَطِيعُهُ = وَلاكِ اسْقِنِي إِنْ كانَ مَاؤُكَ ذا فَضْلِ
13. فَقَلْتُ عليكَ الحَوْضَ إِنِّي تَرَكْتُهُ = وفي صَفْوِهِ(15) فَضْلُ القَلُوْصِ مِنَ السَّجْلِ
14. فَطَرَّبَ يَسْتَعْوِي ذِئَابًا كَثِيرَةً = وَعَدَّيْتُ، كُلٌّ(16) مِنْ هَوَاهُ على شُغْلِ
***
ولم يقم محمد أبو الفضل محقق ديوان امرئ القيس بتحقيق نسبة القصيدة، على أني أثق بما ورد في كتاب سيبويه من نسبة الشاهد منها إلى النجاشي الحارثيّ، وبخاصة أن البغدادي صاحب خزانه الأدب 10/ 418، 419، الشاهد رقم 875: أكّد النسبة قائلا: "وَالْبَيْت من قصيدة للنجاشي الْحَارِثِيّ ... وبعد أنْ أورد سبعة أبيات، قال: وَهَذِه الْقطعَةُ أوردهَا ابْنُ قُتَيْبَة فِي كتاب أَبْيَات الْمعَانِي، والشريفُ المُرْتَضى فِي أَمَالِيهِ، والشريفُ الْحُسَيْنِي فِي حماسته"، وعند مراجعة مصادره وجدتهم ينسبونها جميعا للنجاشي.
وليس من شأني هنا تحقيق النسبة، ولكنّي مطمئنٌّ إلى نسبتها للنجاشي وبخاصّة بعد أن قال محمد أبو الفضل إبراهيم عن نسخة أبي سهل لديوان امرئ القيس [ص 17 من مقدّمته] إنّ هذه النسخة انفردت بقصائد لم ترد في النسخ الأخرى التي ذكرها وهي خمس نسخ، للأَعْلَم، والطُّوْسي، والسُّكَّري، والبَطَلْيُوسي، وابن النَّحّاس، وهذا في نظري يُضْعف الثِّقة بما ينسب إلى امرئ القيس في نسخة أبي سَهْل مما لم يرد في النسخ الأُخَر.
***
وهذا تفسير البغدادي 10/ 420 لبعض ألفاظ الأبيات السبعة الواردة عنده ابتداء من البيت الثامن في القصيدة المثبتة قبل قليل:
"وَالغِسْل بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة: مَا يغسل بِهِ الرَّأْس من سِدْرٍ وخَطْمِيّ وَنَحْو ذَلِك. يُرِيد أَن ذَلِك المَاء كانَ متغيرَ اللَّوْن من طول المُكْثِ مُخْضَرّاً ومُصْفَرّاً وَنَحْوَهما.
والآجِنُ بِالْمدِّ وَكسر: الماءُ المتغيِّرُ الطَّعْمِ واللَّوْن.
وَقَوله: قَلِيل بِهِ الْأَصْوَات، يُرِيد: أَنه قَفْر لَا حَيَوَان فِيهِ.
والْبَلَد: الأَرْض وَالْمَكَان.
والمَحْل: الجَدْب وَهُوَ انْقِطَاع المَطَر ويُبْس الأَرْض من الكَلأ.
والخليع: الَّذِي خلعه أَهله لجناياته وتبرّؤوا مِنْه.
وعَلَيْك: اسْم فعل بِمَعْنى الزم، والحوض مَفْعُوله.
والصَّغْو بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة، وكسرها، وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة: الْجَانِب المائل.
والسَّجْل بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم: الدَّلْو الْعَظِيمَة.
وطَرَّب فِي صَوته بِالتَّشْدِيدِ: رجّعَه ومدَّدَه. كَذَا فِي الْمِصْبَاح".
***
وهذه فائدة تتصل باسم الشاعر:
ففي اللسان: "والنَّجاشيّ والنِّجاشِيّ: كلمةٌ للحبَش تُسَمي بها ملوكها: قال ابن قتيبة: هو بالنَّبَطِيَّة أَصْحَمَة أَي عَطِيَّة. الجوهري: النَّجَاشيّ، بالفتح، اسم ملك الحبشة، وورد ذكره في الحديث في غير موضع؛ قال ابن الأَثير: والياء مشددة، قال: وقيل الصواب تخفيفها".
***
الحواشي:
1- ذكر أبو الفضل أنه جاء في أولها: "قال أبو سَهْل خرابنداذ بن ماخراشيذ قرأت على أبي جعفر أحمد بن حسن الكوفي المعروف بدندان بشيراز شعر امرئ القيس بن حجر، ثمّ قرأته بفَسَا على أبي عمر حفص بن عمر العَبْدي الإصْطَخْريّ". ثم قال أبو الفضل: "ولم أعثر على ذكر لهؤلاء جميعا فيما وقع لي من كتب التراجم، إلا أنه يتضح مما ذكره أبو سهل بعد ذلك أن أبا جعفر المعروف بدندان قرأ الديوان على عدّة من أصحاب الأصمعي، وأن أبا عمر الإصطخري رواه عمّن قرأ على المفضّل، وإذنْ هي رواية جمعت بين روايتي الأصمعي والمفضّل، أو هي رواية كوفية بصرية، جمع أبو سهل بينهما" ولكلامه بقيّة عن أهمية هذه النسخة وميزاتها، انظر: مقدمة تحقيقه ديوان امرئ القيس ص 16، 17.
2- ديوان امرئ القيس تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
3- ديوان النجاشي الحارثيّ قيس بن عمرو.
4- الأبيات الثلاثة الأُوَل: لم ترد في الديوان، ولا الأمالي الشجرية: 717، 718. والسبعة الأُوَل لم ترد في خزانة الأدب.
5- في الديوان: يُحِبُّونَ.
6- في الديوان: بالسحْل، والسَّحْلُ والسَّحِيْل أَيضاً: الحبْل الذي على قُوَّة واحدة، والثوب الأبيض، وقد يشبهون الطريق بالثوب الأبيض كما جاء في اللسان (سحل).
7- هذا البيت لم يرد في الديوان، ولا الأمالي الشجرية.
8- وهذا البيت أيضا لم يرد في الديوان، ولا الأمالي الشجرية.
9- في الديوان، وخزانة الأدب: الغِسْل.
10- في الديوان، والخزانة: بَلَدٍ.
11- في الديوان، والخزانة: وَجَدْتُ.
12- في الديوان: مِنْ فَتًى، وفي الخزانة: في فتًى.
13- في الديوان والخزانة: مَنٍّ.
14- في الديوان، والخزانة: لِلرُّشْدِ.
15- في الديوان: صِغْوِهِ، وتفتح الصاد، وهي الصواب في رأيي لما ورد في اللسان والقاموس: وصِغْوُ المِغْرَفَةِ: جَوْفُها. وصِغْوُ البئرِ: ناحِيَتُها. وصِغْوُ الدَّلْوِ: ما تَثَنّى من جَوانِبِه؛ قال ذو الرُّمَّة: فجاءت بِمُدٍّ نِصْفُه الدِّمْنُ آجِنٌ = كَمَاءِ السَّلَى في صِغْوِها يَتَرَقْرَقُ
ابن الأَعرابي: صِغْوُ المِقْدَحَةِ جَوْفُها. ويقال: هو في صِغْوِ كَفّهِ أَي في جَوْفِها.
16- في الديوان لا الخزانة: وعُدْتُ فَكُلٌّ.
***
المصادر:
- الأمالي الشجرية لابن الشجري، هبة الله بن علي – 542 هـ، تحقيق: عبد المعين الملوحي، وأسماء الحمصي، دمشق 1970.
- أمالي المرتضى غرر الفرائد ودرر القلائد، لعلي بن الحسين الموسوي 355 – 436، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، 1373هـ، عيسى البابي الحلبي، مصر.
- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، لعبد القادر بن عمر البغدادي 1030 - 1093 هـ، ج 10، ط 4، 1420 هـ، مكتبة الخانجي بالقاهرة.
- ديوان النجاشي الحارثيّ قيس بن عمرو، صنعة وتحقيق: صالح البكاري، والطيب العشّاش، وسعد غراب، ط 1 ، 1419 – 1999، مؤسسة المواهب، بيروت، لبنان.
- ديوان امرئ القيس تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 4، دار المعارف، مصر.
- كتاب سيبويه أبي بشر عمرو بن عثمان بن قَنبر – 180 هـ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ط 3، 1408ه،ـ مكتبة الخانجي بالقاهرة.
- المعاني الكبير في أبيات المعاني لابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدينوري – 276 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.