نشأة الشعر الأندلسي وتطوره
من كتاب تاريخ الأدب الأندلسي
في معرض الحديث عن فضل الأندلس في الشعر بين سائر المظاهر الأدبية والثقافية قال ابن حزم يذكر أقدم شعراء الأندلس: " ونحن إذا ذكرنا أبا الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي في الشعر لم نباه به الا جيرا والفرزدق لكونه في عصرهما، ولو أنصف لاستشهد بشعره فهو جار على مذهب الأوائل لا على طريقة المحدثين " وجعونة هذا الذي ذكره كان من العرب الطارئين على الأندلس، مداحا للصميل وزير يوسف بن عبد الرحمن الفهري في عهد الولاة، وكان فارسا شجاعا يسمونه عنترة الأندلس، ولم يبق من شعره إلا أبيات يسيرة لا تدل على هذا الذي قاله ابن حزم، محاولا في كلمته أن يجعل للشعر الأندلسي موروثا أندلسيا قديما، في موضع المباهاة، وهو من أعرف الناس بقيمة الموروث ومن أكثرهم تعلقا به. وتتبقى أمامنا، بعد ذلك، حقيقة هامة في نشأة الشعر الأندلسي، وفي النماذج التي احتذاها، والمجالات التي كان يرودها، وهي انه يتكون حين كان الشعر المشرقي يشهد تجديد بشار وأبي نواس، ويقف على مفترق الطريق بين مذهبي أبي تمام والبحتري، ولما كان سكان الأندلس يلتفتون في كل شيء إلى المشرق، فقد اتخذوا من شعر المشارقة المحدثين مثالا يقلدونه، ونورا يهتدون به، أي انهم جعلوا المحدث؟ لا شعر العرب الأوائل - موروثا لهم ينسجون على منواله، ويستوحون ما فيه، وهذه الحقيقة كفيلة بتفسير جانب كبير من مظاهر الشعر الأندلسي في هذا الدور.
المؤدبون؟ أثرهم في نشأة الأدب والمقاييس النقدية
وقد كان القائم بأمر هذا الشعر المحدث وتقريبه إلى دارسي الأدب طبقة من المؤدبين، ارتحل أكثرهم إلى المشرق، واعترف مما فيه من علم وأدب، وعاد يدرس في جامع قرطبة، وقرطبة يومئذ " دار القوم "، فإلى هؤلاء وإلى المهاجرين من طلاب الحاجات، والى تشجيع الحاكمين يومئذ، يعزى في إدخال ضروب الثقافة المشرقية بلاد الأندلس، من حديث وفقه ولغة وشعر وسير. وكان من أوائل الكتب اللغوية التي هاجرت بصحبتهم كتب الأصمعي والكسائي والفراء والرياشي وأبي حاتم وابن الأعرابي وكتابا الفرش والمثال في العروض للخليل بن احمد وكتاب يعقوب بن السكيت في إصلاح المنطق ومؤلفات ابن قتيبة وأبي عبيد القاسم بن سلام، كما كان النحوي وابن قاسم أول من ادخلا كتاب العين للخليل أما في الشعر فان محمد بن عبد الله الغازي (- 269) جلب الأشعار المشروحات كلها، وهاجر عباس بن ناصح لما سمع بنجوم أبي نواس، وروى شعره. ويجب ان ننوه هنا بمقدار ما أحرزه شعر أبي تمام من قبول في البيئة الأندلسية، فقد توفر على نقله اثنان من المؤدبين هاجرا إلى المشرق وروياه عن صاحبه واقرءاه بالأندلس وهما عثمان ابن المثنى النحوي، ومؤمن بن سعيد وللأول منهما قصة طريفة: فيقال انه اجتمع مع أبي تمام في مركب ببحر القزم فأنشده أبو تمام شعره الذي يقول فيه:
الله أكبر جاء اكبر من مشى ... فتعثرت في كنهه الأوهام وكان هذا البيت مبتدأ الشعر فقال له ابن المثنى: شعر حسن لولا انه لا ابتداء له فوقذت في نفس حبيب وابتدأ الشعر بقوله:
دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام ثم أنشده في اليوم الثاني بهذا الابتداء إلى تمامه، فقال له ابن المثنى: أنت أشعر الناس، فمعظم في نفس حبيب، ثن لقيه حبيب في انصرافه وحبيب قد عظم قدره وجل خطره فكان يؤثره ويعرف له فضله، وكان اول من ادخل شعره وأقرأ أبو عبد الله الغابي ديوان أبي تمام وعنه أخذه أبو العباس الطبيخي وهذا الثاني شرحه كما شرح شعر صريع الغواني وأمر الخليفة عبد الرحمن الناصر بانتساخ شعر حبيب وجمع لذلك جماعة من أدباء الأندلس يومئذ، لتحقيق ذلك، وإزاء هذه العصبية لأبي تمام وجد أيضاً من يتعصب للبحتري ويدين بتفصيله. وهذا كله ينبئ عما كان للشعر من مقام بين عرب الأندلس، ولم يمض وقت طويل حتى كان الذوق الأندلسي قد ألف هذا النوع من الشعر، وجعله مقياسا للجودة، ولم يألف ما عداه كثيرا، وأصبح المتأدبون هنالك يضعون خطأ فاصلا بين طريقتين في الشعر: طريقة العرب وطريقة المحدثين، فيقولون مثلا أن فلانا الشاعر كان اكثر أشعاره على مذاهب العرب، وكانوا هم أميل إلى تفضيل ما جرى على مثال الشعر المحدث، حتى أن الرياحي الشاعر (- 358) حين نظم قصيدة في الرثاء، وبناها على مذاهب العرب، وخرج فيها على مذاهب المحدثين، لم يرضها العامة ولم يجد من يعجب بها إلا أبا علي القالي ومن يذهب في طريقته.
فعلى أيدي هؤلاء المؤدبين تم، أذن، شيء من تبلور الذوق الأندلسي، بقبول ما يقبل ورفض ما يرفض، وفي مجالس تدريسهم تكونت نواة حركة نقدية ساذجة، فهم الذين كانوا يشرحون الشعر لطلبتهم ويتكلمون في معانيه ويقربونها ويضربون الأمثال فيها، ويتتبعون ما فيها من المآخذ اللغوية والنحوية، ومما يلفت النظر انهم كانوا يتدارسون شعر شعرائهم كما يتدارسون شعر المشارقة. فكان عباس بن ناصح، وهو أحد هؤلاء المؤدبين، ومذهبه في شعره مذهب العرب الأول في أشعارهم، كما ورد قرطبة، جلس في جامعها يقرأ على الطلبة ما كان نظمه من شعر. ووفد مرة على قرطبة فجاء أدباؤها للأخذ عنه فمرت عليهم قصيدته:
لعمرك ما البلوى بعار ولا العدم ... إذا المرء لم يعدم تقى الله والكرم حتى انتهى إلى قوله:
تجاف عن الدنيا فما لمعجز ... ولا حازم إلا الذي خط بالقلم فاعترضه يحبى الغزال وقال: وما الذي يصنع مفعل مع فاعل. قال: فكيف تقول أنت، قال: تجاف عن الدنيا فليس لعاجز، فاستحسن عباس ذلك منه وقال " والله لقد طلبها عمك ليالي فما وجدها "
وأنكر على عباس أيضا في مجلس أحد النحويين أنه خفف ياء النسب في قوله:
يشهد بالإخلاص نوتيها ... لله فيها وهو نصراني فاحتج عباس على المنكرين، بقول عمران بن حطان:
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وان لقيت معديا فعدناني وكاد الذوق في هذه البيئة يجمع على ان الشعر إنما يتقدم غرابته وحسن معناه، وان من خير الشعر وصف أبي تمام للقلم لما فيه من غرابة. على أننا يجب ألا نغلو في تقدير ما كان يحسنه هؤلاء المؤدبين، فانهم؟ في الأكثر - كانوا سطحيين حتى في ميدانهم من لغة ونحو، قال الزبيدي يصفهم: " وذلك ان المؤدبين إنما كانوا يعانون إقامة الصناعة في تلقين تلاميذهم العوامل وما شاكلها، وتقريب المعاني لهم في ذلك، ولم يأخذوا أنفسهم بعلم دقائق العربية وغوامضها، والاعتدال لمسائلها، ثم كانوا لا ينظرون في إمالة ولا إدغام ولا تصريف ولا ابنية "، وهذا كلام يصدق عليهم حتى منتصف القرن الرابع، على وجه التقريب.
وقد ساعد بعض المهاجرين من غير الأندلسيين على ترسيخ اثر المحدثين في البيئة الأندلسية مثل إبراهيم بن سليمان الشامي الذي دخل الأندلس في أخريات أيام الحكم بن هشام، وكان قد أدرك بالمشرق كبار المحدثين كأبي العتاهية، ومثل أبي اليسر إبراهيم بن احمد الشيباني الذي لقي من الشعراء أبا تمام والبحتري ودعبلا وابن الجهم، وقدم الأندلس في إمارة محمد عبد الرحمن، وعنه رواية لشعر أبي تمام بالأندلس.