تاريخ الكتابة والتأليف عند العرب
بوطاهر بوسدر
تقديم:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً وبعد، فالله قد حبا الإنسان بنعمة عظيمة هي نعمة اللغة، هذه الملكة الفطرية التي جعلت الإنسان يعبر عن ذاته وأفكاره ومشاعره ويرتقي في سلم التطور بفضلها. ولهذه اللغة صورتان أولاهما الصورة الكلامية الفزيائية وثانيهما الصورة الكتابية الخطية، ولاشك أن الأولى أسبق من الثانية لأنها ألصق باللغة كفكرة أو تصور، فكل وحدة لغوية ذهنية تعبر عنها وحدة لغوية كلامية ثم تعبر عنها وحدة لغوية خطية، فيصبح لهذه الوحدة ثلاث وجودات، أما إن كانت من أشياء الواقع كالشجرة فيكون لها أربعة وجودات، وجود في الحقيقة وفي التصور وفي اللفظ وفي الخط أو الكتابة.
إن هذه الصورة الرابعة للغة (الكتابة) من أهم المنجزات الحضارية للإنسانية لما فيها من حفظ للمعرفة يقول القلقشندي في صبح الأعشى: "الخط أفضل من اللفظ لأن اللفظ يفهم الحاضر والخط يفهم الحاضر والغائب"[1] فالكتابة هي التي تنقل الموروث الحضاري وتحفظه للأجيال اللاحقة. وقد أكد رسولنا الكريم على أهميتها من خلاله توجيهه للمسلمين بقوله:" قيدوا العلم بالكتاب"[2] فما هو تاريخ الكتابة الإنسانية وتاريخها عند العرب؟ وماهي أهم مجالات التأليف عند العرب؟ سنقتصر في الإجابة على هذين السؤالين على ما قل ونفع دون الخوص في دقائق الأمور مع الإشارة في التأليف إلى أهم المؤلفات وأصحابها، وأسأل التوفيق من الله.
أولاً: تاريخ الكتابة:
1- الكتابة الإنسانية:
مرت الكتابة بمراحل عدة تطورت أنظمتها مع تطور الإنسان وحاجاته، وهناك من يرى أن الكتابة ارتبطت في بدايتها بعلامات الملكية وعلامات التذكر التي تترك على الطريق كعلامة عليه لتذكره. أما علامات الملكية فمثل النقوش والرسوم على الأدوات والأسلحة لتدل على مالكها خاصة رسوم الحيوانات التي كانت قبل دلالتها على الملكية لها دلالة سحرية كاتقاء شر الحيوان المرسوم أو طلب عونه على الأعداء. وهذا البعد السحري لا زال في التمثلات الشعبية حاليا حيث يرتبط فعل الكتابة بعمل سحري أو فكه، كما كانت لها دلالات غيبية ليس فقط عند المسلمين والعرب بل في أغلب الأديان وعند أغلب الأمم[3]. إن هذه الرسوم والعلامات التي أصبحت تستحضر أشياء الطبيعة شكلت النواة الأولى للكتابة التصويرية أول كتابة إنسانية.
وتجدر الإشارة هنا أن هناك من يقول إن الكتابة ليست اختراعا بشريا بل أنزلها الله واختلفوا في أول من كتب بين آدم وإدريس فالقلقشندي يقول:" قيل بإن أول من وضع الخطوط والكتب كلها آدم عليه السلام"[4].
إن هذا الرأي يستند إلى تفسير آية البقرة التي يقول فيها الله عز وجل" وعلم آدم الأسماء كلها" وقد اختلف المفسرون حولها فهي ليست من الآيات المحكمات قطعية الدلالة حيث يدخلها الاحتمال والقاعدة الفقهية تقول ما دخله الاحتمال بطل به الاستدلال إلا أنه لا ينبغي رفضها إطلاقا مادام أن النظريات الأخرى في نشأة اللغة والكتابة عند الإنسان ليست على درجة عالية من العلمية. ولو كان في المسألة نص شرعي قطعي الثبوت والدلالة لكان هو الفيصل وإن كانت للعلم كلمة أخرى. وعموما لا يمكن أن ننفي الهداية الربانية للبشرية فهو خالقها وكافل وجودها وتطورها، فالفضل له في كل شيء بشكل مباشر أو غير مباشر، وعليه فإن الكتابة إلهام رباني واختراع بشري، ويجمع العلماء أن الكتابة الإنسانية مرت بمرحلتين:
1- الكتابة التصويرية pictographique: تعتمد على تصوير الأشياء والمعاني فكل شيء يعبر عنه بصورته وتستحدث للمعاني صور تشابه صورها الذهنية. وهذه الكتابة قد بدأت بتصوير العبارة أو الجملة الواحدة كما في الفكر بصورة واحدة وتسمى هذه المرحلة بمرحلة الكتابة بالفكرة (الأيديوغرافيا idéographique )، ثم تطورت فأصبحت الصورة تعبر عن كلمة واحدة وتسمى مرحلة (الكتابة بالكلمة logographie).[5] ومن أول وأشهر الكتابات التصويرية الهيروغليفية كتابة المصريين والصينية والمسمارية كتابة السومريين. ومن أهم مشاكل هذه الكتابات أن الصورة الواحدة قد تعبر عن أكثر من معنى فمثلا" الكتابة المسمارية لا تشير بالقرص إلى الشمس فحسب بل أيضا إلى النور والبريق والبياض والنهار، وفي الكتابة الهيروغليفية تشير العين أيضا إلى النظر والسهر والعلم"[6] إن المشكلات التي عرفتها الكتابة التصورية جعلت الصينيين يحاولون تطوير كتابتهم التصورية بإضافة المفاتيح أو المميزات للصور لتوجيه القارئ وتلافي اللبس الذي يحدثه اشتراك عدة صور في معنى واحد أو التعبير بصورة واحدة عن أشياء كثيرة، وقد نجحوا في ذلك لأن لغتهم غير تصريفية. أما المصرية التصريفية فقد احتاجت كتابتها للتطور أكثر فتحولت الهيروغليفية إلى الهيراطيقية ثم إلى الديموطيقية. أما المسمارية فقد بدأت تصورية لكنها سرعان ما أصبحت صوتية.
2- الكتابة الصوتية: تعتمد على الصوت وتقسيماته في التعبير عن اللغة بالخط، وتنقسم إلى نوعين ظهرا في مرحلتين:
أ- الكتابة المقطعية: تقوم على تقسيم الكلمة إلى مقاطع صوتية ورسم علامة اصطلاحية لكل مقطع فمثلا كلمة مجلس تتكون من مقطعين مج+لس فتوضع مثلا للمقطع الأول علامة اصطلاحية نستعملها في كل الكلمات التي تضمه، وأشهر اللغات التي اعتمدت هذه الكتابة المسمارية والصينية الحالية.
ب- الكتابة الأبجدية: هي الكتابة التي تعتمد على الحروف والحركات (الصوامت والصوائت) وأول من بدأ هذه الكتابة الكنعانيون الذين طوروا المسمارية إلى نظام أبجدي، ولكنه كان غير عملي ومكلفا في الجهد والوقت فطوره الفينيقيون ويسروه ومنهم انتشر في كل أنحاء العالم. واستمر تطوير الأبجديات والكتابة حتى وصلت للتعدد الذي نعرفه اليوم فمنها الخط العربي والعبري واللاتيني والكيريلي والدرافيدي والصيني....
2- الكتابة عند العرب:
لقد اشتهر أن عرب الجاهلية كانوا أميين بالجملة ولم يعرفوا الكتابة والقراءة وقد ذهب هذا المذهب الجاحظ إذ يقول:"...وكانوا أميين لا يكتبون"[7] وكذلك ابن عبد ربه في عقده وغيرهما بينما يرى الكثيرون أن العرب عرفوا الكتابة والقراءة كالمسعودي الذي ذكر عددا كبيرا من الكتّاب وابن فارس الذي أكد على معرفة عرب الجاهلية بعلوم اللغة. وتؤكد النقوش الأثرية كنقش النمارة[8] أن العرب كانوا على دراية بالكتابة والقراءة، أما وصف الأمية والجاهلية في القرآن فهو في الدين والتوحيد ومعرفة حقيقة الخالق وهذه أمية لازالت تعرفها البشرية رغم ما وصلت إليه من العلم والتكنولوجيا. وعموما كانت الكتابة " شائعة في العهد الجاهلي ولاسيما في الحواضر وكان للعرب إذ ذاك كتاتيب لتعليم القراءة والكتابة"[9] ثم إن بعض العرب كأهل اليمن والأنباط قد أسسوا حضارات عظيمة ومن المستبعد أن تغيب عنهم الكتابة لأنها من أهم وسائل التطور، كما أن حياة التجارة والسياسة تفرض معرفة الكتابة من أجل تسجيل المعاهدات والأحلاف والعقود والديون، وهذا ما أكده الدكتور عمر فروخ[10]. أما أدوات الكتابة فقد كان العرب يكتبون على الجلد والقماش وجريد النخل والعظام والحجارة والبردي والورق، ويستعملون في الكتابة القلم من القصب والمداد من حرق الصوف وغيره.
وإذا كان العرب قد عرفوا الكتابة فلاشك أن خطهم قد تطور عبر عدة مراحل فأول خط كتبوا به يسمى الخط المسند الجنوبي عند عرب اليمن أو خط حمير أو معين الذي تفرع إلى الخط الثمودي واللحياني والصفوي والنبطي. وهذا الأخير يرى البعض أنه تطور عن الخط الآرامي والحقيقة أن الأنباط كتبوا بالمسند الجنوبي واتصلوا بالآراميين وتحضروا بحضارتهم وأخذوا عنهم الخط الذي تطور إلى الخط العربي الحالي الذي انتشر بانتشار الإسلام[11] فالخط العربي اليوم خط شمالي تطور عن الخط النبطي. وبه كتب القرآن والمؤلفات الإسلامية، وقد درست غيره من الخطوط العربية.
لقد كانت الحروف العربية تكتب بدون نقط سواء نقط الإعجام أو نقط الإعراب، فالأول هو النقط الذي يميز بين الحروف كالنقطة التي تميز الزاي عن الراء، أما نقط الإعراب فهو الشكل أي وضع الحركات على الحروف. وقد اختلف الباحثون في معرفة العرب للنقط قبل وضعه ففريق يقول إن العرب لم يكونوا على دراية بالنقط حتى جاء أبو الأسود الدؤلي ودليلهم أن أغلب النقوش والكتابات وصلتنا بدون نقط. بينما يؤكد الفريق الثاني أن العرب عرفوا النقط خاصة قبيل وبعيد الإسلام، ويستشهدون بقول ابن مسعود "جردوا القرآن " وهذا القول يحتمل وجهين أحدهما بمعنى جردوه في التلاوة ولا تخلطوا به غيره، وهذا لا استدلال فيه والثاني بمعنى جردوه في الخط من النقط[12] ليحتمل أكثر من قراءة مثل فتبينوا تقرأ فتثبتوا بتغيير النقط. كما أن كلمة الرقش كانت منتشرة عندهم وهي بمعنى التنقيط.
والتحقيق في المسألة أن العرب لم يستعملوا النقط إعجاما بشكل منظم كما استعملت في القرآن واللغة في القرن الأول الهجري. أما نقط الإعراب فوضعها أبو الأسود الدؤلي خدمة لكتاب الله بعدما فشا اللحن بين الناس، وقصص لحنهم في القرآن معروفة أشهرها من قرأ ﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ إنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة: 3] قرأها هكذا "أن الله بريء من المشركين ورسولِه" بجر اللام،[13] فكأن الله يتبرأ من المشركين والرسول صلى الله عليه وسلم. من أجل ذلك قرر الدؤلي أن يستجيب لما دعاه إليه زياد ابن أبيه فصنع الحركات الإعرابية وكانت على شكل نقط، فالنقطة أسفل الحرف تعني الكسرة، وأعلى الحرف تعني الفتحة، وأمام الحرف تعني الضمة، أما التنوين فوضع له نقطتين[14].
أما نقط الإعجام فقد وضعه نصر بن عاصم ويحيى بن معمر تلميذا أبي الأسود في عهد عبد الملك بن مروان بعدما انتشر التصحيف. ولاختلاط نقط الإعراب بنقط الإعجام قام الفراهيدي بتحويل نقط الإعراب إلى الحركات المعروفة وأخذها من الحروف، فالكسرة هي ياء صغيرة والضمة واو صغيرة والفتحة ألف منبطحة والسكون من الميم في كلمة جزم والشدة من الشين في شدة والهمزة رأس العين والوصل من الصاد[15].
3- تعريف الكتابة:
لغة: من باب كتب بمعنى الجمع والضم فالكتاب سمي كذلك لأنه مجموع أو يجمع الألفاظ أو المعرفة، وقد وردت في القرآن واللغة بمعاني كثيرة حسب سياقها منها الفرض والإلزام كقوله تعالى ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103] وقوله ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [البقرة: 183]. وقد تدل على الرسالة ﴿ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا ﴾ [النمل: 28] أو القرآن ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ [البقرة: 2] أو بمعنى القدر ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴾ [النبأ: 29] ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: 70] ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة: 51] وقد تدل على التزام الله كقوله تعالى ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ [الأنعام: 54] إلى غير ذلك من المعاني.
والكتابة اصطلاحا نعرفها بتعريفين:
• هي كما يقول ابن خلدون "رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس"[16] فهي وسيلة للتعبير عن الكلام أو كما يقول فولتير هي صورة الصوت[17] والكتابة بهذا المعنى تحدثنا عنه بإيجاز في الصفحات السابقة.
• هي عملية إبداعية معقدة تتداخل فيها مجموعة من العوامل، إنها عملية إنتاج للغة محكومة بشروط وقوانين وقد نقسمها إلى قسمين كتابة رسمية وهي كتابة العقود والقوانين والمعاهدات وغيرها، وكتابة إبداعية فنية وهي التأليف في الشعر والنثر بكل أنواعه ككتابة التاريخ وعلوم النقل والعقل وهذا ما سنحاول تتبعه عند العرب.
ثانيا: التأليف عند العرب
رغم معرفة عرب الجاهلية بالكتابة فإنهم لم يستعملوها في حفظ تراثهم ونقله لأجيالهم اللاحقة، بل اعتمدوا في ذلك على الرواية الشفوية فالشعر والنثر الجاهلي انتقلا جيلا بعد جيل مشافهة فقد " كان العرب بطبيعتهم أثبت الناس حفظا وأتمهم حافظة وكانت الكتابة غير طبيعة في نظامهم الاجتماعي[18] ومن ثم نشأ فيهم الأخذ والتحمل فكان كل عربي بطبيعته راويا فيما هو بسبيله من أمره وأمر قومه"[19] إلى أن جاء الإسلام وظهر ت الحاجة لتدوين القرآن في عهد الرسول، وقد مر تدوين القرآن الكريم وجمعه بثلاث مراحل:
• عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تم تدوينه منجما في السعف والعظام والحجر..
• عهد أبي بكر الصديق جمع في كتاب واحد.
• عهد عثمان نسخ القرآن بالرسم العثماني كما جاء في العرضة الأخيرة ووزع على الأمصار بعد حرق باقي النسخ المخالفة للعرضة الأخيرة.
وقد تأخر تدوين الحديث إلى نهاية القرن الأول، وسبب هذا التأخر أن النبي نهى عن كتابة حديثه لكي لا يختلط بالقرآن. وعندما جمع القرآن واطمأنت النفوس لعدم اختلاطه بغيره بدأ تدوين الحديث النبوي الشريف في عهد عمر ابن عبد العزيز (ت101هـ) الذي " أمر محمد بن مسلم الزهري عالم الحجاز والشام وصاحب اليد البيضاء على فن الرواية لأنه أول من قرر شروطها (50- 124هـ) فدون الحديث تدوينا مراعيا فيه شروط الرواية الصحيحة"[20].
إن تدوين القرآن والحديث النبوي الشريف هو النواة الأولى للحركة العلمية التي عرفها العرب فيما بعد، فكل الإنتاجات المعرفية كانت خدمة للقرآن والحديث وما يتصل بهما من لغة وأدب وتاريخ وهكذا نشطت وازدهرت حركة التأليف عند العرب، وسبب هذا الازدهار يعود لأمور عدة منها استقرار العرب في عهد الدولة العباسية، وظهور الورق وانتشار صناعته، وظهور الحاجة لخدمة كتاب الله وسنة نبيه،هذا بالإضافة للترجمة التي نقلت علوم اليونان والفرس والروم وغيرهم، وسنفصل بدايات هذه الحركة حسب العلوم التي تم التأليف فيها مركزين على أشهر المؤلفات.
1- العلوم الشرعية:
1- الحديث: كان الصحابة يسمعون الحديث من رسول الله فيحفظونه في الصدور وبعضهم يحفظه في السطور، حتى جاء أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم كتابة الحديث مخافة اختلاطه بالقرآن، ولعل هذا الأمر لم يشمل كل الصحابة خاصة الذين يُؤمَن خلطهم الحديث بالقرآن، فكانت لبعضهم بعض الصحائف كعبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، وقد أراد عمر ابن الخطاب أن يدون الحديث ولكنه عاد عن عزمه، فظل الحديث في الصدور وبعض السطور ودخله الوضع والكذب مما دفع عمر ابن عبد العزيز لإسناد مهمة جمع الحديث للزهري فهو" أول من وضع حجر الأساس في تدوين السنة ثم شاع التدوين في الجيل الذي يلي جيل الزهري فجمعه بمكة ابن جريج وابن إسحاق وبالكوفة الثوري وبالشام الأوزاعي وبالمدينة سعيد ابن أبي عروبة والربيع والإمام مالك صاحب الموطأ أول مصنف في الحديث وهكذا، ثم جاء القرن الثالث فكان أزهى عصور السنة فصنفت المسانيد كمسند الإمام أحمد ومسدد وإسحاق بن راهويه ثم ألفت كتب الصحاح كصحيح البخاري ومسلم ثم ألفت بعدها السنن لأبي داود والنسائي وابن ماجه والترمذي"[21].
أما فيما يخص المنهج المتبع في تدوين الحديث فيمكن أن نقسمه حسب المراحل، فهناك مرحلة التدوين العام للسنة بمرفوعها وموقوفها ومقطوعها، ثم مرحلة التدقيق وجمع الصحيح، ثم مرحلة التأليف على أبواب الفقه.
2- علوم القرآن[22]:
في الحقيقة هي مجموعة من العلوم التي تخدم القرآن وأشهرها علم التفسير الذي أصبح علما قائما بذاته لذلك نترك الحديث عنه، ونذكر أهم مباحث علوم القرآن وأول وأشهر من ألف فيها، ومن هذه المباحث نزول القرآن وجمعه ومكان النزول وأسبابه والأحرف السبعة والقراءات والناسخ والمنسوخ...
إن أغلب هذه المباحث كانت موزعة بين القرآن والسنة وكتب اللغة والبلاغة، وقد ألف التابعون في بعضها كالحسن البصري والزهري وقتادة السدوسي الذين ألفوا في الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني، وألف عطاء بن رباح (ت114هـ) في غريب القرآن وعلي بن المديني (ت 224هـ) في أسباب النزول.
أما أول من جمع مباحث علوم القرآن في كتاب واحد فهو الحارث المحاسبي (ت 243هـ).
3- علم العقيدة:
وله أسماء عديدة منها التوحيد والفقه الأكبر والإيمان، وأصول الدين. وهذا العلم يبحث في معرفة الله وأسمائه وصفاته وما يرتبط بذلك من أمور الغيب وقد بدأ التدوين في هذا العلم بسبب ظهور العقائد الفاسدة كالقدرية التي بدأت مع معبد الجهني (ت 80) والشيعة والخوارج. وقد بدأ التأليف فيه على شكل أبواب ومسائل متفرقة في كتب الحديث. أما أول كتاب مستقل وصلنا فهو الفقه الأكبر لأبي حنيفة (ت150) بين فيه عقائد أهل السنة ورد فيه على المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والشيعة.
وقد ألف أبو عُبيد القاسم بن سلاّم (المتوفى: 224هـ) كتاب الإيمان بين فيه معالمه، وسننه، واستكماله، ودرجاته. وكتب الإمام أحمد بن حنبل (ت240) في التوحيد كتاب أصول السنة وكتاب العقيدة. وكانت التأليف في البداية على طريقة أهل الحديث أي جمع الأحاديث الواردة في الباب دون تبويب المسائل وتقسيمها، وتطورت الطريقة فيما بعد.
4- علم الفقه:
هو العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وفيه أبواب ومسائل تجمع في مصطلح الشريعة ومنها فقه العبادات والمعاملات وفقه الأسرة وفقه الجهاد والحرب وفقه الجنايات والحدود إلى غير ذلك من الأبواب. وأصول هذا العلم وبعض فروعه جاءت في القرآن والسنة، فكتب الحديث صنفت على أساس فقهي فالناظر للموطأ والصحيحين وكتب السنن يجد أنهم جميعا على أبواب الفقه. أما أول من أفرد الفقه بالتأليف فهناك من يقول إنه سعيد بن المسيب ثم ظهر أعلام المذاهب الفقهية أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، وقد تفرقت المؤلفات حسب المذاهب، حيث ألف العلماء الكتب الفقهية حسب مذهبهم.