mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مقالات مختارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي سطور في كتاب (79): من كتاب تصحيح الفصيح وشرحه لابن درستويه

كُتب : [ 12-10-2017 - 07:46 AM ]


ما جاء وصفًا من المصادر
من كتاب تصحيح الفصيح وشرحه لابن درستويه



اعلموا أن الصفات إنما هي الأسماء المشتقة للموصوف من أفعال فعلها هو، أو فعلت به، أو من أسماء ما فيه، من حلية أو نسب أو عيب، أو ما ضارع ذلك في المعنى كقولك: ضارب ومضروب. وتاجر وخشاب ونجار، وأعرج وأعور وأحمر وأبيض، وبصري وكوفي وتميمي وبكري، وشديد وظريف. فأما خصم ودنف وصعب وخدل ونحو ذلك مما وضع موضع الصفات، فهي الأسماء والمصادر كقولهم: رجل عدل، يريدون: عادل، ورجل رضي، يريدون: مرضي: فإنما فعل ذلك لما كان أصل الصفة من المصدر. وكان تأويل الفاعل والمفعول وسائر الصفات تأويل ذي الفعل، فإذا قلت عادل فمعناه ذو عدل. ومرضي معناه ذو رضي، فوضع اسم واحد موضع اسمين اختصارا.
ومن كلامهم أن يحذف المضاف إيجازا، أو يقام المضاف إليه مقامه، إذا كان مما لا يلبس، كما قال الله عز وجل: (واسْأَلِ القَرْيَةَ) أي أهل القرية، وكما تقول العرب: اجتمعت اليمامة، يريدون: اجتمع أهل اليمامة؛ وذلك أنه قد علم أن القرية لا تسأل، واليمامة لا تجتمع، وإنما الاجتماع والمسألة لأهلهما، فلم يلبس، وكذلك إذا قلت رجل عدل فمعناه ذو عدل، وامرأة رضي معناه ذات رضي. فكما وضعت الفاعل والمفعول موضع الصفة، كذلك وضعت المصدر الذي هو أصل جميع ذلك؛ إذ لم يلبس؛ لأنه قد علم أن الرجل جسم، وأن العدل عرض، فلا يجوز أن يكون الرجل هو العدل فيشك فيه. وإنما معناه ذو عدل، فعلى هذا المضهب جاءت المصادر صفات طلبا للإيجاز والاختصار، فإذا جعلت المصادر صفات، فالوجه فيها الأجود، ألا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث؛ لأن المصادر أنفسها قبل أن يوصف بها لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث. وربما ثنوا منها وجمعوا وأنثوا الشيء، إذا كثر استعماله في الوصف، ودام الاستماع له وألف واعتيد، حتى يزول عن شبه المصادر ويدخل ف باب الأسماء والصفات بطول العادة، وذلك في الكلام قليل، وليس من المصادر شيء إلا ووضعه موضع الصفات جائز فيه مطرد منقاس غير منكسر، وإنما ذكر ثعلب أحرفا قليلة يتوهم من نظر فيها أن الوصف بغيرها من المصادر لا يجوز؛ فلذلك بينا ما بينا.
ونحن مفسرون ما ذكره إن شاء الله.
أما قوله: تقول هو خصم وهي خصم وهم خصم، للواحد والاثنين والجميع، على حال واحدة، فليس ذلك بلازم فيه كما قال. بل يجوز تثنيته وجمعه وتأنيه على ما شرطناه. ومن الدليل على ذلك قول الله عز وجل: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)، وقوله تعالى: (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) فثنى الخصم، وذلك من الدليل على أن الخصم يقع على الجماعة قوله عز وجل: (اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) بالواو، وقد ثنى الاسم فقال: (هَذَانِ خَصْمَانِ) لأن كل خصم من الخصمين كان جماعة وطائفة. وكذلك قوله: (وهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ (21) إذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ) فبدأ بالخصم على لفظ واحد، فأوقعه على طائفتين، ثم بين ذلك في الفعل حين قال (تَسَوَّرُوا) فأتى بواو الجميع، وقال: (دَخَلُوا) فأتى بالواو أيضا، وقال: (فَفَزِعَ مِنْهُمْ) فأتى بالهاء والميم، وهما علامة الجمع، وقال أيضا: (قَالُوا لا تَخَفْ) فأتى بالواو، فهذا كله يدل على أنه يجوز التثنية والجمع والتأنيث في مثل هذا، وأنه لا يلزم لزوم لفظ الواحد فيه كما ذكر ثعلب.
فأما قوله تعالى: (إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً) فإنما حكى عن الرجلين أو الملكين المتقدمين إلى داود خاصة، دون الطائفتين، فإن أردت أن تأتي بالصفة الصحيحة بدل المصدر ههنا، جئت بالمخاصم والخصيم؛ لأن الفعل من اثنين، فهو على المفاعل والفعيل، وقد يجيء منه بعضه على الفعل، بالكسر أيضا نحو: قرن وخل وخدن، فعلى هذا يجوز أن يقال: خصم، بكسر الأول وهو قول العامة. وإلى رد هذا أومأ ثعلب، والفعل من هذا: خاصم الرجل أخاه، يخاصمه مخاصمة وخصاما وخصومة، وقد اختصما وهما يختصمان اختصاما، وهم خصوم وخصماء؛ فالخصوم جمع الخصم، والخصماء جمع الخصيم، وهم المتنازعون في الدعاوى والمطالبات بالحقوق وغيرها. وإنما سموا بذلك؛ لأن كل خصم مقابل لخصمه، وفاعل مثل فعله، وقائل مثل قوله: فاشتق ذلك من خصمي الرواية، والإداوة ونحوهما، وهو الطرف الذي بحيال العزلاء في الرواية، والذي عند الكُلْية من المزادة، كل واحد مقابل لما في الناحية الأخرى. وجمعه: الأخصام، والواحد: خصم، بضم الخاء وسكون الصاد، فإن قلت: خاصمته فخصمته فاسم الفاعل من خصمته: خاصم. والمفعول: مخصوم، مثل غالبته فغلبته فأنا غالب، وهو مغلوب.
وأما قوله: وكذلك رجل دنف، وقوم ونسوة دنف، فإن قلت: دنف ثنيت وجمعت، فإن قوله دنف، بفتح النون مصدر موضوع موضع الوصف ودنف، بكسر النون هو الصفة نفسها، فليس في جواز تثنية الصفة الخاصلة وجمعها اختلاف. وإنما الكلام في المصدر، وهو على ما بينا في الخصم، إلا أن الدنف، بفتح النون أقل استعمالا في باب الوصف من الخصم، ولا يكاد يتكلم به إلا فصحاء العرب الخطباء والشعراء، كقول العجاج:
والشمس قد كادت تكون دنفا
وعامتهم إنما يستعملون الوصف بعينه، بكسر النون، ولذلك قل استعمال التثنية والجمع في الدنف، وهو جائز في القياس، على الشرط الذي قدمنا؛ من كثرة الاستعمال والدخول في باب الأسماء والصفات. والفعل من هذا: دنف يدنف دنفا، على وزن: عمل يعمل عملا، ومرض يمرض مرضا. واسم الفاعل: دنف، بكسر النون. ومصدره: دنف، بفتح النون، على قياس نظائره. وقد يقال: أدنف الرجل يدنف إدنافا، وهو مدنف؛ فالمدنف اسم المفعول، كأن المعنى؛ أدنفه الله، فدنف. والمعنى فيه شدة المرض، وبلوغ الغاية في الضعف، وتغير اللون، حتى يشرف على الموت. وقد يستعار في غير المرض، كما قال العجاج في اصفرار الشمس للمغيب وقلة ضوئها.
وأما قوله: وكذلك أنت حرى من ذلك، وفمن، لا يثنى ولا يجمع، فإن قلت: حر أو حري، أو قمن أو قمين، ثنيت وجمعت؛ فإن حري، بفتح الراء والقصر وقمناً، بفتح الميم مصدران وصف بهما، فالوجه فيهما ترك التثنية والجمع، إلا أن يدخلهما كثرة الاستعمال في باب الأسماء والصفات الخالصة. وأما حر، بكسر الراء، وقمن، بكسر الميم فصفتان خالصتان بمنزلة: دنف، وتقدير فعلهما كتقدير فعل دنف، كأن المعنى حري يحرى حرى،فهو حَرٍ، وقمن يقمن قمنا، فهو قمن. وكذلك حري بتشديد الياء وقمين بالياء هما صفتان على فعيل؛ ولذلك كانت التثنية والجمع فيها. ومعنى ذلك كله كمعنى خليق وجدير وحقيق. وقال الشاعر:
من كان يسأل عنا أين منزلنا فالأقحوانة منا منزل قمن
يروى هذا بفتح الميم وكسرها. وقال الآخر:
إذا جاوز الاثنين سر فإنه بنث وتكثير الوشاة قمين
واشتقاق هذا من مقاربة الشيء، والدنو منه، حتى يرجى تحققه؛ ولذلك قيل: خبز قمن، وقد قمن الخبز، إذا بدأ فيه التكرج؛ لأنه قد دنا من الفساد والتكرج؛ وهي القمنة. وأهل ديار ربيعة يسمون "الفوذج" الذي يتخذ منه الكواميخ: القمن. وأما الحري؛ فمأوى الشيء وكانه، الذي يستوطنه؛ ولذلك قيل لمأوى الطير: حراه، ولموضع بيضه: الحرى. وإذا توخى الإنسان أمراً وطلبه قيل: قد تحرى الأمر، وهو يتحرى مسرة فلان. وقال الشاعر:
فإن نتجت مهرا كريما فبالحري وإن يك إقراف فمن قبل الفحل
وقال الأعشى أو غيره:
إن تقل هن من بني عبد شمس فحري أن يكون ذاك وكانا ومن هذا قولهم: أحر به أن يفعل كذا وكذا، أي أخلق به. ومنه قول الشاعر:
لئن كانت توعدنا بالهجاء فأحر بمن رامنا أن يخيبا
وأما قوله: وكذلك رجل زور وفطر وصوم وعدل ورضى، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه فعل. ورجل ضيف وامرأة ضيف، وقوم ضيف، وإن شئت ثنيت وجمعت، فقد قالوا: أضياف وضيوف وضيفان. وما أتى من هذا الباب/ فهو مثله؛ فإن الزور مصدر قولك: زار يزور زورا فهو زائر، من الزيارة والإلمام، والوصف منه: زائر ومزور، ولكن قد وضع المصدر منه موضع الفاعل للإيجاز. وقد يسمى الزائر: زيرا، على فعل، بكسر الأول، مثل: خل وخدن، يقال: إنه لزير نساء، إذا كان يزورهن كثيرا. وقال الشاعر:
من يك في السواد والدد والإغـ ـرام زيرا فإنني غير زير
والفطر اسم يوضع موضع المصدر، ويستغنى به عن المصدر، ثم يوصف به، ويوضع موضع المفطر، والفعل منه: أفطر يفطر إفطارا. والدليل على أن الفطر ليس بمصدر أنه لا يقال منه: فعل يفعل بغير ألف، وهو أيضا مكسور الأول، مخالف لبناء المصدر الثلاثي، ومعناه الرجوع إلى ابتداء العادة من الأكل والشرب والجماع ولذلك كان معنى فاطر السموات: مبتدئ السموات، ولذلك قيل للعجين، إذا بقي على الحالة الأولى، ولم يختمر: الفطير. والصوم: مصدر قولك: صام يصوم صوما. واسم فاعله: صائم، ومعناه: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، وعن كل شيء. وكذلك العدل هو مصدر قولهم: عدل يعدل عدلا، وهو ضد جار يجور جورا.
ورضا: اسم يوضع موضع المصدر أيضا، وهو اسم على فعل، بكسر الأول، ولو كان مصدرا لكان مفتوح الأول؛ لأن فعله رضي يرضي مثل عمي يعمى، وإنما وضع موضع الصفة، كما وضع قولهم: قوم عدى، فوضع موضع الوصف، وليس بوصف.
وليس قوله إن هذه الأشياء لا تثني ولا تجمع بصحيح، وإنما يجوز ذلك فيها ويمتنع، على الشروط/ التي قدمنا؛ من كثرة الاستعملا وقلته، وإدخاله في باب الأسماء وتركه، ألا ترى أنهم يقولون: رجلان عدلان، وقوم عدول، وقد ذكر هو في ضبف أنك إذا شئت ثنيت وجمعت فجعل جواز ذلك وامتناعه بمشيئة المتكلم، وليس كذلك، ولكن الضيف مما كثر استعمال الوصف به، وغلب عليه شبه الاسم، حتى استغني معه عن ذكر الموصوف فجاز فيه ما يجوز في الأسماء، من التثنية والجمع والتأنيث، وتوحيده في كل ذلك هو الأصل، كما قال الله عز وجل: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ) وقوله عز وجل: (إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ). وقد جاء في الشعر التأنيث في قول البعيث:
لقي حملته أمه وهي ضيفة فجاءت بنز للنزالة أرشما
والفعل منه: ضاف يضيف، ضيفا، إذا زار القوم، ونزل بهم للضيافة. وأضاف يضيف إضافة، إذا أنزلهم وأطعمهم. والفاعلان منهما: ضائف ومضيف، والضيافة: اسم بمنزلة الإمارة والسيادة. وقد استعمل الضيف في موضع الضائف والمضيف والمضاف، فقيل لجميعهم: ضيف، وإنما هو مأخوذ من الميل والإمالة، يقال: أضفت الشيء، إذا أملته إلى غيره، وأسندته إليه. وضاف الشيء، إذا مال إلى الشيء واستند إليه، كما قال امرؤ القيس:
فلما نزلناه أضفنا ظهورنا إلى كل حاري حديد مشطب
وقد تقدم من شرح هذا قبل هذا مستقصى في غير هذا الباب.
وأما قوله: تقول ماء رواء، بفتح الراء ومد الألف، على بناء فعال، فهو وصف، مأخوذ من الري، وهو صفة الماء الطيب المروي شاربه، جاء على هذا المثال كما قيل جارية رداح، وأرض براح، ومكان فساح وبساط، ومثل قولهم: الجماد والموات، وليس يتبين أنه مصدر كما زعم ثعلب؛ لأن فعله إن كان للشارب، فإنما هو: روي يروي ريا، ولا يقال فيه: رواء، وإن كان منه للساقي، فإنما هو: أروى يروي إرواء، ولا يدخل في هذين الفعلين مصدر على فعال، وكذلك قوله: روى، بكسر الراء وقصر الألف؛ لأن المصادر لا تجيء على هذا المثال في فعل يفعل، ولو جاء على قياس هذا الفعل لقيل: روى، بفتح الراء مع قصر الألف، ولكن لم يسمع هذا فيه، ولكنه وصف.
وأما قوله: قوم رواء، بكسر الراء ومد الألف، فهو وصف للجماعة، ووحدهم: رو على بناء فعل أو ريان على فعلان، أو راو على بناء فاعل مثل قولك: ظماء وعطاش ونهال. وهذا الجمع يدل على أن هذين الوصفين ليسا في الأصل بمصدرين؛ لأن المصادر لا تجمع. ويقال في الإناء: كأس روية على فعيلة، وجمعها رواء على فال وروايا على فعائل، وهي المتأقة المروية، وأصل ذلك كله من راء وواو وياء وليس في شيء منه همزة أصلية. وقال الشاعر في الممدود:
من يك في شكل فهذا فلج ماء رواء وطريق نهج
وقال العجاج في المقصور:
تذكرا عينا روى وفلجا
وأما قوله في هذا الفصل: رجل له رواء بضم الراء، فهو بهمز عين الفعل وليس من الري في شيء، ولكنه من الرؤية، وأصله من رأيت مبني، ولكنه يقع موقع المصادر، وكذلك قوله: قوم رياء، أي يقابل بعضهم بعضا، هو من رأيت، مهموز؛ لأنه إذا قابل بعضهم بعضا تراءوا؛ أي رأى بعضهم بعضا، فهذا يحتمل أن يكون مصدرا لقولك: تراءوا مراءاة ورياء، بالهمز، وكذلك قوله: بيوتهم رياء، يعني أنها تتراءى مراءاة ورياء بالهمز. ومنه قولهم: فعل ذلك رياء الناس؛ لأن معناه فعله ليراه الناس، فهو يرائيهم بفعله مراءاة ورياء، كالمنافق الذي يصلي ليراه الناس، لا لله عز وجل. ومنه قوله: الرؤى جمع الرؤيا؛ لأنها أيضا من الهمز، تقول: رأيته في المنام رؤيا، وهو على فعلى، وجمعها فعل، مثل البشرى والبشر، وأما ما يروى بالبصر، فإنه بالهاء: الرؤية، وأصلها واحد.
وأما قوله: تقول: دلع فلان لسانه، أي أخرجه، ودلع لسانه، أي خرج فليس من باب المصادر، ولا باب الوصف، وكان يجب ألا يذكره في هذا الباب أو يذكر مصدره واسم فاعله ومفعوله. وإنما هو من باب الفعل الذي يستوي فيه تصريف المتعدي وغير المتعدي كقولهم: جبر الرجل وجبرته، وكسب وكسبته وما أشبه ذلك، مما قد شرحه في غير هذا الباب، وأنه جاء مخالفا للباب، والأصل والقياس؛ لأن حق هذا أن يكون في المتعدي منه همزة النقل في أوله أو باء الإضافة بعده، كقولك: أذهبته وذهبت به، فكان أصله أن يقال: دفع اللسان إذا خرج، وأدلعه صاحبه أو دلع به، كما يقال: خرج اللسان وأخرجه صاحبه أو خرج به، ولكنه شيء كثر استعماله، وعرف معناه، فحذف منه حرف التعدية والنقل تخفيفا، واستغني عنه بالتعارف لمعناه. ومصدر هذا الفعل: الدلوع، إذا لم يكن متعديا، والدلع، إذا كان متعديا، هكذا القياس، ووجوب الفرق بين المختلفين. وقال بعضهم: هما لغتان؛ فمن قال: دلع سلانه، فجعل الفعل للسان قال: أدلعت لسانه بالألف، إذا جعله مفعولا ومن قال: دلعت لسانه، قال: فاندلع لسانه، إذا جعل اللسان فاعلا.
وكذلك قوله: شحا فاه، يعني فتحه، وشحا فوه، يعنى انفتح، وكذلك قوله: فغر فاه، وفغر فوه، بمعنى شحا، والتفسير والقياس واحد، وإن اختلف ذلك في الاشتقاق. والمصدر في المتعدي: الشحو والفغر، على فعل، وفي غير المتعدي الشحو والفغور، على فعول.
وأما قوله: ذر ذا ودعه، ولا تقل: وذرته ولا ودعته؛ فليس هذا أيضا من باب المصادر ولا الصفات، ولكنه من باب ما قد أهمل استعمال ماضيه واسم فاعله ومصدره، واستغني عنه بغيره، مما هو في معناه، وليس فيه ثقل لفظه، وذلك أن الماضي من هذين الفعلين إنما هو: وذرته وودعته واسم فاعلهما: واذر ووادع، ففي أولهما واو، وهو حرف مستثقل، واستعمل في موضع لك: ترك وتارك؛ لأنهما في ذلك المعنى بعينه، وليس في أوله حرف [مستثقل]. واستعمال ما أهملوا جائز صواب، وهو الأصل، وقد جاء في الشعر منه، كقول أبي الأسود:
ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الود حتى ودعه
وقرأت القراء: (مَا ودَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى) بالتخفيف والتشديد، ولم يستعمل المصدر من هذين الفعلين أيضا، واستعمل في موضعه الترك؛ لأنه في معناهما، وهو أخف منهما، واستعمال ما لم تستعمله العرب من ذلك غير خطأ. بل هو في القياس الوجه، وهو في الشعر أحسن منه في الكلام؛ لقلة اعتياده؛ لأن الشعر أيضا اقل استعمالا من الكلام. وأما المستقبل من هذين الفعلين فإنما استعملا؛ لأن الواو تسقط منهما؛ لوقوعها بين ياء وكسرة فيخفان، وذلك قولهم: يذر ويدع وتفتح الدال من يدع؛ لأن بعدها حرفان من حروف الحلق، وأصله يودع. وقد أجرى يذر مجرى يدع، في فتح الثاني منه، وليس فيه شيء من حروف الحلق، ولكن لما كان في معنى يدع وماضيه غير مستعمل، فتح اتباعا ليدع فقيل: يذر، وإنما حقه أن يكسر مثل وزن يزن، وهذا بمنزلة قولهم: يأبى، حين فتحوه وليس ثانيه ولا ثالثه من حروف الحلق، وكان حقه أن يقال: يأبي، بكسر الباء، كما يقال يأتي؛ لأن ماضيه على فعل أيضا، فزعم "سيبويه" أنهم فتحوه من أجل أن فاء الفعل من حروف الحلق، كأنهم غلطوا في ذلك، وهذا بعيد.
وزعم أبو العباس "المبرد" إنما فتح "يأبى" لأنه إذا فتح صار لام الفعل منه من حروف الحلق، يعني الألف، وإن كان لا يكون في الكلام إلا زيادة أو بدلا ولا يعتمد به اللسان على راد، ولكنه هاو. وهذا القول خطأ، وقياسه فاسد؛ لأنه ليس من حروف العلة، إلا وهو إذا انفتح ما قبله، وتحول هو صار ألفا، فلم خص بالفتح من ذوات العلة هذه الكلمة وحدها ومع ذلك فإنه تصير العلة بعد المعلول، إذا كان إنما يفتح من أجل شيء يحدث فيه بعد انفتاحه، وهذا فاسد. وقد قالوا: يذر بالفتح وليست لامه بحرف علة، ولا فيه شيء من حروف الحلق. والعلة عندنا في "يأبى" وفتحه أنهم حملوه على ما هو في معناه وفيه حرف حلقي، وهو قولهم: يمنع، كما حمل يذر على يدع، ولو استعمل المصدر من يذر لكان قياسه أن يقال وذرته وذرا وذرة، وكذلك ودعته ودعا ودعة مثل وعدته وعدا وععدة ووزنته وزنا وزنة. وليس هذا من باب المصادر أيضا، ولا ذكر مصدره، ولا من باب الوصف به أيضا. ولكنا شرحناه لذكره إياه.
وهذا آخر تفسير هذا الباب.

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
سطور في كتاب (109): من كتاب الأدب الكبير والأدب الصغير لابن المقفع مصطفى شعبان مقالات مختارة 2 07-23-2018 01:42 PM
سطور في كتاب (97): من كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير مصطفى شعبان مقالات مختارة 1 07-12-2018 04:22 PM
سطور في كتاب (93): من كتاب الكنز اللغوي في اللَسَن العربي لابن السكيت مصطفى شعبان مقالات مختارة 2 04-02-2018 06:45 PM


الساعة الآن 08:02 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by