الاخ الكريم عبد الرحمان السليمان
تحية طيبة
لا أعتقد اني أعرفك او قمت يوما بالتعليق او النقد او التصحيح لما كتبته أنت سواء من داخل هذا المجمع او في غيره . ربما اختلط عليك الامر مع شخص اخر . وأكثر من هذا اني لم اقصدك بأي نقد , بل كلامي كله كان يدور حول قضايا محددة مثل مفهوم ( عرب ) وقضية اللغات السامية بشكل عام . اما استعمالي لكلمة ( علمانية العقل ) فقد نبهت اليها بكلمات مفادها اني لم استعمل الكلمة بالمفهوم الفرنسي السائد, وانما قصدت العقل القائم على قواعد العلم الصحيح وليس على قواعد التأويل , بهذا الفهم العلم ليس له دين ولا وطن و لا لون ولا اثنية , وهو بالضبط مفهوم العلم والعقل من داخل القران الكريم . لقد قرأت ما كتبته أنت حول العلمانية وهو عمل واجتهاد مفيد وجميل , لكني كنت قد اطلعت على نفس المفهوم عند الدكتور عبد الرحمان طه في احد ندواته القديمة عبر قناة الجزيرة وعلى غيره كثير . العلمانية لم تكن موضوعي , موضوعي كان الجدر ( عرب ) ومسألة اللغات السامية , سأعيد هناما قلته بتركيز شديد مع اتخاذ موقف واضح وصريح .
1- العربية واللغات السامية
اولا ليس هناك اي وجود علمي عقلاني لموضوع اسمه لغات سامية او يافتية او طورانية او حامية او آرية , وعلى علمائنا ان يتوقفوا عن هذا التصنيف وعن تصنيف اللغة العربية ضمن اللغات السامية , هذا موضوع ايديولوجي تافه لا يخدم الا الحركة الصهيونية في الغرب , وقد خدمها بالفعل , لم يقل يوما ما شخص ما ان العبرية ام اللغات , هذا القول نشأ في النصف الثاني من القرن 18 مع اليهودي السويسري تشولتز , و العبرية في اصلها لهجة عربية مهاجرة , منزوية على ذاتها وبداية تشكل هذه اللهجة العربية حدثت مع يعقوب وابنه يوسف عليهما السلام ومع تشكل القبائل الاثنا عشرة اي ما يسمى باللاويين .
جاءت دعوتي ونقدي عاما وموجها لكل علماء اللغة العربية الذين ذهبوا هذا المذهب , وبما انك وصفت اللغة العربية بانها جزيرية وسامية , فنقدي موجه لك ايضا بشكل ضمني , والصواب ان الاكادية والسومرية والحبشية القديمة والهيروغليفية القديمة , والاوغاريتية والفينيقية والارامية ( لغة السوريان ) والنبطية والحميرية , وغيرها كلها لهجات عربية . في اطار الدراسات اللسانية المقارنة الحديثة لم يقم اي عالم عربي بدراسة هذه اللهجات او اللغات دراسة علمية يقارن فيها بين واحد من تلك اللهجات واللغة العربية , بصفة عامة منذ دخول الاستعمار وعلماؤنا يكررون ماجاء به المستشرقون من تصنيفات مثل قولهم اللغات الهند اوروبية واللغات السامية , هذا الاتباع يجب ان يتوقف وهذا زمانه , وقد أتاحت الان في الزمن الحاضر الوسائل التكنولوجية الفرصة لعلماء العربية كي يبحثوا ويصلوا الى الحقائق العلمية الصحيحة حول هذا الموضوع , من وجهة نظر تاريخية اعتقد علماء العربية في مرحلة الجمع والتدوين ان تلك اللهجات لغات اخرى قائمة بذاتها لا علاقة لها بالعربية بتاتا, ومنه أنهم خلقوا حقلا لغويا اطلقوا عليه المعرب والدخيل في اللغة العربية وبالضبط في القران الكريم وهذا خطأ فادح , واسبابه واضحة كما سنذكر , ان كلام الله سبحانه وتعالى واضح في آياته المتعددة , فلفظ عربي جاءت وصفا للقران الكريم مباشرة أي قرآنا لغته هي العربية , اما الفهم السائد قديما وحديثا فهو ان هذا القرآن ولغته مرسل ومنسوب للقوم اي الاثنية العربية , وهذا خطأ واضح لان الدين الاسلامي بلغته وقرآنه لم يأت من أجل العرب وحدهم ( أرسلناك رحمة للعالمين ), وهذا معناه ان الرسالة عالمية بلغة عالمية وليس بلغة او لهجة محلية , هكذا يتحقق اتساق المقاصد , ان النص القراني يفسر نفسه بنفسه من خلال آيات وسياقات متعددة , يحتاج الموضوع هنا للتفكر فقط , هذا ما جعل الكثير من العلماء العرب في القديم والحديث يقرون بوجود الفاظ معربة و دخيلة في القران الكريم , وهذا التصور ليس صحيحا على الاطلاق , بل تلك الالفاظ هي من المعجم العربي وتلك اللهجات أصلها عربي , ونستطيع اثباث هذا بشكل تطبيقي وعلمي على لغات مثل العبرية والارامية والاكادية الخ , وهذا ما يعني علميا وضوح دلالة قوله تعالى ( قرآنا عربيا ) , لا يمكن للغة أم ولغة عالمية ان تقترض من لهجاتها . هذا هو نقدي لك ولكل عالم لغوي قال ويقول ان العربية تقع ضمن مجموعة اللغات السامية ويقول ان في القرآن الفاظا معربة , هو تصنيف غير علمي والقول الفصل فيه قادم في المستقبل ان شاء الله . ان الغريب في هذا الموضوع الذي صنفت فيه كتبا قائمة بذاتها , هو أنك لا تجد ولو عالما واحدا في القديم او الحديث يرد اللفظ المعرب الواحد في القرآن الكريم الى أصله, ويحلله تحليلا علميا بقواعد علم المعجمية والصواتة اللسانية الحديث ويتبث لك ان اللفظ فعلا منقول ومعرب عن لغة اخرى . أقصى ما تجده ان العالم اللغوي العربي يحيلك على مصدر اللفظ , يقول لك هذا لفظ اعجمي معرب من العبرية او السوريانية , دون ادنى توضيح علمي يتبث فيه ان ذلك اللفظ عبري او سورياني فعلا في أصوله على اساس ان تلك اللهجات لغات قائمة بذاتها , من بين اسباب اهمال تلك اللهجات العربية التي ذكرنا , اهتمام العلماء العرب القدماء بلهجات بعينها على اساس معيار الفصاحة , أغلبها كان يدور في فلك منطقة مكة والحجاز , واستبعدوا لهجات عربية وقبلية اخرى فضلا عن اهمال تلك اللهجات التي ذكرناها التي تعد عندهم لغات مختلفة عن العربية , , وعمل هؤلاء عمل انساني مخلوق وليس عملا ربانيا منزلا . ان كل من درس السوريانية فقط في الكتاب المقدس القديم على اساس ثلاثة معايير فقط وهي المعيار الخطي والمعيار الصوتي والمعيار المعجمي, سيكتشف كم هو التطابق بين العربية والسوريانية واضح جدا , لقد درست شخصيا اللغة العبرية وخرجت بنفس الحكم . ان مفهوم الفصاحة نفسه كما جاء به القدماء يوجب اعادة النظر فيه من جديد , والفكر اللغوي العربي القديم يؤهلنا لهذا العمل . هذا في ما يتعلق بقضية اللغات السامية , ويمكنك ان تحاورني علميا واترك عنك ذاتي , فهي ليست مهمة مثل أهمية اللغة العربية . واترك مشاركاتي التي لم تحقق النصاب بعد وجادلني بالعلم فيما كتبته وهو لا يخصك وحدك بل يخص أجيالا من العلماء . أما القول في لفظ ( عرب ) فهو قادم ان شاء الله .
سأقول لك هنا بمناسبة ذكرك لعلماء العربية و تحاملي عليهم . ما رأيك في ان تنظم لنا ندوة مع واحد فقط من جهابذة العربية في الزمن الحاضر , في أي مكان تشاء , وأنا على استعداد للمواجهة العلمية . ان الاحترام المتبادل بين العلماء امر أخلاقي مفروض أما المواجهة العلمية فهي قضية الساعة , والبينة على من ادعى .
لقد صرح أصحاب الاصول الخليل ابن احمد وسيبويه بأن ما قدموه هو اجتهاداتهم وطالبوا من اعترض على تلك الاجتهادات ان يقدم بديلا . فهل قدر العرب والعربية ان يعيشوا ضمن فكر لغوي لم يعد مناسبا في الزمن الحاضر .
ألف ابن مضاء القرطبي وترك ثلاثة كتب في النحو واللغة العربية واحد منها معروف للجميع ( الرد على النحاة ) و ضاعت الكتب الاخرى , يطرح ابن مضاء في واحد من تلك الكتب الضائعة بسبب حروب وهجومات المسيحيين على المسلمين في الاندلس البديل النظري والتطبيقي لما طرحه الفكر النحوي العربي منذ الخليل الى زمن ابن مضاء بالطبع لم يصلنا ذلك لكن ابن مضاء يبقى علماا شامخا في الفكر اللغوي العربي بسبب صيحته الثورية المبكرة , ثم ياتي احد دعاة العلم بالعربية واللسانيات ليصف ابن مضاء بالظاهري - وهذا هروب الى الامام - وليصف كتابه بالكتيب الذي مثل ويمثل شذوذا معرفيا في خضم ارث ضخم من كتب التراث - وهذا ادعاء ذلك الباحث - , اي ان فكر ابن مضاء اللغوي لا يمثل شيئا في تاريخ الفكر اللغوي النحوي العربي . هذا كلام احد علماء واعضاء المجمع اللغوي السعودي الذي اكتب على صفحته الان . اما الحقيقة العلمية فتقول ان هذا العالم العضو في هذا المجمع بالضبط يكرر في كل قضية نحوية طرحت ما سرده القدماء من اقاويل واراء واختلافات ولا تخرج معه بأي نتيجة علمية في اي قضية , اي انه ناقل او راوية , اما العالم الحق فهو من يغربل ويدرس ويتحقق من الاقاويل والاراء العلمية لكي يخرج لك بنتيجة علمية واحدة بل يقدم الجديد , بعيدا عن التأويل والتقدير , ولا يهمه اذا كان الرأي العلمي صادر عن ظاهري او باطني , شيعي او سني من المتصوفة او من الاباضية , لان الذي يهم هنا ليس الشخص واعتقاداته وانما الحقيقة العلمية .
وكرد اخير على ادعائك , أقول ان كل ما كتبه علماء علم الاصوات في الغرب بمجمله هو على خطأ تام من وجهة نظر علمية , أكرر بشكل واضح , علماء الاصوات في الغرب منذ ارسطو الى الان على خطأ . ما رأيك ؟ ؟ وبما ان علم الاصوات العربي الحديث وعلماؤنا في الزمن الحديث في مصر الرائدة و بمن تـأثر بعلماء مصر من أهلنا في المشرق أو المغرب اعتمدوا على الانتاج و الفكر الصوتي الغربي , جاءت النتيجة اننا امام علم اصوات عربي مشوه , ان النتيجة بالنسبة لنا واضحة جدا ان الفكر الصوتي العربي الحديث وتطبيقاته على باطل اي لا وجود لعلم أصوات عربي حاليا , مهما كان اسم العالم الذي كتب فيه , ولولا بعض الاشارات القليلة والضعيفة الحضور عند الدكتور احمد عليوة ومحمد امنزوي وقدوري الحمد وحنون مبارك لضاعت الامال في اي تغيير علمي صحيح . ان علم الاصوات ونظامه هو البناء العلمي الصحيح لكل علم متصل باللغة اي علم الصرف وعلم النحو و علم الاعراب وعلم الاشتقاق والمعجم , هذا كلام أعلنه على الملأ وهو عندي ليس تحاملا على العلماء وانما هو تحدي علمي ستظهر ملامحه على صفحات هذا الموقع , فالموضوع عريض ويحتاج الى جهود كثيفة , ممن ميزهم الله بميزة التواضع العلمي .
2- الجذر ( ع ر ب ) واللفظ عربي ( قرآنا عربيا )وعلاقتهما بعلم الاعراب ؟؟؟