في محاولة تأطير المتبقي..نظرة في النظرية النحوية الحديثة
د. يحيى عبابنة
لقد نشرت عددًا من المقالات القصيرة عن المتبقي.. غير أنّ هذه النظرية بحاجة إلى تأطير عربي بعد أن أطّر لها جان جاك لوسركل في كتابه الجميل (عنف اللغة) ولكن تأطيره هذا قد يُفْهم منه غير ما قصد إذا خاض فيه من لا يحسن النظر في التكوين اللغوي وتشكيل القواعد، فهو ينطلق في بعض نقاط النظرية من منطلق (فرويدي) ولذلك فهو يركّز على منطقة اللاوعي الموجودة في التكوين الإنساني، ولذا فهو ينحو منحى من يريد النظر في لغة الهلوسات والأحلام والكوابيس والأداء اللغوي العادي الذي لا يخرج من ابن اللغة عن وعي تام بالقدرة ذاتها..
ما نحتاج إليه هو أن ننطلق من الأداء اللغوي المنفلت من القيود والمنعتق من القاعدة.. وهو أجلُّ من الشذوذ اللغوي الذي يذهب إليه النحويون العرب.. إنه اللغة بكلّ تجلياتها وتمرُّدها على القيود.. فالقواعد قيد للغة التي تستبيح الحدود وتنفر منها.. ولذا فإننا نجد في لغة النص القرآني كثيراً من المظاهر التي تمثّل هذا المتبقي، وقد كان النحويون العرب عندما يعالجون ظاهرة ما في الشعر، يذهبون إلى أنها من خصوصية لغة الشعر والضرائر الشعرية.. والحقيقة أننا نجد لها كثيراً من النظائر في لغة القرآن.. وكان النحويون ينفرون منها وقد لا يأتون على محاولة لتحليلها.. فالقرآن لا ضرورة فيه.. ولكننا إذا تبنينا فكرة المتبقي، فإننا سنخرج من مسألة الضرورة واللحن وكل ما يمكن أن توصم به اللغة.. مع ملاحظة أنه ليس كل تغيُّر في القواعد قابلا لإدراجه في المتبقي، بل يمكن أن نجد كثيرا من القواعد التي تفرِّج همَّ النحو الملتزم بالمعايير الصارمة..