مَبادِئ يَنبغي مُراعاتُها عند تَقديمِ عناصِر الكِفايَة الثَّقافِيَّة:
التَّأكيدُ على مَبدأ التَّدرُّج في تَقديمِ عناصِر الكِفايَة الثَّقافِيَّة: فكما أنَّ المُفردات اللّغويَّة تُدَرَّج فإن العناصِر الثَّقافِيَّة تَحتاجُ وَقتاً يَستمر طوالَ عمليَّة التَّعلُم بل يتعدّاه.
تَقديمُ العناصِر الثَّقافِيَّة بِصورَةٍ غيرِ مُباشَرة: وخاصَّةً إذا كانَ الطُّلابُ من خَلفِيَّاتٍ دِينيَّة مُختلفة، فلا نُقَدِّم لهم موضوعات دينيَّة صِرفة.
تَقديمُ العناصِر الثَّقافِيَّة كما هي: ليس من مَهمَّة واضعي المناهج أو مُعَلِّمي اللُّغة تَسليطُ الضَّوء على الظَّواهر الإيجابِيَّة فَحسب، بل السَّلبيَّة أيضًا؛ فعلى سَبيل المِثال هناكَ إشاراتٌ لُغويّة ثَقافِيَّة وإشاراتٌ إيحائِيَّة لها مَعانٍ سَلبيَّة في ثَقافَة اللغة الهدَف؛ كوضع قَدَمٍ على أخْرَى وتوجيه باطنِ القدم باتجاه الطَّرف المُقابل وأيضًا مِثل مُقاطَعة شَخصٍ أثناءَ كَلامِه أو قول كَلِمة تخلو من الأدَب، ومعنى هذا أنَّ الظَّواهِر السَّلبِيَّة يَنبَغي أنْ يُلتَفتَ لها.
الالتِفات إلى المُقارَنة بينَ الثَّقافات: فالمُقارَنة تُقَدِّم صورة دقيقة لأهمِّ الفروق بين الثَّقافَتين، لكِن يَنبغي التَّنبيه إلى أنَّ مسألة المُقارَنة بين تَتطلَبُ مَعرِفَةً جَيِّدة باللُّغة الهَدَف، وعلى هذا فالأصلُ تأخيرها إلى مستوى مُتَقَدِّم، مع الإِشارَةِ إليها بِنسَبة بسيطة في المُستويات المُبتَدِئة والمُتَوسِطَّة بما يَتلاءم مع مُستوياتِ الطُّلاب؛ من أمثِلة ذلك " المُقارَنات في المُستوى المُبتَدئ على مستوى " اللِّباس، الطَّعام...إلخ" وفي المُستوى المُتوسط " أسلوب الحياة بين ثقافَة اللغة الهدف وثقافته، المُقارَنَة بينَ أنماطِ العيش في الرِّيف والمَدينَة"
الثَّقافَةُ الهَدف ليست مِعيارًا للحُكمِ على الثَّقافات الأُخرَى: فلا يَنبغي للمُعَلِّم أنْ يَنطَلِقَ في تدريسه عناصر الكِفايَة الثَّقافِيَّة من مَبدأ أنَّ الثَّقافَة الهدف هي المعيارُ في الحُكمِ على الثَّقافاتِ الأُخرى؛ فالمُعَلِّم ما عَليه سوى عَرضِ الثَّقافة على أمل تَحقيق أحد هدفين؛ الأوَّل أن يصل الطَّالبُ إلى مَرحلة الاندِماج مع ثقافة اللغة الهَدف، والثَّاني أن يصل الطّالب إلى مرحلة تَقَبُّل ثقافة اللغة الهَدف والتَّكيُّف معها ليعرِفَ آليّة التَّعامُل مع أبنائِها. فمسألة قبول ثَقافة أخرى ليسَت أمرًا سهلًا وهي تختلف عن تعلُّم بعض التَّراكيب اللُّغويّة، ويحضُرني هنا قول الباحِثة الرُّوسِيَّة في كتابِها ( الحَربُ والسَّلامُ بينَ اللُّغاتِ والثَّقافات) حيث تَقول: " إنَّ الحاجِزَ النَّفسيّ بِخلافِ الحاجِزِ اللُّغَوِيّ، غيرُ مرئيٍّ وغيرُ مَحسوس، وبالتَّالي فإنَّ الاحتِكاك أو التَّلاقي مع الثَّقافات الأخرى دائِمًا ما يَحدُثُ بِشَكلٍ فُجائيّ. يتِمُّ التَّعامُل مع الثّقافَة الأُمّ على أنّها أمرٌ فِطريٌّ وبديهيٌّ جُبِلَ عليه الشَّخص مثل قِيامِه بعمليَّة التَّنَفُّس، يتعاملُ الشَّخصُ مع ثَقافَتِه على أنَّها المَنفَذُ الوَحيد الذي من خِلالِه يرى العالم، الوعي بأنَّ الثَّقافةَ الأمّ ما هي إلا واحِدةٌ من ثقافاتٍ مُتَعَدِّدة لا يأتي إلا من خلال التَّعرُّف والاطِّلاعِ على الثَّقافاتِ الأُخرى" في (العكّاش، 2012)
لا تَجعَل المُتَعَلِّم عَدوَّكَ: قد يحدث أحيانًا عِندما تُناقَش مثلًا صورَة نَمَطِيّة عن ثقافة اللُّغة الهَدف أنْ يُعطي بعض المُتعَلِّمين رأيًا مُخالِفًا بناءً على معتَقداتِه وأفكارِه المُسبقة، ويكون هذا الرّأيُّ مخالفًا لأرض الواقِع، في هذه الحالة ينبغي للمُعَلِّم مقاومَة الفِكرة وليس المُتعلِّم نفسه بأسلوبٍ هادِئ بعيدٍ عن الغَضَب.
خاتِمة:
حاولَ الباحِث في هذا الباحِث أن يَستَعرِض مَفهومَ الكِفايَة الثَّقافِيّة بمُكوّناتِه المُختَلفة، وصولًا إلى وضع تَصوُّرٍ مُقترَح لآلية تَدرُّج هذه المُكوِّنات وكيفيّة تَطبيقها في صفوف تعليم اللُّغة عن طريق وضعِ أطُر تساعِدُ المُعلِّم في تحديد العناصِر الثّقافِيّة المُرتبطة بموضوع الدَّرس، كما عرَض الباحِث بَعض المسائل المُتعلِّقة بتقويم الكفاية الثّقافيّة وغيرها من الأمور. وتبقى مسألة تعليم الثَّقافة مُرتَبِطة بحساسيّة المُعلِّم وسِعة إدراكه، وإنها مسألة لا تخلو من مَشقَّة وهذا ما حاولنا وضعه في هذا البحث تسهيلًا على المُعلِّم. ولا يُخفي الباحِث صعوبة الخَوض في هذا المجال، وإنَّ ما ذكرناه هنا يبقى محاولة لتمكين المعلِّم في كيفيِّة التَّعامُل مع عناصر هذه الكفاية تدريساً وتقييماً.
انتهى بِعونِ الله.
مراجِع البَحث:
براون، ﻫ. دوجلاس. (1994). مبادئ تعلُّم وتعليم اللغة. (إبراهيم بن حمد القعيد، وعيد بن عبد الله الشمري، مترجم). الرياض: مكتب التربية العربية لدول الخليج.
الرّهبان، أحمد، الـمُحنّي، راوية، والعبّار، رهف (2010). كتاب المستوى المتوسّط الأوسط. دمشق: المعهد العالي للّغات.
الرّهبان، أحمد، والـمُحنّي، راوية. (2010). كتاب المستوى المتوسّط الأعلى. دمشق: المعهد العالي للّغات.
ريتشاردز، جاك سي، وپلاث، ج، وپلاث، هـ، وكاندلين، سي.إن. (2007). معجم لونجمان لتعليم اللغات وعلم اللّغات التطبيقي (ط.1). (محمود فهمي حجازي، ورشدي طعيمة، مترجم). مصر: الشركة المصرية العالمية للنشر، لبنان: مكتبة لبنان ناشرون.
الطّاهر، مختار حسين. (2007). تعليم اللّغة في ضوء المناهج الحديثة. رسالة دكتوراه، السّودان: جامِعة إفريقيا العالميّة.
طعيمة، رشدي. (1985). دليل عمل إعداد المواد التعليمية لبرامج تعليم العربية. مكة المكرّمة: جامعة أم القُرى.
عبد الله، عمر الصّدِّيق، بشير، عزّ الدِّين وظيف علي، السحيمي، منصور سعد عطيّة، ومحجوب، حسن محمّد حسن. (1436هـ). وثيقة بناء منهج تعليم اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها (ط.1). مكّة المُكرّمة: جامعة أُمّ القُرى
العكّاش، بدر بن عبد الله. (الأحد، 25 مارس، 2012). متلازمة اللّغة والثقافة في دراسة اللّغات (رسالة إلى إخواني الـمُبتعثين). جريدة الرّياض، 15980، ص ص. 1-2.
لامبي، جيرالد، (2010). الكفاية الثّقافيّة. في محاضرة ألقاها في المعهد العالي للغات، في جامعة دمشق.
مايزل، سباستيان. (2009). العلاقة بين تعليم اللغة وتعليم الثّقافة في الصّف: أمثلة ميدانيّة من ميشيغن. وقُدِّم إلى المؤتمر العالمي لتعليم اللغة العربية لغير النّاطقين بها، السعوديّة.
المجلِس الأوروبي "مجلس التّعاون الثّقافي". (2008). الإطار المرجعي الأوروبي المشترك للّغات: دراسة.. تدريس ..تقييم. (علا عادل عبد الجواد، ضياء الدين زاهر، ماجدة مدكور، نهلة توفيق، مترجم). القاهرة: دار إلياس العصريّة للطّباعة والنّشر.
هامرلي، هكتور. (1994). النظرية التكامليّة في تدريس اللغات ونتائجها العمليّة ( راشد بن عبد الرّحمن الدويش، مترجم). السُّعودية: جامعة الملك سعود
Alcón Soler, Eva & Pilar Safont Jordà, Maria .(2007) .Intercultural ******** Use and ******** Learning, Dordrecht, The Netherlands: Springer.
Allwood, Jens. (1990). On the role of cultural con**** in ******** instruction. Gothenbarg papers in theoretical linguistics, 60, pp.1-11
American council on the teaching foreign ********s. (1996). standards for foreign ******** learning: preparing for the 21st century .U.S.A
Byram, Michael, Gribkova, Bella & Star Kerhugn. (2002). Developing the intercultural dimension in ******** teaching: A practical introduction for teachers. Strasbourg: council of Europe.
Safina, Minnisas. (2014). Formation of socio-cultural competence in foreign ******** teaching. Procedia social behavioral sciences, 136, PP.80-83.
Sharifian, Farzad .(2013). Globalization and developing ****cultural competence in learning English as an international ********. Multilingual education. 3(7), P.P: 2-11.
Usό- Juan, Esther & Martinez – Flor, Alicia. . (2006). Current Trends in the Development and Teaching of Four ******** Skills. Berlin & New York: Mouton de Gruyter.
[1] المقصودُ بالتّداخُل الثّقافي الاختلاف بين ثقافتي المُتَعلِّم واللُّغة الهدف، ومُحاولة المُتَعلِّم إسقاط ثَقافَتِه على المواقِف التي يتعرَّض لها في اللغة الهَدف، يشمل هذا التَّداخل عناصِر لُغَوِيّة وعناصِر فوق لُغَوِيّة التي تحكم المخطّطات الثّقافيّة للمواقِف الاتّصاليّة وغير الاتّصاليّة
[2] مُصطلح الكِفاية مُصطلح فضفاض يحوي بين طيّاته العديد من الكفايات؛ وتختلف الأسماء باختلاف المؤسّسات والباحثين، من ذلك الكفايات الموجودة في الإطار المرجعيّ الأوربيّ المشترك للّغات" عامّة، شخصيّة، لغويّة اجتماعيّة، لغويّة اتّصاليّة، معجميّة، دلاليّة، إملائِيّة... إلخ"
[3] قُدِّم هذا المُقترح للكفاية الثقافية في مُحاضرة ألقاها البروفيسور "جيرالد لامبي" في دمشق في المعهد العالي للغات سنة 2010 ، وكانت هذه صورته المبدئيّة، ولا يَظهر أنَّه قسمّه وِفقَ مُستويات "ACTFL" لأنَّ مُستويات "ACTFL" كما هو معلوم خمسة مستويات أساسية، والمذكورة هنا ستّة، وينبغي التَّنبيه إلى مسألة مهمة هنا وهي أنّ المحاضِر عندما أعطى توصيفاً قدَّمه لخدمة ما كان يتحدَّث عنه في ذلك الوقت، ولم يتحدّث عن المُستويات العامّة بتفصيلاتها المعروفة.
[4] من المُمكِن الاستِعانَة بلُغة المُتعلِّم الأمّ لإنشاء هذه المُخَطّطات.