تهمة الرواة بعض الشعراء الأعراب الذين عاصروا نشأة الإسلام بجفاء الدين ورقته
أ. د. عبد الله بن سليمان الجربوع
ملخص البحث
يعرض هذا البحث لجانب من جوانب السلوك الاجتماعي، عند ستة من شعراء الأعراب الذين عاشوا دهراً في الجاهلية ثم أدركوا الإسلام فأسلموا، وعاشوا فيه طويلاً حتى أدرك بعضهم بداية العصر الأموي. ويحاول الباحث عرض التهم التي ألصقت بالشعراء وإخضاعها للموازنة مع عدد من النصوص التي تنسب إلى هؤلاء الشعراء الذين وصفوا بجفاء الدين ورقته. ويظل القصد من ذلك هو إلقاء مزيد من الضوء يجلي تلك الانتقادات التي تناقلها الرواة في شأن هذه المسألة.
• • •
تصادفنا في كثير من أمهات المصادر العربية روايات مختلفة تتهم عدداً من شعراء العربية بجفاء الدين ورقته. وبالرجوع إلى تراجم هؤلاء الذين رموا بالفسق ورقة الدين، نجد من بين هؤلاء فريقا أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم وكانوا معروفين للرواة بجودة الشعر والفسق.
ومن هؤلاء أربعة شعراء من شعراء الأعراب معَّمرين عاشوا في الجاهلية دهراً، ثم أدركوا الإسلام فأسلموا وعاشوا فيه طويلاً حتى أدرك بعضهم زمن الأمويين وهؤلاء هم: أبو الطمحان القيني وشبيل بن ورقاء وتميم بن أبَي بن مقبل والحطيئة. وهؤلاء الشعراء الأربعة تجمعهم صفات مشتركة فهم جميعا مخضرمون وشعراء أعراب، وتفيد أخبارهم التي تناقلها الرواة أنهم جميعاً لم يطمئنوا للإسلام، ولم يتمكن من نفوسهم. فقد نشأوا في الجاهلية، وتطبعوا بطبائع أهلها وتأثروا فيها، وتمكنت عاداتها وتقاليدها في نفوسهم، وحينما جاء الإسلام لم يتأثروا كثيرا به لجفائهم وغلظتهم وشدة تبديهم. ويظهر من أخبارهم أنهم لم يستطيعوا أن يتأقلموا مع الحياة الإسلامية، ومضوا يعيشون الحياة كما كانوا يعيشونها قبل الإسلام غير مبالين بتعاليم الدين وأوامره ونواهيه. وعلى الرغم من التحول الكبير الذي أحدثه الإسلام في نفوس العرب الذين آمنوا به حين بدلت الدعوة الكثير من المفاهيم الخاطئة والعادات الموروثة التي ألفها الناس واعتادوا عليها، إلا فئة قليلة منهم يظهر أن الإسلام أوقعها في حرج، فقد قبلته على مضض، ومن خلال سلوك بعض أفرادها بعد إسلامه ظهر أنه لا يمكنه الانقطاع عن ماضيه. ولهذا حدث تعارض بين قديمه الموروث وجديده المكتسب، عبّر عنه من خلال تصرفاته التي تخالف نهج الإسلام وطهارته. لقد حفظت لنا الروايات نزراً يسيراً من أخبار بعض شعراء البادية الذين أسلموا، لكن قلوبهم بقيت على ما كانت عليه قبل الإسلام. فلم يحفلوا بالإسلام ولم يتعمقوا أسرار الدين وشرائعه ولذلك ظل موقف بعضهم من العقيدة ومن فرائضها يلفه الغموض وعدم الالتزام. وذلك ناتج عن عدم تمكن هؤلاء الأعراب من فهم الإسلام الفهم الصحيح، فهم قوم لم يصحبوا الرسول (صحبة كافية. وبعد إسلامهم انصرفوا إلى ذواتهم وحياتهم المعتادة من قبل. ولم يستطيعوا مجاراة التحولات الكبيرة
والمتغيرات المتلاحقة التي مر بها المجتمع العربي في بداية عصر الخلفاء الراشدين. كما أنهم لم يستطيعوا الانفكاك من الوجدان القبلي الذي كان يصبغ حياتهم، ولم يستطيعوا التخلص من تأثيره. وظلوا متأرجحين بين عادات الجاهلية التي تأصلت في نفوسهم من قبل، وعالم من حولهم يتغير بسرعة متناهية. لقد امتد وجود بعضهم في الإسلام فترة تقترب من نصف قرن من الزمان، ومع ذلك ظلوا بعيدين عن فهم الإسلام، وظلوا معزولين عن الحياة الإسلامية. وباستثناء فئة قليلة منهم مسّ الإيمان قلوبهم وكانوا مسلمين رجال صدق من مثل لبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي فإن فئة غير قليلة من شعراء الأعراب كانت صلتهم بالدين ضعيفة. فالإيمان لم ينفذ إلى قلوبهم ولم يتعمقوا فهم العقيدة وفرائضها. ولذلك لم يجد بعضهم حرجا في التصريح بارتكابه المحرمات فهم يقبلون عليها ولا يجدون فيها ما يشينهم أو يعيبهم. كما أن سلوك بعضهم ظل وثيق الصلة بالماضي ولذا عجزوا عن تغيير قيمهم الدينية والاجتماعية.
فأبو الطمحان القيني (1) ذكره ابن قتيبة (2) فقال: ((هو حنظلة بن الشرْقيّ، وكان فاسقاً، وقال عنه الأصفهاني (3) : ((وكان أبو الطمحان شاعراً فارساً خارباً صعلوكاً، وهو من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام، فكان خبيث الدين فيهما كما يُذْكر. ووصفه البكري فقال (4) : ((وكان خبيث الدين جيد الشعر)) . وذكر ابن حجر (5) أن ابن قتيبة ذكر له في كتاب الشعراء شعراً يتبرأ فيه من الذنوب كالزنا وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والسرقة)) .
ولم أقف على أثر لهذا الشعر في المصادر القديمة التي اطلعت عليها. وتفيد رواية ابن قتيبة أن أبا الطمحان القيني، ظل بعد إسلامه رقيق الدين. فقصته مع المرأة التي نزل بها فآوته وأكرمته، فسطا على شرفها ومالها ثم هرب، تنافي المروءة التي عرف بها الصعاليك، كما تصور في الوقت نفسه إسفافه وابتذاله، وتمرده على الأخلاق والأعراف واستهانته بهما. هذه القصة التي يبدو أنها حدثت في الإسلام ارتبطت باسمه وتناقلها الرواة عن ابن قتيبة (6) وفيها دلالة على سوء سلوكه وفساده وفسقه فقد قيل له: ما أدنى ذنوبك؟ قال: ليلةُ الدّيرْ، قيل له: ما ليلة الدّيْر؟ قال: نزلت بدَيْرانيةٍ، فأكلت عندها طَفَيْشَلاً بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ومضيت! ,,
لقد عكست تلك الرواية مع نماذج قليلة وصلت إلينا من أشعار يرجح أنه قالها في الإسلام، خبث دينه وفساد عقيدته. أول تلك النماذج نتفة من بيتين قالهما في أواخر حياته. لقد أظهرت تلك النتفة أن أبا الطمحان كان من المعَّمرين وقد أوغل في الحياة الإسلامية وامتد به العمر. ومع ذلك غلب على شعره، قلة الشعور الديني، إذْ لم تُظْهِرْ تلك النماذج على قلتها تأثره بالإسلام وتعاليمه. بل لعلني لا أبعد عن الحقيقة حينما أزعم أن هذه النتفة وأمثالها من شعره تؤكد خبث أبي الطمحان وفساد طويته، وتجلي تلك النزعة التي عرف بها عند الرواة. في هذه النتفة يتفجع الشيخ على شبابه الذي غاب ربيعه ويجزع من شيبه وتقارب خطواته. هذان البيتان قالهما بعد أن داهمته الشيخوخة وكان يتوقع من أمثاله وقد قرب أجله أن يحذر الموت ويترقبه، ويخاف من الحساب وعذاب القبر ويؤمل الخير وحسن الخاتمة. يقول (7) : [الوافر]
حنَتْني حانياتُ الدّهْرِ حتىّ
كأنيّ خاتلٌ أدنُو لِصَيْدِ
قصيرُ الخطْوِ يحسِبْ من رآني
ولست مُقَيداً أني بِقَيدِ
لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، ولعل في هذا السلوك الذي عبرت عنه هذه النتفة ما يعد مظهراً من مظاهر رقة الدين التي تحدث عنها الرواة. فقد غابت عنها المعاني الدينية وعكست ألفاظها طبيعة أخلاق أبي الطمحان ونظرته إلى الحياة.
كذلك وصل إلينا من شعره مقطوعة يبدو أنه قالها بآخرة من عمره. يعبر فيها عن انحرافه الخلقي ويجاهر فيها برغبته بشرب الخمر قبل أن يقضي نحبه. وإذا كان الشعر يمثل فكر صاحبه والشاعر أحياناً لا يتحدث من فراغ، فإن مضمون تلك المقطوعة وألفاظها ومعانيها، حتى على افتراض أن الشاعر قالها على سبيل المجاز، تتصادم مع الدين والقيم والأخلاق والأعراف. تتصادم مع الدين لأنه لا يرى في الخمر رجساً من عمل الشيطان. وهي في المقابل ضد الأخلاق والتقاليد لأن شيخاً يدنو أجله، ويعيش في آخر أيامه، يتهالك على الملذات، ويعكف عليها، ويدعو لها. إنه على الأقل بهذه الواقعية يعري نفسه ويبتذلها، ويعبر عن حاجاته الطبيعية. وهو في هذا يخالف القيم والمثل التي تعارف عليها الناس وألفوها. يقول (8) : [الطويل] .
ألا عَلّلاني قبْلَ نَوْح النَّوائِحِ
وقبَل ارتقاءِ النفس بين الجوانحِ
وبعد غدٍ يالهفَ نفسي على غدٍ
إذا راحَ أصحابي ولستُ برائحِ
إذا راح أصحابي تَفِيضُ عُيونُهم
وغُودِرتُ في لحدٍ على صَفَائِحي
يقولونَ: هل أصلحتُم لأخيكُم
وما القبُر في الأرضِ الفضاءِ بصالحِ
وله نتفة أخرى قالها يتذكر فيها ماضيه وأيام صعلكته، ويعبر فيها عن حنينه إلى الغارات وأسلوب الفتك واللصوصية. تلك العادة التي حاربها الإسلام وأنزل بأصحابها أشد العقوبات. وكادت تختفي زمن الرسول (والخلفاء الراشدين من بعده. ومع أنه لم يرد في أخباره ما يفيد بأنه ظل يمارس تلك العادة بعد إسلامه، أو أنه أقلع عنها، بل لعلنا نرجح أنه كف عن ذلك بسبب شيخوخته على الأقل، إلا أن تلك الأبيات قد أظهرت ارتباطه بماضيه، وبدلاً من أن يعلن ندمه في إسلامه على ما كان من إغارته ولصوصيته في الجاهلية، وتوبته واطمئنانه على حياته في ظل الإسلام نجده لم يخف حنينه لحياة السلب والإغارة التي أعتاد عليها من قبل. بل نراه يعتز بصعلكته، ويجتر ذكرياته حينما كان يجازف بحياته ويعرضها لركوب المخاطر يقول (9) :
ياربّ مُظْلِمَةٍ يوماً لطيتُ لها
تمضي عليّ إذا ما غاب نُصّاري
حتى إذا ما انَجلتْ عني غَيَابتُها
وَثبْتُ فيها وثوب المُخْدِرِ الضَّارِي
لعل في تلك النماذج التي عرضنا لها في الأمثلة الماضية ما يمكن اعتباره شاهداً على رقة دين أبي الطمحان وفسقه. فهذا النزر اليسير من شعره الذي وصل إلينا فيه دلالة على أن روح الجاهلية ظلت تسيطر على تصرفاته. فقد اضطرب في سلوكه وخالف الإسلام وخرج على تعاليمه. وكان يتوقع منه وقد عاش دهراً في الإسلام أن يكون شعره عامراً بالتقى والصلاح والرغبة في النصح وعمل الصالحات. إلا أنه أظهر خلاف ذلك حنيناً إلى الماضي، وتهالكاً على المتع والملذات. وربما هذا هو ما جعل الرواة يتهمونه بفساد الدين وخبثه في الجاهلية والإسلام.
لقد كان لشعراء البادية الآخرين صلة ضعيفة بالدين فابن قتيبة يصف شبيل بن ورقاء فيقول (10) : ((هو من زيد بن كليب بن يربوع، وكان شاعراً مذكوراً جاهلياً، فأدرك الإسلام وأسلم إسلام سَوْءٍ، وكان لا يصوم شهر رمضان فقالت له بنته، ألا تصوم؟ فقال: [الطويل]
تَأْمُرُني بالصوْمِ لا دَرّ درها
وفي القبْرِ صَوْمُ لا أبَاكِ طَوِيلُ