إسهام برامج تعليم العربية في تجذير الهوية
نظرة في المقدّمات والممارسات والمعوِّقات
أ.د. سـليمان بن إبراهـيم العـايد
ملخّص:
تشارك هذه الورقة أوراقًا أخرى مناقشة قضيّة مهمّة, تمسّ حياتنا اللغويّة, وهي قضيّة تعنى بها الأمم، حتّى إنّها لتجعل مسألة اللغة مسألة دستوريّة, وقد تكون أحيانًا حائلا دون استحقاق جنسية البلد؛ إذ هناك دول تشترط للجنسية معرفة اللغة الرسمية للبلد, والقدرة على التواصل بها, كما أن بعضها تشترط لبعض أعمالها القيادية إجادة اللغة الرسمية, وهذا شيءٌ سياديّ لا ينكر على أي دولة تشترطه أو تطلبه ممارسته. والعربيّة ليست بدْعًا بين اللغات في هذا, فلو اشترطت الدول العربيّة هذا الشرط لم يكن بالمستنكر، ولا الغريب.
واللغة هوّيّة الأفراد, ومطلب الشعوب, وإطارها الثقافي, وهي لغة اتّسع أفقها, وامتدّ مداها, وخلطت الشعوب على اختلاف أعراقها, وتفاوت أصولها, وأنسابها, في خليط واحد, وصهرتها في بوتقة واحدة, مصداقًا لأثر "إنما العربية اللسان" .
كان الحرف العربي ترميز كثير من لغات العالم, وكان مصدر فخار يفاخر به من يعرفه في أوروبا, وكانت اللغة العربيّة عملا يتسامى إليه المتسامون, ويفخرون به, وكانت لغة العلم والحضارة في المعمورة اللغة العربية, خاصة في العالم الإسلامي, وبعض مؤسسات العلم في أوروبا. هذا هو التاريخ, وهذا هو الماضي, فما حال العربية في هذا العصر؟ لقد انحسر نفوذها, وتقهقرت مكانتها, وقلّ منتحلوها, واستحيا عارفوها من التباهي بها, وآثر الراغبون في دراسة اللغات غيرها من اللغات, وكان لهذا أسبابه التي لا تخفى, والتي بإمكان الدارسين الوقوف عليها وحصرها, ومن هذه الأسباب أسباب من داخل البيت اللغويّ, وهي التي رأينا أن نناقشها في هذه الورقة, ولا نزعم أننا بتلافيها نأتي بالحلِّ السحريِّ لحلِّ القضيّة اللغويّة, ولكنّها مقاربة, وعمل قد يقود إلى نجاح إذا صاحبته عوامل مؤيِّدة, وآزرته أسباب من خارجه, وهذه الأمور التي ناقشناها تتلخّص في الآتي: مقدّمات . فمزايا وخصائص اللغة العربية من نحو (عمر العربية, ونظامها الصوتي المنقول شفاهًا, والتطور والثبات فيها, وارتباطها بكتاب مقدّس, وبتراث مدوَّنٍ كبير, وموقف الأقليات ذات اللغات الخاصة في الوطن العربي الإيجابي منها, وما يحيط بالإقليم العربي من جوار لا يعادي لغته, وسلامة العربية من الانشقاقات اللهجيّة وتحوّلها إلى لغات مستقلّة, وعالمية العربية). فحديث عن العربية والهويّة(مفاهيم عن حياة العربية, واللغة والهوّيّة في التراث، وأسئلة عن الهوّيّة) . فتصوّرات ومفاهيم (العربية بناء تراكميّ, وتقرير حقيقة ما يسمّى الفصحى, وأثرها في درس العربية, والحديث عن مستويين من اللغة: مكتوب ومنطوق, والفرق بينهما، وتقسيم اللغة إلى ثلاثة مستويات: تواصلي, وتداولي غير ثريّ, وتداولي أدبيّ ثريّ, والإفادة من هذا التقسيم في درس العربية, والعلاقة بين العامية وما يسمّى الفصحى, والدعوة إلى الاتزان في دراسة هذه العلاقة وتأثيرها). فممارسات (الإفراط في المحافظة والغيرة على اللغة, وما يترتّب عليه من عدم تطوير أساليب تدريسها، وطرائق الوصول إلى عقل الطالب وقلبه, ومعاملة العربية مادّة كسائر الموادّ, وممارسات معلمي اللغة العربية, وممارسات في مناهج اللغة العربية, وممارسات النشاط البحثيّ في اللغة العربيّة). فتوصيات. وقد انتهى العمل إلى توصياتٍ مسطورة في آخره, مجملها "إعادة بناء مناهج اللغة العربية, وفق تصوّراتٍ، وقيمٍ جديدة اقترحها الكاتب، وبناء مقرر, وتأليف كتب تؤصِّل وتكرِّس الهوّيّة اللغويّة, وإعادة النظر في تأهيل معلمي اللغة العربية, و تقرير صفاتهم وسماتهم, وفق رؤًى جديدة, وفرض قدرٍ من الإعداد اللغويِّ مناسبٍ على كلِّ من ينخرط في سلك التربية والتعليم, وتوجيه البحث العلمي في اللغة العربية وآدابها ومشاريعه وفق خطّة إستراتيجيّة, تخدم قضايا اللغة المعاصرة, وتجعل البحث متلائمًا, أو مستجيبًا للحاجات القائمة, خاصّة ما جدّ منها في هذا العصر". وهذه دعوة للإصلاح من الداخل, وهي غير كافية لإحداث تغييرات كبيرة، ولكن هذا هو الممكن في هذا الميدان, وإن كانت المقترحات بحاجة إلى إسناد.
*********
مقدّمـــة:
بمجرّد أن تلتقي شخصًا, وتسمع منه, وتحاوره, تستطيع أن تحدِّد أهو تكلّم بلغته الأم, أم تكلّم بلغة ثانية اكتسبها في مرحلة غير مرحلة الطفولة, كما يكون بإمكانك تحديد بيئته وفئته, أهو من البيئة الرعوية, أم البيئة الزراعية, أهو ابن البادية, أم ابن الحاضرة, أم من أرباب الحرف الأخرى, كما تحدّد أو تقارب في تقدير عمره, وجنسه, وهل هو من الطبقة المثقّفة أو من غيرها, كل هذا يمكن استخلاصه من لغته, ومفردات حديثه, وأصوات كلامه, وبناه، وتراكيبه, وطريقة أدائه, هذا على مستوى الأفراد, يقول جون جوزيف: (( إن اللغة من منطلق ما يقوله شخص معيّن أو يكتبه, من وجهة نظر تُهِمُّ الشكل والمضمون, على حدٍّ سواء, مسألة مركزيّة بالنسبة إلى الهوِّيّة الفرديّة, إنها تدوِّن الشخص ضمن هوِّيّات قوميّة, وأخرى مشتركة تتضمّن تعيين "منزلة" الشخص داخل الهوّيّة. إنّها لا تشكِّل نصًّا ممّا يقوله الشخص, بل تشكِّل نصًّا من الشخص ذاته؛ إذ من خلال ذلك سيقرأ الآخرون هوّيّة الشخص و يئوِّلونها بطرق أكثر غنًى, وتعقيدًا. وإن ما ينتجونه من إفراط في القراءة سيكون في واقع الأمر أغنى ممّا يتحمّل النصّ ذاته)).([1]) أمّا على مستوى الجماعات والمجتمعات والعرقيات والدول فالأمر مختلف, وفيه نوع صعوبة؛ إذ تتداخل اللغة مع غيرها, أو تتنازع, في تكوين الهوّيّة, ورسم الملامح الثقافية.
نعيش في عصر ثورة لغوية بما يتحقّق في عصرنا من محاولة للجمع بين التنظير اللغويّ وتسخير التكنولوجيا المتقدّمة لخدمتها من أجل تحويلها إلى أعمال آلية تجريها الآلة بعد إكسابها المهارات اللغويّة من صوت واشتقاق, وتصرف، وتركيب, واختصار, واستخلاص, وفهرسة, وبحث نصّي, حتّى صارت اللغات معرّضة للزوال والفناء في لغة واحدة, وحتّى صارت العولمة مهدّدة للهوّيّات الخاصة, والتمايزات القومية والعرقية, والدينية, فظهر إهمال العربية تنظيرًا وتعليمًا واستخدامًا على حساب أمور اللغة الأخرى(التقليدية) في غمرة تطوّرات علمية تقنية سريعة في عالم اللسانيات المعاصرة, ولم يستبعد د. نبيل علي حدوث فجوة لغويّة حادّة بين لغتنا العربية, ولغات العالم المتقدّم تكنولوجيًّا, في التنظير , والمعجم, والتعليم والتعلّم, واستخدام اللغة وتوثيقها, والمعالجة الآلية للغة, والترجمة الآلية ولهذا نتائج كارثية على العربية, قد تفقدنا هوِّيّتنا, وتحرمنا من التعليم بلغتنا العربية, لصالح اللغات الأجنبية. ([2])
بإطلالة سريعة على ما ينشر في الإنترنت عن اللغة والهوّيّة يجد القارئ مقالاتٍ كثيرة, وهي في أكثرها, مكرّرة المضمون, متشابهة الأفكار, متقاربة المقاصد والغايات, والذي نطمح إليه، في هذه المشاركة, تقديم شيءٍ لعلّه يكون منبهةً, لأمور قد تكون ضامرة لدى المتحدِّثين في هذا الموضوع, وقد اطّلعت على قوائم وملخّصات, وبعض أعمال ندوات ومؤتمرات, حملت في عنوانها "اللغة العربية والهوّيّة" وأقحموا فيها أشياء، تبحث الشأن اللغوي العام, وتناقش القضايا العامة, وتخدم اللغة, وتفيد درسها, وتغذو اهتماماتها, وتطرح رؤًى وأفكارًا من أجل تطوير برامج تعليمها, ولعلّ كثيرًا منها خارج إطار الحديث عن اللغة والهوّيّة.
وبزيارة لمعرض الكتاب في طهران, وزيارات لمعارض الكتب في البلاد العربية, نلحظ فرقًا كبيرًا بين الصورتين, فمعرض طهران ينمّ عن اعتزاز القوم بلغتهم, وحرصهم على إحيائها, وتخليدها, وإسهامها في رسم الصورة عن هوّيّة البلد, في حين توحي صورة المعارض في البلاد العربية باستهانة العرب بلغتهم, وغبش في إسهامها بتكوين صورة الهوّية؛ فلا تكاد في معرض طهران تجد شيئًا بغير الفارسية, حتّى الكتاب العربي نادرٌ جدًّا, وهو في الغالب من المطبوعات الرسمية, أو شبه الرسميّة, فعلام يدلّ هذا؟!
ليس أسهل على المرء من أن يلقي باللائمة على غيره؛ لما فيه من خداع النفس بالتخلّص ولو وهمًا من المسئولية, وتأنيب الضمير, وفي الشأن اللغوي بل في الإخفاق فيه, كان شيء من هذا, يلقي اللوم أحيانًا على المجتمع, وعلى بلادة التلاميذ, وضعف الأجيال جيلا بعد جيل, وأنظمة التعليم, ومكانة اللغة, وعدم احتفاء الساسة وأصحاب القرار النافذ بهذا التخصص, بل قد يطرح السبب على اللغة ذاتها, وكلّ هذا سهل ميسور, لكن أن يراجع الإنسان نفسه ليسائلها : ألديَّ قصور في عملي وبرنامجي, وذاتي, وما أقدِّمه للآخرين.
وهذه الورقة، يمكن إدراجها في النقد من الداخل, أو نقد الذات, أو محاسبة النفس, أو وقفة مع الذات؛ فالكلّ يشكو من ضعف تأثير اللغة في تكوين الهوية, وضعف الترابط بين الثلاثي: {اللغة, والثقافة, والهويّة}, ومع أهمّيّة دور اللغة, لا نرى من علماء اللغة تقويمًا, أو نقدًا لدرسها, ومحاولة لتلمّس أوجه ضعفها وقصورها, في الإسهام في تكوين أضلاع المثلّث, الآنف ذكره. والموضوع الذي سأطرحه في هذه الورقة يتألّف من العناصر التالية:
1- مقدّمات ..
2- مزايا وخصائص اللغة العربية.
3- حديث عن العربية والهويّة .
4- تصوّرات ومفاهيم.
5- ممارسات.
6- توصيات.
*******
أولا: مقدِّمات:
من أصعب الأشياء الحديث عن الواضحات؛ إذ لا يتحدّث فيها إلا أحد شخصين, إمّا فاقد للقدرة على الإبداع، فليس أمامه إلا أن يعيد ما يقوله الآخرون عن طريق القص واللصق, والحفظ والتسميع, والنقل والقراءة, وإلا اختلاف الوعاء. وإمّا شخص موهوب وهبه الله نظرة ثاقبة, وفكرًا متميِّزًا, ولسانًا ساحرًا، وبيانًا مؤثِّرًا يأسر المتلقّي, وشخصيّةً مؤثِّرة ليستطيع بهذه كلها أن يستخرج ما يخفى على غيره, وأن يجعل من الخسيس نفيسًا، ومن الزهيد ثمينًا, ومن المبتذل عزيزًا, وممّا لا يلفت الأنظار ما يشدّها إليه, من تفسير, وتعليل، ومعرفة أسباب, وربط للمتناظرات والمتشابهات؛ فكل من تتكلّم معه عن اللغة والهوِّيّة يرى أنّك تأخذه إلى ميدانٍ كثر والجوه, وأرض كثر واطئوها, وفناء كثر داخلوه, ومسلكٍ تزاحم سالكوه, وموردٍ كدّره الواردون, فاللغة مفهومة, وإن لم نتفق على تعريفها تعريفًا جامعًا مانعًا, والهوّيّة واضحة، وإن كثرت فيها التعاريف، واختلفت فيها المقالات؛ إذ لا يمكن أن يتصوّر مجتمع بدون الثلاثي: اللغة والثقافة, والهوّيّة، وبين هذه الثلاثة تلازم , ولا يصح أحدها من دون الآخرين؛ فالثقافة, مضمون الهوّية, واللغة وعاؤها, وشكلها . والهوّيّة مركّبة منهما, ونسوق بعض نصوص أو إشارات يمكن أن تنير لنا الطريق, ومنها:
أن ((اللغة هي قدر الإنسان الاجتماعي, فكما تكشف عن طبقته وجذور نشأته تكشف أيضًا عن عقليّته, وقدراته, وميوله الفكرية, وكما أن اللغة ظاهرة وشائعة, فهي – بالقدر نفسه – دفينة ومستترة، غائرة في ثنايا النسيج الاجتماعي, ومتاهة العقل البشري، تمارس سلطتها علينا من أياديها الخفيّة ...)).([3])
تعاظم دور اللغة في الحياة المعاصرة؛ فلم تعد اللغة محصورة في ميادين التعليم والتربية والثقافة, بل تغلغلت في مناشط الحياة كلّها, وصار لها دور مؤثِّر في السياسة والاقتصاد, والتقنية, وصار لها إسهام في تحديد أداء المجتمع من داخله، بتعرُّف نشاطه, المعرفي والإبداعي, ومن خارجه برسم علاقة مجتمعٍ ما بغيره من المجتمعات وتعرّفها, ومدى تأثيرها في التكتلات المختلفة.([4])
توظيف اللغة لتأييد دعوات العولمة, أو مقاومتها، من منطلق المشترك اللغوي النظري الذي يصف اللغة بأنها غريزية, إنسانية, يشترك فيها جميع البشر, وفيها قوانين مشتركة بين اللغات, أو من منطلق أن اللغة تمثِّل خصوصيّة الأمم والقوميّات, إن لم تكن أبرز الخصوصيات, ومن العسير أن تتنازل الأمم عن لغاتها من أجل أن تسود لغة واحدة, مهما كان من عوائده الاقتصادية؛ لما يلزم عنه من تهميش اللغات والثقافات القوميّة, والسيطرة الاقتصادية والثقافية على شعوبها.([5]) ولما يكون فيه الفناء في غيرها, ولبس جلد ليس هو جلدها.
أنه مهما حاولنا ستر القضية اللغويّة, وإخفاءها, وإبعادها عن الصراع البشري على النفوذ السياسي, والغلبة الاقتصادية, والهيمنة الثقافية, فلن نستطيع ذلك، والشواهد على ذلك كثيرة, بل إن بعض التكتّلات ذات السمة الاقتصادية, أو ذات الطابع السياسي مبنية على الوحدة اللغوية أولا, أو افتعالها, بل قد يكون داخل التكتل الاقتصادي أو السياسي تكتلات فرعية لغويّة, كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي, مثل تجمّعات وروابط "الأنجلوفونية, والفرانكوفونية, والإسبانفونية"([6] ) ونحن – العربَ - لا يغيب عن بالنا الجامعة التي تتسمّى باللغة (الجامعة العربية), وهذا ديدن الأمم والقوميات القويّة التي تريد الحفاظ على هوّيتها, بخلاف الأمم الضعيفة فليس لديها هذا, ولدينا في الجوار دعوات لتكتلات مبنيّة على أساس التكتل اللغوي, بل هناك صراع داخل التجمعات الكونية, أو الإقليمية يتمثّل في سعي الدول ليكون للغاتها حضور في المحافل الدولية، من خلال فرض لغتها, أو الاعتراف بها رسميًّا فيها.
ما أحدثته تقنيات العصر في التواصل اللغوي, وما سيحدث فيه حتمًا من توسّعٍ وتنوّعٍ؛ فالتواصل قديمًا إمّا شفهيّ، وإمّا كتابيّ, في حين ظهر في عصرنا اتّصال مكتوب كتابة من نوعٍ خاصٍّ، يأخذ من سمات الاتصال الشفويّ العفويّ الارتجالي ، الذي يتسابق فيه التفكير مع اللسان, وقد يسبق فيه اللسانُ, وهذا النوع يأخذ من سمات الاتصال الكتابي, وطرحت تقنيات العصر وسيلة اتصال لغويّ هي خليطٌ من الشفوي والكتابي, ويأخذ من مزايا الاتصال الشفهي, والرموز الثابتة والمتحرّكة, وهي وسيلة تعرّفها صغار الأبناء, ومارسها الكبير والصغير. كما أن ميدان الحوار لم يعد مقتصرًا بين الإنسان وأخيه الإنسان, بل انتقل ليكون بين الإنسان والآلة, ومثل هذا يتوقّع أن يحدث ثورة في عالم التواصل والاتصال, وقد يحدث لغة جديدة لها خصائصها ومزاياها, ولها جاذبيّنها, تخالف ما اعتاده الإنسان في المعروف من وسائل الاتصال. ([7] )
*********
ثانيـــًا : مزايا وخصائص للغة العربية, وهي نقاط محسوبة للغة العربية:
ما تقدّم أمور مشتركة بين اللغات، ولا تختص بها لغة دون لغة, ولا نريد إجراء مقارنة بين العربية وغيرها من اللغات, فقد قام بهذا بعض من درسوا اللغات الأخرى وقارنوها بالعربية, وأشير هنا إلى دراسة للدكتور: عبد المجيد الطيّب, الأستاذ بجامعة أم القرى, كما لا نريد كذلك دفع ما يثار حول العربية من شبهاتٍ.([8] ) وهذا لا يمنع من طرح سؤال: هل تختلف العربية عن غيرها من اللغات؟ من المسلّم به أن كلّ لغة تتمايز عن غيرها من اللغات في شيءٍ من أنظمتها, الصوتية, والصرفية (بنية الكلمة) والتركيبية (النحو), والدلالية (المفردات والمعجم), وبعض إجراءاتها, ونحن هنا لا نتحدّث عن المزايا والخصائص المتعلِّقة بمكوِّنات النظام اللغويّ, من صوت وبنية, وتركيبٍ, ودلالة؛ لأن مثل هذا الحديث مهما كانت قوّته يبقى مجال شكٍّ وميدان مطارحة؛ إذ قد يقال فيه: إنّه دعوى, وسأقتصر على إشارة موجزة لشيءٍ منها ألخِّصها من كلام عبد المجيد الطيّب([9]), الذي ذكر مزايا للغة العربية في تكوينها؛ إذ ليس في العربيّة ما يفيد التدرُّج في النشأة والترقّي؛ فالعربية عرفت مكتملة في مبانيها ومعانيها, وهذا لا يناقض ما أضيف لها من عبارات, واستقبلته من تراكيب, وتوسّعت فيه من دلالات, في العصور اللاحقة، فنشأة اللغة العربية – كما يقول - معجزة وغير عاديّة, ولم يثبت للعربية مرحلة طفولة, أو شباب, أو شيخوخة, وأنها أحاديّة النشأة والتكوين, ذات أصلٍ واحد (غير هجين) كما ذكر من مزاياها نظامها الصوتيّ وتوزيع الأصوات العربيّة بشكلٍ عادل على المدرج الصوتي, والأحياز (المخارج) فلم تتراكم في حيّز أو مخرج واحد, أو اثنين. ومن مزايا نظامها الكتابيّ وترميزها نسبة التطابق العالية بين الرمز الكتابيّ والنطق, ما عدا استثناءاتٍ مردّها أنّها ألفاظٌ دوّارة, شائعة الاستعمال كثيرة الترداد والتكرار, كما أن نظرة منصفة في النحو العربي مقارنًا بغيره من الأنحاء في اللغات الأخرى, تبرز ميزة ونقطة قوّة للنظام النحويّ العربيّ, كما أشار إلى إسهام البنية الصرفيّة في تكوين المعنى الدقيق للكلمة, التي يتكوّن معناها العام من الأصوات, ومعناها الخاص أو الدقيق ممّا يعرض لها من صفاتٍ مردّها نظام البنية العربيّة, وأن بنية الكلمة لها دلالة خاصّة, تخرج بها عن المعنى العام للمادّة, ومثل هذا لم يكن غائبًا عمّن كتب عن فقه اللغة في تراثنا, بل كان العلماء, ومنهم ابن فارس, يستحضرونه حين يكتبون في فضل العربية, وقد عقد في كتابه "الصاحبي" ([10] )بابًا بعنوان "القول في أن لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها" وذكر من وجوه التفضيل نزول القرآن بها، وتميّزها في البيان, والترادف, والأساليب البيانية التي تستعصي أو تتأبّى على الترجمة, والتخفيف اللفظي بالقلب, والتخلّص من التقاء الساكنين، وعدم الابتداء بالساكن, واختلاس الحركات, والحذف والترخيم, والإدغام, والإضمار, والكلم الجوامع, وأمثال هذا كثير، كما يقول، وتركه خوف الإطالة, وهذا كلّه ليس مهمًّا؛ إمّا لأنّه بدهيّ ومسلَّم به عند المؤمنين به, وإما لأنّه ميدان شكّ وخلاف لمن لا يؤمن, وقد يقول قائل: هذه دعوى , وهي بحاجة إلى دليل؛ لأن الدعوى بدون دليل لا تغني شيئًا, والمهمّ هو ما تختلف أو تمتاز به العربية عن غيرها من اللغات من خارج بنية النظام اللغويّ: مثل:
العمر الطويل, والتاريخ الضارب في أعماق الزمن, فهل بين اللغات المعروفة الآن ما لها ما للعربية من التاريخ, وهل يستطيع أبناء لغة ما أن يقرءوا ما سُطِر بلغاتهم قبل بضع مئات من السنين، إن كان لها هذا العمر.
********