mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي التحيز في الأدب

كُتب : [ 06-03-2017 - 06:42 AM ]


التحيز في الأدب
أ.د. إبراهيم بن محمد الشتوي
أستاذ الأدب والنقد – قسم الأدب - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية


كنا قد قرأنا إبان دراستنا الأدب في عصر بني أمية ظاهرة الأدب السياسي، وكان المقصود بها تلك الآداب التي ينحاز فيها أحد الأدباء إلى فئة اجتماعية، يرى أنها أحق بسياسة الأمور من سواها؛ فيجند أدبه لهم، ولأفكارهم، ومن يحبهم؛ فظهر الشعراء والخطباء الذين يميلون إلى الخوارج، ودعوتهم، والذين يميلون إلى ابن الزبير، أو أهل البيت، أو الأمويين.

وهذا التحيز يشبه أنواعًا أخرى، ظهرت بشكل جلي في الأدب القديم، كالموقف من السود الذين كانت الثقافة العربية القديمة تنظر إليهم نظرة دونية، كما في قصة عنترة المشهورة، والسليك بن السلكة وغيره، ممن كانوا يسمون بأغربة العرب، وكما في الحكاية التي جاء فيها أن نصيبًا الشاعر مدح عبدالله بن جعفر بن أبي طالب فأعطاه مالاً كثيرًا، وكسوة، ورواحل، فقيل له: أمثل هذا الأسود يعطَى هذا المال؟ مما يدل على النظرة الدونية التي ينظر بها المجتمع لهم.

ويلحق بهذا النوع من التحيز الموقف من المرأة في الثقافة العربية، وهي قضية تحدث عنها النقاد والدارسون النسويون كثيرًا، ومظاهرها امتلأت بها كتب الأدب، ابتداء من وأد الإناث إلى اعتبارهن عبئًا وعارًا يحسن التخلص منه.. ويمثله أكبر تمثيل قول الشاعر وهو يرثي ابنة أخته:

قد كنت أخشى عليها أن تقدمني

إلى الحمام فيبدي وجهها العدم

فــالآن نمت فــلا هــم يــؤرقــني

يهدا الغيور إذا ما أودت الحرم

ففي الوقت الذي يرثيها يبدي سروره بموتها؛ لأنه لن يقلق بعد ذلك على انكشاف وجهها بعده؛ وهو ما يجعله ينام قرير العين، هادئ البال. وهذا السرور الذي أصابه بوفاتها ليس خاصًّا به، بل هو عام بكل غيور يرى في وفاة محارمه راحة له وطمأنينة.

ولا يقتصر الأمر على ما يتصل بالعار، والعيب، والغيرة مما يدور حول صلة المحارم بالرجل الأجنبي، بل يتجاوز إلى الشك بعقل المرأة، ومسؤوليتها، وعجزها عن إدراك حقائق الأمور، وتفضيل الصبيان عليها؛ ففي كتاب البيان والتبيين يروي الجاحظ بعض الآثار التي تؤكد هذه الحقيقة كقولهم: «لا تدع أمك ولدك تضربه، فإنه أعقل منها وإن كان طفلاً»، أو المقولة الأخرى التي فيها النهي عن مشاورة ومحادثة النساء، لتأثير ذلك على عقله.

وتنعكس هذه النظر على الواقع؛ فنجد النهي عن تعليم النساء القراءة والكتابة شائعًا، من جهة، ومن جهة أخرى نجد قلة رثاء الرجال للنساء في الأدب القديم الذي سودت النساء صفحاته في بكاء الرجال، وتخليد مآثرهم، وتعدادها، حتى إن القدماء لم يفضلوا النساء في الشعر إلا في الرثاء. وهناك سبب آخر لتفضيلهم المرأة بهذا الفن، لا يخرج عن الصورة الكلية للتحيز، بل تؤكدها، وذلك أنهن يرثين الرجال، ويذكرن مفاخرهم؛ فأشعارهن دواوين تمتلئ بصفاتهم، لا تختلف عن دواوين الفخر، أو المديح. هذا التدوين للصفات بعد الممات لا يقدر عليه كثير من الرجال الذين قال قائلهم حين سُئل: ما بال مدائحكم أجود من مراثيكم؟ فقال: لأن المدح على الرجاء، والرثاء على الوفاء، والوفاء عزيز، وجاء في شعر النساء على أكمل وجه.

فالقصائد التي كتبها الرجال في رثاء نسائهم ربما تعد على أصابع اليد في مقابل قصائد النساء، وقد قال البحتري:

ولعمري ما العجز عندي إلا

أن تبيت الرجال تبكي النساء

وإذا كان الشاعر السابق يعبّر عن ارتياحه بوفاة قريبته، فإن البحتري يذهب إلى أن يعده من النعم التي ينبغي شكر الله عليها:

ومن نعم الله لا شك فيه

بقــاء الـبـنين ومــوت البنات

لقول النبي عليه السلا

م: دفن البنات من المكرمات

ولا يقتصر الأمر على الرثاء، بل إن العزاء في النساء أمر معيب؛ فقد روي عن عبدالملك بن مروان وعمر بن عبدالعزيز، وقد مات بعض أهل بيتهما، رفضهما العزاء فيهن، وقولهما: «إنا لا نعزى بالنساء». وذكر المبرد أن الرجل لا يعزى بامرأة ماتت له إلا في أمه. وهذا يؤكد معاملة المرأة معاملة خاصة في كل شيء، قائمة على جنسها، وهو نوع من التحيز.

وهناك نوع آخر من التحيز لا يقوم على المواقف الاجتماعية، وإنما يقوم على المواقف الأدبية، ويؤثر في أحكام القيمة المصدرة على النتاج الأدبي، وكنت قد ذكرت عن الموقف العام من شعر النساء، فقلت: إن العرب لم يروا للنساء تفوقًا إلا في الرثاء، وذكرت أن سبب هذا الموقف لا يعود إلى جودة الشعر، وإنما إلى موضوعه، حيث يكون خالصًا لرثاء الرجل، والبكاء عليه، وتعداد مآثره، ومناقبه، ثم إنها تعطي الصورة المحببة للرجل التي تبدو فيها، وهي تبكي على فراقه، وانحطمت حياتها بدونه، فليس لها قدرة على العيش بدونه، وهذا يتوافق مع النظام البطريركي السائد.

هذا الموقف من شعر النساء لا يعتمد على قيم موضوعية، أو معايير فنية، بقدر ما يعتمد على جنس القائل، وهذا يبدو في المقولة المشهورة المنسوبة للنابغة حين قال للخنساء، وقد أنشدته الشعر في عكاظ، «اذهبي، فأنت أشعر بنات جنسك»، وفي رواية، «فأنت أشعر ذات ثديين»، التي تعني أن الخنساء، وشعرها إنما تقارن ببنات جنسها، وأما الشعراء الذكور فلا يمكن أن تقارن بهم.

وهو الموقف الذي تؤكده المقولة الأخرى المنسوبة إلى بشار بن برد حين يقول: «لم تقل امرأة شعرًا قط إلا تبين الضعف فيه، فقيل له أو كذلك الخنساء؟ فقال: تلك كان لها أربع حصى».

وهذا الموقف لا يتصل بالشعر نفسه بقدر ما يتصل بالموقف من الأنوثة نفسها، التي تحيل إلى الضعف والنقص في المخيال العربي. هذا الضعف وصل إلى وصف كل أنثى بالضعف، ووصف كل موصوف بالضعف بالأنثى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا)، وقال الشاعر:

إني وكل شاعر من البشر

شيطانه أنثى وشيطاني ذكر

فالشيطان الذكر مقدم على الشيطان الأنثى، وهو مدعاة للفخر.

وكما أصبحت الأنوثة قيمة يعتمد عليها في الحكم على الشعر، والنظر إليه، فإن لون البشرة أيضًا كذلك، فإذا كان لون بشرة نصيب في المقالة السابقة سببًا قادحًا في أهلية حصوله على الجائزة، فإنها في حكاية أخرى كانت قيمة يعتمد عليها في تقويم الأدب، وتحديد مكانة الشاعر الفنية، فقد روي أن نصيبًا كان في مجلس سليمان ابن عبدالملك بحضرة الفرزدق، فأنشد نصيب شعرًا في مدح الخليفة، وحين فرغ من ذلك، سأل الخليفة الفرزدق عن رأيه فيما سمع، فقال: «هو أشعر أهل جلدته»، يقصد السود، فقال: سليمان بن عبدالملك: «وأهل جلدتك أيضًا»، يريد أن اللون لم يغير قيمة شعره، فغضب الفرزدق، فقام وهو ينشد:

وخير الشعر أكرمه رجالا

وشر الشعر ما قال العبيد

فشر الشعر هنا منسوب إلى قائليه، وليس إلى قيم فنية أو موضوعية، وهذا هو التحيز.

بل إن بعض الباحثين يرى أن مفهوم الفحولة في الشعر ذو ارتدادات اجتماعية، ويعتمد على مقولة الفرزدق حين سأله ذو الرمة: «ما لي لا أعد في الفحول»، قال: «قصر بك عن ذاك بكاؤك في الدمن، ونعتك أبوال العظاء والبقر، وإيثارك وصف ناقتك، وديمومتك».

والمقصود أنه يطيل القول في موضوع غير ذي بال، وهو الوقوف على الأطلال، وكان الشعراء يكتفون منه ببعض الأبيات، ثم ينصرفون إلى موضوع القصيدة. وهي المآخذ التي قيلت بعد ذلك في نقد ذي الرمة، أنه يجيد وصف الظعائن، والصحراء، فإذا بلغ المدح أو الهجاء أكدى أي عجز.

وهنا بيت القصيد، فالفحولة ليست بناء على جمال الشعر بإطلاق، ولكنها بناء على المقدرة في موضوعات معينة، تتحدد في المقولة الأخيرة، بـ«المدح، والهجاء»، فالمدح لأن الشعر يقال في فئة اجتماعية معينة يمكن أن تمدح، وقد جاء في بعض التراجم القديمة عندما يصفون أحد السادة، يقولون: إنه كان «ممدحًا»، على سبيل الثناء على تلك الشخصية، وبيان مآثرها، فالمدح لا يكون إلا «للسيد ذي الأيادي» كما يعبر أبو تمام، فالمدح والسيادة متلازمتان، وهذا يكسب المدح قيمته.

وأما الهجاء فلأنه إذا غلب شاعرًا معينًا دل على قوة شعره، وقدرته على إفحام الخصوم والظهور عليهم، وبهذا سمي علقمة بن عبدة بالفحل، حين حكمت أم جندب له بالتقدم بالشعر، ولا يهم بعد ذلك إذا كانت قصيدة امرئ القيس كانت أجود.

ويدخل في المديح، ويتصل به الحديث عن القبيلة، فقد كانت العرب تقدم الشاعر الذي يعني بمآثرها، فيمدحها، ويعدد مناقبها، ويرثي موتها، وكذلك كان الشأن في لبيد، فيذكر أبو عمرو بن العلاء أن خداشًا بن زهير أشعر في قريحة الشعر من لبيد، وأبى الناس إلا تقدمة لبيد، ويبدو أن سبب ذلك ما ذكره ابن سلام عنه أنه كان خير شاعر لقومه؛ يمدحهم، ويرثيهم، ويعد أيامهم، ووقائعهم، وفرسانهم.

وهذا يعني أن المكانة الأدبية التي نالها لبيد، وبها تقدم على خداش استجابة للمكانة الاجتماعية، وليست قائمة على القيمة الفنية، كما في رأي أبي عمرو، وفي رأي الأصمعي الذي عد خداشًا في الفحول، وقال عن لبيد: «كان رجلاً صالحًا»، وبصياغة أخرى لأن لبيدًا احتلت مكانة عالية في قومه، فإنهم تحيزوا إليه، وقدموه على خداش مع أنه لا يتقدم في الشعر عليه.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-03-2017 - 06:43 AM ]


ولم يكن القدماء بمعزل عن الوعي بهذا التحيز الذي تتسم به المواقف الأدبية. والمقولة المشهورة المنسوبة إلى بشار بن برد تثبت ذلك؛ فقد روي أن بشارًا كان يقول عن الثالوث الأموي (الأخطل، والفرزدق، وجرير): «إن الأخطل لم يكن كصاحبيه، ولكن تعصبت له ربيعة»؛ وذلك أن الفرزدق وجريرًا كانا من مضر؛ فكانت المنزلة التي احتلها «الأخطل» في رأيه بسبب موقف ربيعة منه الذي دعتها العصبية حتى يكون لها مكان بين سادة ذلك العصر من الشعراء. وهذا يذكرنا بالمقولة المشهورة: «كذاب ربيعة خير من صادق مضر».

لكننا لا نستطيع أن نقبل قول بشار على إطلاقه، ونبعده هو أيضًا من تهمة التحيز لمضر ضد الأخطل، خاصة أننا نجد من القدماء من يفضل الأخطل على صاحبيه، ويعده أجود الثلاثة. وكان على رأس هؤلاء أبو عمرو بن العلاء الذي روى عنه الأصمعي أنه كان يقول: «لو أدرك الأخطل يومًا من أيام الجاهلية ما فضلت عليه أحدًا». ويروي أبو حاتم أنه سأله (الأصمعي) عن الأخطل فأنشد بيتًا من قصيدته:

لعمري لقد أسريت لا ليل عاجز

بساهمة الخدين طاوية القرب

يقول أبو حاتم: «فأنشد أبياتًا زهاء العشرة، ثم قال: من قال لك إن في الدنيا أحدًا قال مثلها قبله ولا بعده فلا تصدقه».

وحين نطبق معيار الفحولة السابق الذي يقوم على ربطها بغرضي الشعر (المدح، والهجاء) نجد الأخطل قد تقدم على صاحبيه - كما يقول بشار - بالمدح؛ فقصائده المدحية في عبدالملك بن مروان لم يبلغها أحد، ثم إن الأخطل قد جدد في القصيدة العربية؛ فكان بناؤها متسلسلاً، مترابطًا، على خلاف من كان قبله.

هذا أولاً. وثانيًا: إن بشارًا محسوب على مضر؛ أليس هو القائل:

إذا ما غضبنا غضبة مضرية

هتكنا حجاب الشمس أو أمطرت دما

وبشار العقيلي من بني عقيل من عامر بن صعصعة، وهو وإن كان بالولاء فإن القدماء كانوا يعدون الولاء من النسب، ويفخرون بفعل مواليهم، كما كان الموالي يفخرون بمن ينتسبون إليهم، كما كان أبو نواس يتعصب لليمانية على العدنانية، وكان دعبل يفتخر بطاهر بن الحسين، ويعده منه، وكان خزاعيًّا بالولاء، فيقول:

إني من القوم الذي سيوفهم

قتلت أخاك وشرفتك بمقعد

يقصد طاهرًا عندما قاد الجيوش، وحاصر بغداد للمأمون.

هذه العصبية المضرية في الأدب تظهر ملامحها في مواطن أخرى؛ إذ يروى أن عبدالملك بن مروان كان في مجلس أُنسه، فذكر بعض من حضر ذا الرمة، وقال: «إنه من الشعراء الكبار، وأنه لو أدرك الجاهلية لكان له شأن بين شعرائها». يقول الراوي: «فأخذت عبدالملك الحماسة والحمية لمضر، وأمر بمن يحمله إليه، ويأتي به من البادية».

فالراوي أدرك أن سبب عناية الخليفة بذي الرمة لا تعود إلى العناية بالشعر وحده، ولا تعود أيضًا إلى ذي الرمة بوصفه شاعرًا كبيرًا، وإنما لأنه ينتمي إلى مضر الذي ينتمي إليها الخليفة. وقد لا يكون ما جال في خاطر الراوي قد جال في خاطر الخليفة، ولكن ورود مثل هذا الظن في ذهن من كان في المجلس يكشف عن الذهنية المسيطرة على تلقي الأدب في ذلك الزمن، التي تقيم اعتبارات متعددة، ليست بالضرورة فنية.

على أننا نجد موقفًا آخر كان في مجلس عبدالملك بن مروان، يمكن أن يعزز ظن المتلقي السابق، بأن حمية مضر هي التي دفعت عبدالملك لموقفه ذاك؛ فيروى أنه كان في مجلسه ذات يوم فقال لجلسائه: «أي المناديل أفضل؟». فقال أحدهم: «مناديل اليمن؛ كأنها أنوار الربيع»، وقال آخر: «مناديل مصر؛ كأنها غرقيء البيض». فقال عبدالملك: «ما صنعتما شيئًا. أفضل المناديل ما قال أخو تميم (يعني علقمة بن عبدة):

ثمت قمنا إلى جرد مسومة

أعـرافـهـن لأيدينا مناديل».

وهذا المعنى في الأصل لامرئ القيس في قصيدته المشهورة:

خليلي مرا بي على أم جندب

نقـض لبنانـــات الـفـؤاد المـعــذب

حين يقول:

نمش بأطراف الجياد أكفنا

إذا نحن قمنا عن شـواء مهضب

فعدل عن بيت امرئ القيس مع أنه السابق، واتسم بالإيجاز؛ فقد أتى بالمعنى في بيت واحد إلى أبيات علقمة التي أوردت المعنى ببيتين، وكان متأخرًا. وقد قضى النقاد القدماء الحكم بالمعنى للسابق تاريخيًّا، وللسابك من حيث البناء الفني، في حين لم يأتِ علقمة ببيته بجديد يُضاف إلى ما قاله امرؤ القيس، يجعل عبد الملك يخصه بالاستشهاد، غير أنه من مضر.

ولم يكن الوعي بالتحيز مقصورًا على الموقف النقدي، بل تجاوزه إلى الموقف العلمي أيضًا. وإذا تجاوزنا الحكاية المشهورة الزنبورية التي يروى فيها أن الكسائي قد رشا الأعراب الواقفين بباب الخليفة عند مناظرة سيبويه، وكانت سببًا في وفاة سيبويه، فإن هناك مرويات أخرى تدل على الوعي بالتحيز، لا تصل الرشودة في فسادها، ولكنها تكشف عن الطرائق التي تكونت فيها الحركة العلمية، وأن المواقف العلمية كذلك لم تكن موضوعية.

ففي فهرست ابن النديم، يذكر المؤلف حكاية بداية أبي الأسود الدؤلي النحو، إذ يروي أن ذلك كان بطلب من زياد بن أبيه، وأنه اعتذر في بادئ الأمر، ثم عاد مرة أخرى، وطلب أن العمل بما كان قد رفضه، وأراد كاتبًا يعينه على ما يقول، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه، فأتي بآخر يقول المبرد: أحسبه منهم. أي من الدؤل، فكتب له. والذي يهمني من هذه الحكاية أمران:

1 - أن الكاتب الأول رفض من غير سبب، وحين منح كاتب آخر من الدؤل قبل. وقد عرف مرسل الكاتب الأول سبب الرفض، فأرسل له كاتبًا آخر منهم، فكأنه قد قضى على السبب المانع من استعمال الكاتب الأول. ولأن المرسل قبل موقف أبي الأسود، فإن هذا يعني أنه يتفق معه على وجاهة موقفه، وهو ما يعني مرة أخرى أنه يتواطؤ معه على القيم ذاتها التي تقوم من خلالها صلاحية الفرد للعمل المنوط به، ثم يكشف الوعي الجمعي للمجتمع الذي تمت فيه الحادثة.

2 - موقف راوي الحكاية، فهو يقف عند مقطع من القصة «موتيف» دال، أو هو يراه دالاً، ويستحق النقل، إذ يكشف حقيقة تكونات الأوساط العلمية، وإن كان يمثل في وعيه حالة مغايرة لما ينبغي أن يكون الواقع عليه، بدليل أنها تستحق الوقوف، والنقل، ومن ثم الكشف. هذا الملمح أو الفرق الدقيق بين المرفوض والمقبول، لم يكن ليخطر على بال أحد لو لم يكن مستقرًا في وعيه، وسببًا لمعاناة عدد كبير من الشداة، وطلاب العلم في ذلك الزمن.

هذا الملمح السريع الذي ينقله المبرد (وهو من الأزد بالمناسبة) يقدم التفسير لقضية طالما ألحت على الباحثين في تاريخ الفكر العربي القديم، لماذا كان أكثر العلماء القدماء في اللغة، والنحو والتفسير وغيره من الأعاجم، والفرس على وجه التحديد؟

كان التفسير المشتهر هو أن العرب، كانوا مشغولين بالفتوحات، وقيادة الجيوش، أو أنهم أعراب لا يقدرون على طلب العلم، والمعرفة إلا قليل منهم، ولكن هذه الحادثة التي يرويها صاحب الفهرست، وما صاحبها تعليق للمبرد، والحادثة الأخرى المشهورة التي دفعت الرشيد إلى نكبة البرامكة حين منعوا دخول الناس من العرب عليه، تعني أن هناك تحيزًا ليس في الجانب السياسي وحده، ولكن أيضًا في الجانب العلمي، بحيث إن العالم يختار تلاميذه، ومن يقربهم إليه، ويخصهم بعنايته، واهتمامه حتى يدركوا ما لديه، ويحملوا العلم من بعده، فيظل العلم يدور في فلكهم، وإذا أقبل ممن سواهم فإنهم لا ينالون شيئًا.

التعصب، والتحيز بين علماء البصرة والكوفة، أو علماء الحجاز والعراق مشتهر، وإليه أعاد بعض الباحثين من أمثال ناصر الدين الأسد ما روي عن ذم لخلف وحماد، إذ يقول: «وكان من أثر هذا الخلاف في المنهجين أن تعصب كل فريق لمدرسته، وأخذ يتهم، ويضعف علماء المدرسة الأخرى، خاصة البصريين الذين كانوا يرون أنهم أخذوا اللغة عن العرب الخلص، وأن الكوفيين أخذوها عن الأعراب الذين فسدت لغتهم، وسليقتهم، ويروي عن الرياشي أنه يقول: «إنما أخذنا اللغة عن حرشة الضباب واليرابيع، وهؤلاء أخذوا اللغة عن أهل السواد أكلة الكواميخ، والشواريز».

وهذا التفاخر أدى لأن يجمل كل واحد نفسه، ويقبح الآخر، يقول أبو حاتم: «فإذا فسرت حروف القرآن المختلف فيها، أو حكيت عن العرب شيئًا، فإنما أحكيه عن الثقات عنهم مثل أبي زيد والأصمعي.. إلى أن يقول: ولا ألتفت إلى رواية الكسائي، والأحمري، وغيرهم، وأعوذ بالله من شرهم».

وفي مقابل ذلك روي عن ابن الأعرابي أنه كان يزعم أن الأصمعي، وأبا عبيدة كان لا يحسنان كثيرًا ولا قليلًا، ويروى أنه كان يقول: إنه سمع من ألف أعرابي على خلاف ما كان يقوله الأصمعي.

هذا التعصب إلى المدرسة العلمية، أو إلى المدينة كان معروفًا، ومقبولاً إلى حد ما، لأنه كان في الغالب تعصبًا يقوم على المنهج العلمي، فهو ليس للأشخاص بوصفهم أشخاصًا، وإنما بناء على الرؤية العلمية التي تربى عليها النشء وأخذ عنها، وأصبح لا يرى الحقيقة كما تبدو في الطرف الآخر، فهو من طبيعة العلم أولاً، ولأنه يثري الحراك العلمي بوجود أكثر من رؤية ومنهج. أما التعصب كما ورد في الأحاديث الأولى، فهو تحيز لا يقوم على رؤية علمية، وإنما مرده الفروقات الشخصية وهو ما يؤذن بالخلل في بنية المؤسسة العلمية، وفسادها.

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
وفاة أستاذ الأدب العربي سيد البحراوي.. 43 عامًا بمحراب الأدب العربي الحديث شمس أخبار ومناسبات لغوية 3 06-18-2018 10:35 AM
هل الأدب الإسلامي يتصادم مع الأدب العربي؟ - د. محمد أحمد عبدالهادي رمضان للعربية أنتمي مقالات مختارة 0 12-05-2015 09:18 AM


الساعة الآن 07:39 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by