القياس الخاطئ بين اللغة والفكر والسلوك
أ.د مفرح السيد سعفان
من الثابت أن القياس يعد وسيلة منهجية لاستكشاف الحقائق واستنباط المجهول في كل فرع من فروع المعرفة الإنسانية، والقياس إذا كان صحيحًا أدى إلى استنباط نتيجة صحيحة، ولكنه إذا كان خاطئًا فإنه يؤدي إلى استنباط نتيجة خاطئة.
ومن أمثلة هذا القياس الخاطئ في لغتنا العربية المعاصرة،
في ظاهرة الجموع مثلا مايأتي:
1- جمعهم ( مدير) على ( مدراء).
فالأصل أن يجمع جمعا سالما أي ( مديرون). وذلك مثل: مقيم ومقيمون، ومعين ومعينون....
ولكن الناس توهموا أن ( مدير) على وزن ( فعيل) الذي يجمع على صيغة ( فعلاء) مثل: رحيم ورحماء، وشفيع وشفعاء، وكبير وكبراء..... أي أن الناس توهموا أن الميم في ( مدير) أصلية، فجمعوها على ( مدراء)، والصواب أن الميم فيها زائدة، وأنها على وزن ( مفعل) بضم الميم وكسر العين، لأنها اسم فاعل للفعل ( أدار - يدير )، فهي تمامًا مثل :
أقام - يقيم ، فهو مقيم، وجمعه مقيمون.
وأعان- يعين، فهو معين، وجمعه معينون.
فكذلك: أدار - يدير، فهو مدير، وجمعه مديرون.
2- جمعهم ( مكيدة) على ( مكائد) بالهمز :
فالأصل أن تجمع ( مكيدة) على ( مكايد) بالياء، لأن الياء فيها أصلية ، والميم زائدة، لأنها مشتقة من الكيد، فهي على وزن ( مفعلة) فجمعها هو ( مفاعل) أي ( مكايد)، فهي مثل ( معيشة و معايش) كما في قوله سبحانه: " وجعلنا لكم فيها معايش " .ولكن الناس توهموا أن ( مكيدة) على وزن ( فعيلة) الذي يجمع على صيغة (فعائل)، مثل: قبيلة وقبائل، وحديقة وحدائق، وشريعة وشرائع، وشعيرة وشعائر، وفريضة وفرائض ..... فجمعوها على ( مكائد) بالهمز.
3- جمعهم ( خاطئ) - وهو من تعمد الخطأ، اسم الفاعل من الفعل ( خطئ - يخطأ ) - على (خطاة) - بضم الخاء-مثلما نلاحظ في الترجمة العربية لسفر المزامير، حيث نجد أول سطر منه يقول :
" طوبى لمن لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف ".
والصواب أن يجمع ( خاطئ) جمعا سالمًا ، مثلما في قوله سبحانه: " فاستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ".
أما ( خطاة) فهي في الحقيقة جمع ( خاط) اسم الفاعل من الفعل ( خطا - يخطو)، مثل: داع ودعاة، وقاض وقضاة ، وغاز وغزاة.....ومن ثم فالفرق كبير بين معنى الخاطئين ومعنى الخطاة .
والذي أدى إلى الوقوع في هذا الخطأ هو القياس الخاطئ على معنى ( عاص وعصاة) فالمعنى متقارب إلى حد كبير بين خاطئ وعاص.
هذا ولم يسلم العرب القدماء من الوقوع في هذا التوهم أو القياس الخاطئ، فقد جمعوا ( مصيبة) على ( مصائب) ، مع أن الأصل والقياس أن تجمع على ( مصاوب) ، لأن المصيبة مشتقة من (صوب) وليست مشتقة من ( مصب)، فهي على وزن مفعلة،الذي يجمع على ( مفاعل) ، وليست على وزن فعيلة الذي يجمع على فعائل.
وعليه فإن استعمال ( مصائب) يعد شاذا في القياس. فهو يحفظ ولا يقاس عليه ؛ لأنه صدر عن أهل العربية أنفسهم. ولا يجوز أن نستعمل ( مصاوب) لأن العرب لم يستعملوه.
وهكذا نرى أن القياس الخاطئ في اللغة هو في حقيقته تعميم لحكم لغوي بطريقة خاطئة تأخذ في الاعتبار ظاهر اللفظ ولا تنظر إلي حقيقته، وما فيه من أصلي وزائد.
وكما يحدث القياس الخاطئ في اللغة فإنه يحدث أيضًا في سلوك الإنسان.
ولعل أظهر مثال تتجلى فيه هذه الظاهرة هو ما نلاحظه كثيرًا من تعميم الأحكام على الأشياء بطريقة خاطئة تؤثر في سلوكيات الناس وتصرفاتهم بطريقة سلبية . ومن ذلك على سبيل المثال مايأتي:
- إذا ما تعرضت فتاة مخطوبة لموقف سيئ من خطيبها و تم فسخ الخطبة، فتكره كل الشباب ، وترفض كل من يتقدم إليها بعد ذلك.
-إذا تعرض إنسان للسرقة أو للنصب في بلدة غير بلدته، فيقول للناس إن أهل هذه البلدة كلهم لصوص و كلهم نصابون ، ولن أذهب إليها مرة أخرى. فيعمم الحكم على كل أهل هذه البلدة.
- إذا ارتكب تلميذ أي عمل لا يليق بطالب العلم، فيقول الناس:
"آدي ياسيدي تلامذة آخر زمن". فيعممون الحكم على كل التلاميذ بالفشل .
- إذا أخطأ طبيب في إجراء عملية جراحية، فيتهم الناس كل الأطباء بأنهم مهملون .
- إذا قام شاب ملتح بارتكاب أي جريمة فيقول الناس:
"آدي ياسيدي الشيوخ اللي بيقولوا قال الله وقال الرسول".
مع أن هذا الشاب الملتحي قد لا يكون له علاقة بالدين أساسًا.
- إذا قامت فتاة منتقبة بارتكاب سرقة أو أي جريمة، فيتهم الناس كل المنقبات بأنهن فاسدات خلقًا ودينًا، وأنهن كلهن يتسترن بالنقاب، و يسترن بالدين لتحقيق أغراضهن.
ولعل الأمثال الشعبية في لهجتنا المصرية تعبر لنا بوضوح عن كثير من أمثلة التعميم الخاطئ في الحكم على الأشياء.
من ذلك مثلا :
- قول بعض النساء :
" يامآمنة الرجال يامآمنة المية في الغربال ".
فهنا تعميم خاطئ على كل الرجال بأنهم غدارون ومخادعون.
- قول بعض النساء أيضا:
" يامخلفة البنات يا شايلة الهم للممات ".
فهنا أيضا تعميم خاطئ على كل من رزق البنات، مع أن تربية الأولاد الذكور في بعض الأحيان قد تكون هي الهم الأعظم .
وعندما يكبر الوالدان فإنهما لايجدان أحن من البنات في رعايتهما.
- قولهم: " اللي يتلسع من الشوربة بينفخ في الزبادي ".
فهنا أيضًا مثال واضح للتعميم الخاطئ، ومدى تأثيره في سلوك الإنسان، ونلاحظ هذه الظاهرة بوضوح في سلوك الأطفال.
وكذلك نجد أمثلة كثيرة لهذا التعميم الخاطئ في كلام الشعراء،
ففي هذا البيت المشهور :
إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا
فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
نجد صورة للتعميم الخاطئ، في الحكم على الأبناء من سلوك الآباء ، فقد نجد الابن يقول: ( لن أعيش في جلباب أبي).
وفي تاريخ الأنبياء عليهم السلام، كان إبراهيم -عليه السلام -نبيا وكان أبوه آذر كافرًا، وكان نوح عليه السلام نبيًّا، وكان ابنه كافرًا.
وهكذا نلاحظ أن القياس الخاطئ في السلوك هو عبارة عن تعميم لحكم ما على الآخرين بطريقة خاطئة.
وبناء على جميع ماسبق يمكننا القول بأن القياس الخاطئ في اللغة والقياس الخاطئ في السلوك ما هما إلا شكلان متوازيان لظاهرة إنسانية واحدة، وهي القياس الخاطئ في الفكر أو في طريقة التفكير الإنساني.