الفصل الأول : صعوبة اللغة العربية
استهله المؤلف بالحديث عن مسلمة رئيسة مفادها صعوبة اللغة العربية. لقد وجد المؤلف أن العربية أكثر صعوبة من اللغات الهندية الأوربية الحديثة التي درسها، لكنه يجادل الذين يرون أن اللغة العربية صعبة على التعلُّم قائلا:"أما أنا فقد وجدت اللغة العربية أكثر صعوبة من اللغات الهندية الأوروبية الحديثة التي درستُ، لكنني انتهيت إلى أن الجانب البنيوي المحض ـأي نظامها اللغوي المجرد ـ لا يُسهِم في هذه الصعوبة إلا بقدر ضئيل"(ص25).
إن اللغة العربية، من حيث البنية، لغة مطردة ومصقولة بشكل غير معهود. وتسهم في ذلك عوامل عديدة منها:
- اطراد الأفعال بشكل عام، مع وجود عدد قليل من القواعد الصواتية الضرورية التي تعمل على الكلمة لتصل بها إلى شكلها المنطوق...
- أن معظم المعجميات تبنى من ثلاثة أصوات صامتة تدخل في عدد قليل من أنماط الحركات (الأوزان)
- اطراد التركيب
- لا وجود في العربية إلا للمذكر والمؤنث، فباستثناء عدد محدود من الحالات، يخضع التذكير والتأنيث لقاعدة دلالية واحدة.
- وجود ثلاث حركات للإعراب فقط... (ص27)
والمشكلة الواحدة في اللغة العربية هي مشكلة بنيوية تحديدا، وهي أنه لا يمكن التنبؤ بجمع الاسم، لوجود احتمالات نظرية كثيرة.
ويفسر المؤلف صعوبة اللغة العربية بأسباب خارج اللغة بوصفها نظاما مجردا، وهي أسباب تاريخية وأسلوبية واجتماعية توقف على أهمها بتفصيل. وبما أن الكتاب موجه بالأساس إلى القارئ الغربي، فإن المؤلف عادة ما يستدل على ما يقوله بعقد مقارنات بين الوضع في اللغة العربية، وغيرها من اللغات الأخرى. ومن أهم الخلاصات التي انتهى إليها أن الصعوبة التي تلصق بالعربية ترجع بالأساس إلى الافتراضات المسبقة التي تتخفى وراء الأفكار المعبر عنها، ولعدم وجود طرق تعليمية عامة معترف بها لتعليم العربية، فكتب المقدمات المتوفرة الآن ليست مرضية.وبالتالي يتمكن المؤلف ديفيد من تمييز مستويات الصعوبة المزعومة، والتي تقترن بالخلفيات المسبقة من جهة، وبعدم وجود أنحاء تيسيرية لتعلم اللغة العربية لكون الجهاز التعليمي ظل أسير لغة النحاة الواصفة. كما يقدم المؤلف على هذا المستوى بعض الاقتراحات الجديرة بالاهتمام.
ويحاول ديفيد جستس دحض الكثير من المقولات السلبية التي تنطلق من الزعم بأن هناك عيوبا بنيوية في اللغة العربية مما يجعلها عصية على التعلم والفهم والنمو والوفاء بالتعبير عن الأغراض العلمية المعاصرة. وهي مقولات سادت في السياق الثقافي الغربي (والعربي) لأمد طويل، من غير أن يتصدى لها أحد بالدرس العلمي المستقصي الرصين. وقد نجح المؤلف ببراعة في تفنيد تلك المقولات الاتهامية الواحدة تلو الأخرى؛ إلا أن تحليلاته لم تكن "دفاعًا" عن اللغة العربية بقدر ما كانت تجلية لأمر مهم هو أن اللغة العربية لغة بشرية طبيعية تتضمن من الظواهر ما تتضمنه اللغات الأخرى . ومن الغريب أن تسود مثل هذه المزاعم في سياق هيمنة النموذج التوليدي واللسانيات المعرفيةCognitive التي تقوم على فكرة اشتراك اللغات البشرية في عدد من الخصائص البنيوية التي تشكل جزءا من الملكة اللغوية التي يتقاسمها البشر، مما يعني أن الترويج لمزاعم من هذا القبيل يبقى مقرونا بغايات إيديولوجية أكثر منها علمية.
الفصل الثاني : إطلالة مختصرة على العربية
يتغيا المؤلف من هذا الفصل الوقوف على بعض المغالطات والأحكام المسبقة التي تلصق باللغة العربية، ومن أهم القضايا التي عرض لها في هذا الفصل :
الاشتراك اللفظي : التضاد، والبساطة، والخشونة
الصلة بين المشتقات من الجذر الواحد
ظاهرتا الانتفاخ والعنف
الإطناب
الازدواجية المعاصرة
اللبس
التلعب بالكلمات...
فقد عرض لهذه القضايا وحللها وناقشها نقاشا مستفيضا، كما وقف على آراء الغربيين في الموضوع وفندها بحجج علمية، تكشف عن تمكن كبير من ناصية اللغة.
الفصل الثالث : الترابط بين الشكل والاستعمال
يتحدث الكاتب في هذا الفصل عن ظاهرة الترابط بين الشكل الصرفي للكلمة ودلالة استعمالها، أو بتعبير آخر إمكانية التعبير عن مقولة دلالية بصورة مطردة. ويعرض رأيا لجورج مونان يقر من خلاله بأن في الفرنسية مثلا إمكانيات تعبيرية تتيح للفرنسي التمييز بين الحدث اللحظي والحدث المتقطع في الزمن كرؤية للعالم تشترك فيها الفرنسية مع لغات أخرى كلغة الهوبي. ويعترض الكاتب على رأي مونان بالقول:«يمكن للهوبية أن تعبر عن التكرار عن طريق الاشتقاق المألوف، في حين تعبر الفرنسية والإنجليزية عنه بصورة اعتباطية» أي بصيغ وضعت في الأصل لمعنى التكرار.
وعلى العموم، فإن اللغات لا تتفاوت في إمكانيات التعبير عن مختلف الدلالات معجمية كانت أو اشتقاقية، ولكن الأشكال التعبيرية البسيطة في كل لغة تبقى، بقوة الأشياء، كافية ومؤهلة للمشاركة في الاقتصاد اللغوي المنتج لما لا حصر له من الإمكانيات التعبيرية. وتعتبر صيغ فرضية ستوكس، خاصة الصيغة المفصلة والصورة الأكثر صقلا، أوجها ممكنة لهذه الإنتاجية التعبيرية.
الفصل الرابع : نحو التثنية وتثنية النحو
يهتم المؤلف منذ البداية بالخصائص التي تميز اللغة بمجملها، أو بأقصى ما يمكن من التعميم.
توجد في العربية مقولة صرفية مهذبة ومكتملة للمثنى، فهي مهذبة؛ لأنه لا يوجد إلا نهايتان فقط للمثنى، وهما "ان" في حال الرفع، و"ين" في النصب والجر. ويتقابل هذا مع التنوعات المختلفة من صيغ الجمع فيها.
ومقولة المثنى مكتملة لأنها تنطبق في أغلب الأحوال بصورة مطردة: ذلك أنه قلما توجد أسماء معينة أو أفعال محددة تنفرد بعدم قبولها للتثنية. وهذا على خلاف اللغات الأوربية التي تفتقر إلى مقولة للمثنى مع أنها كانت موجودة في الأطوار القديمة منها، كما أنها موجودة في بعض لغات الشعوب المعاصرة التي تعيش في ظل الحضارة التقنية المعاصرة.
هل مقولة المثنى في العربية، إذن شيء زائد لا قيمة له، أي أنها تنتمي إلى ذلك النوع الذي تخلص منه المتوسط اللغوي النموذجي الأوربي؟
إن الفرضية التخمينية لهذا الفصل أن المثنى في العربية ليس مجرد حقيقة شكلية، بل هو، بدلا عن ذلك، لحن إيقاعي في المعزوفة العذبة لخصيصة الثنائية التي تميز العربية. ولا يزيد حكم المولف هذا في نهاية الأمر عن أن يكون حكما حدسيا أو اختباريا.( ص 155)
يجدد الكاتب التحذير الذي ذكره في الفصل الأول من أن ما يقال عن خصائص العربية هنا لا ينطبق إلا بصورة عارضة، على اللهجات العربية كما أنه لن يعرض للغة النموذجية المعاصرة.
لقد تغيرت العربية في المستويات الدلالية والتركيبية والبلاغية بصورة طبيعية باتجاه المتوسط اللغوي النموذجي الأوربي الحديث نتيجة لانجذاب العرب إلى المجال الأوروبي، بل لقد أدى أثر اللغات الأوربية حتى في المستوى الصرفي إلى الحد من استعمال المثنى في العربية النموذجية المعاصرة، بل وصل هذا التأثير إلى الحالة النموذجية التي تتمثل في كلمة "عينين" حيث بقي (ما يشبه) المثنى حتى في اللهجات.
ويتفق المؤلف مع المنظرين الأوائل من غير أن يشاركهم في مقاصدهم المؤذية، في أن التطور الذي يتمثل في الابتعاد عن المثنى والصياغات التي تستعمله عموما تطور محكوم بعوامل اجتماعية منضبطة. (ص156)
ويبدو مفهوم "التثنية" كأنه نوع لازم من عبقرية العربية بشكل يشبه تقريبا أصالة "قاعدة الثلاثة" التي كانت تميز أسلوب النثر الأوربي في العصور الوسطى.
ويحتج المؤلف بأن مقولة المثنى تستحق أن تدرس على قدم المساواة مع بعض الإجراءات البلاغية كالتضمين والتضاد بصفتها وسيلة جمالية من وسائل اللغة، وهذا ما يعرض له بتفصيل مع مقارنة باللغات الأوربية، وبذلك يتمكن المؤلف من حدس الترابط بين مقولات تنتمي إلى مستويات تبدو للوهلة الأولى متباينة، فمقولة التثنية تصنف ضمن المقولات العرضية، أما التضاد والتضمين فهما مقولتان معجميتان وأسلوبيتان، وبما أن الهدف العام الذي ينتظم في إطاره الكتاب هو قرن الشكل بالدلالة، فإن ذلك يسوغ ربط التثنية بمقولات أخرى.
الفصل الخامس : عشوائية العلامة:
تتصل عشوائية العلامة في اللغة العربية بالطبيعة الحوسبية المجردة لنظامها الصرافي. وهي خاصية توليدية تقوم على ضم جذور صامتة إلى مواد صائتية لاشتقاق، ليس فقط، العلامات اللغوية القائمة، بل، والممكنة أيضا.
ويسهم نظام كتابة العربية، بتغييبه النسبي أو الكلي للحركات، في التأكيد على الطبيعة العشوائية للعلامة اللغوية فيها، من حيث إن القارئ يدرك في الكلمة المكتوبة جملة من الكلمات المحتملة ولا يصل إلى المقصود إلا من خلال الاستعانة بالسياق. وينفي المؤلف أن تكون للأصوات العربية دلالات تؤديها على حد زعم البعض، إلا ما يكون من ترميز صوتي كواحد من العمليات العشوائية التي تسهم غالبا في صوغ الكلمات من نحو تكرار حرف الفاء في "حفيف" أو تكرار حرف الزاي في" أزيز" من دون أن تكون للفاء دلالة الحفيف ولا للزاي دلالة الأزيز. وقد ترد حروف للدلالة على ضد ما يعتقد أنها تؤديه من معنى. وبالمقابل فإن العربية تستعمل الرمزية الصرفية في شكل صيغ مخصوصة ذات دلالات متميزة من غير أن تكون للأصوات المكونة لها صلة بتلك الدلالات، ومن ذلك، مثلا، دلالة كلمة "اخشوشن" وقد صار فيها طول صرفي على استكثار ما تدل عليه، عادة، كلمة "خشن".
ثم إن الاشتقاق القائم في العربية على اعتمال الجذور والأوزان وأحرف الزيادة الموسعة للجذور، يسمح لهذه اللغة بإنشاء حقول دلالية ارتباطية بين المشتقات مع استحداث قيم دلالية تزيد عن قيمة الأصل المشترك بينها. ويكشف هذا الفصل عن الكليات التوليدية للنظام الاشتقاقي والمعجمي العربي، وقد تمكن المؤلف من ربط ميكانزمات التوليد المعجمي باطرادات دلالية محددة.
الفصل السادس : التراكم
استعرض المؤلف في هذا الفصل قضية ضخامة المعجم العربي، ثم حاول تصفح الأثر الذي يمكن أن تتركه هذه الضخامة على الدلالة المعجمية وبنية الجمل. كما أشار إلى اختلاف الباحثين في تقديرهم لهذا الغنى، ومن هؤلاء شحنة 1969 وبيستون وهاملتون جب وهايوود ومونتيه.
ويرجع سبب الغنى المعجمي للغة العربية لبعض العوامل الاجتماعية والتاريخية ومنها الصنعة الشعرية، التي تعشق الإغراق في البحث عن الانحرافات اللغوية الجديدة واعتمادها المبالغ فيه أحيانا عن الكلمات النادرة من أجل الوفاء بمتطلبات الوزن، وقد دخلت هذه الكلمات النادرة مجال النثر منذ الصدر الأول للإسلام وتجلى حضورها في المنظومات التعليمية والكتب الفقهية التي ازدهرت في أواخر العصور الوسطى.
في الإطار نفسه يعرض المؤلف لما كتبه بلاشير في الموضوع. وتبقى العوامل التاريخية في نظر المؤلف، من أهم "المؤثرات في مفردات العربية وهو ما أدى إلى غزارة معجم تتراكم فيه المفردات الخاصة الدالة على الأماكن والأزمنة". وقد عرض المؤلف لوضع مشابه في العبرية والإنجليزية والألمانية والإسبانية.
ويخلص جستس إلى أن محاولة البحث عن علاقة اللغة بحياة متكلميها من السهل أن يوقعنا في الخطأ، وقد اعتمد المؤلف في إبراز هذه العلاقة على الافتراض الستوكي على وجه الخصوص.
الفصل السابع : دلالة التضاد
حظيت خصيصة التضاد في اللغة العربية باهتمام كبير منذ العلماء المسلمين القدماء حتى الدارسين الغربيين المعاصرين، كما اختلفت وجهات نظرهم بشأن هذه الظاهرة. لقد عرض المؤلف لوجهات النظر تلك، وقدم مجموعة من الأمثلة للظاهرة المدروسة، وخلص إلى أن هذا النوع من الكلمات لم يعد مستعملا لأسباب شرحها بتفصيل.ثم حاول بعد ذلك اطراح أكبر عدد ممكن من الأمثلة المزعومة للتضاد.
وقف عرض المؤلف أيضا لأنواع من التضاد في اللغة العربية، ومنها: التضاد المعجمي، والتركيب التضادي السطحي، والتناقض(التفكير المزدوج)، وعن بعض المقتضيات عن الشكل في المعجم, كما أدرج تحت كل صنف مجموعة من القضايا التي وقف عليها بالتحليل والمناقشة المستفيضة والعميقة.
الفصل الثامن : أسماء النوع
يناقش المؤلف في هذا الفصل صيغة "فعلة" التي تؤدي معنى الطريقة التي ينفذ بها الفعل في اللغة العربية. وقد أورد المصطلحات الإنجليزية المرادفة لهذا المصطلح استنادا إلى ترجمة رايت وهنري فليش، ثم ناقش تلك الطروحات نقاشا مستفيضا من خلال أمثلة أخذها من كتب طه حسين ومن ألف ليلة وليلة...
"ويبدو واضحا أن أسماء النوع على وزن فعلة لم تعد تستعمل بشكل مطرد أو قوي في العربية النموذجية المعاصرة". (ص 356)
وللاطلاع على غزارة أسماء النوع التي رويت في العربية تفحص ثلاثة مواضع اختارها عشوائيا من معجم إدوارد لين. كما ناقش الكيفية التي تتعامل بها الإنجليزية واللغات الغربية منها مع هذه الفصيلة الدلالية نفسها صرفيا.(ص 359)، ودحض الافتراض الستوكي في حالة أسماء النوع في العربية استنادًا إلى مجموعة من الأسباب.
الفصل التاسع : المظهر العام للتركيب
يناقش المؤلف في هذا الفصل وصف وليم رايت وريكندورف للتراكيب النحوية العربية، كما يشير إلى ما تضمنه كتاب كانترينو من الأمثلة العربية النموذجية المعاصرة.( ص ص 383ـ 390).