والواقع أنه على الرغم من أهمية تحديد الموضوع؛ فإن بعض اتجاهات البحث اللساني العربي لم تول اهتماما لهذا الجانب، وذلك ما حذا بمصطفى غلفان إلى إيلاء هذا الجانب ما يستحق من أهمية، واختبار مدى كفاية الاتجاهات اللسانية، بل وتصنيفها، اعتمادا على هذا المعيار.
أما من جهة المنهج فإنه لا ينفصل عن الموضوع، إذ إن» هناك ضرورة منطقية تجبر صنفا لسانيا على استخدام منهج مخصوص وهو يتناول بالدراسة الموضوع الذي ارتضاه«[46]. من هذا المنطلق ربط الباحث بين اتجاهات البحث اللساني العربي وبين مناهجها، فكان عمله بذلك في صميم البحث الإبستمولوجي، مادمنا نجد » عند الباحثين الإبستمولوجيين والمهتمين بمناهج العلوم، القول بأن"طبيعة الموضوع هي التي تحدد المنهج"، وإذن فالخطوة الأولى في كل بحث علمي هي تحديد الموضوع والتعرف على طبيعته«[47]
علاوة على ما ذكرنا اهتم مصطفى غلفان بالأصول الإبسمولوجية للنظريات اللسانية العربية مما مكن من ترتيبها في سياقاتها المرجعية، وفي ظل الشروط المعرفية والتاريخية التي أفرزتها. وبذلك يتجاوز التأصيل الملاحظات العارضة إلى النبش والحفر ومتاخمة الابستيمي، وهو ما يمكن من ملء الثغرات في الاتجاهات اللسانية العربية، وهذا لا يختلف في شيء عن تقاليد إبستمولوجية مترسخة في الغرب، تجد أبرز معالمها عند جوليا كريستيفا من خلال محاولتها الرامية الكشف عن مجموعة من الشروط الواقعية والذاتية والداخلية للإنتاجات النوعية للمفاهيم والنظريات العلمية[48]. ونظير ذلك نجده عند غلفان الذي اهتم بالشروط التاريخية للبحث اللساني العربي وهذا ما مكنه من التمييز بين خطاب لغوي نهضوي وخطاب لساني عربي حديث. واهتمامه كذلك بالشروط السوسيولوجية من خلال التمييز بين العوائق الذاتية والعوائق الموضوعية.
من القضايا الأساسية التي استأثرت باهتمام الباحث أيضا: المفاهيم المتداولة في اتجاهات البحث اللساني العربي، حيث لاحظ أن تلك المفاهيم تستعمل دون مراعاة لسياقاتها المرجعية؛ إذ » إن ما تعتبره القراءة اللسانية مفاهيم بسيطة مثل مفهوم العامل ومفهوم الحالة ومفهوم البنية العميقة والبنية السطحية ومفهوم التحويل وغيرها من مفاهيم التوليدية هي في العمق غير ذلك. إن المفاهيم اللسانية الحديثة ترتبط في جوهرها بمبادئ منهجية على جانب كبير من التعقيد النظري باعتبارها جزءا من شبكة من الإشكالات المتداخلة «[49].
إن الاهتمام بالمفاهيم وبطريقة تشكلها تبقى خطوة أساسية في كل ممارسة إبستمولوجية، ونستحضر في هذا الصدد بعض المحاولات الدالة في تاريخ اللسانيات، فقد اهتم بارت في كتابه"إمبراطورية العلامات" بالأصول المعرفية للمفاهيم السوسيرية: كالدليل، والاعتباطية، والنسق، والنظام.... ، ويعيد اعتمادا على ذلك، قراءة السياق المعرفي برمته للعصر الذي أنتج فيه سوسير أفكاره. كذلك فعل فوكو، وجان كلود شوفالييه الذي تتبع بناء المفاهيم النحوية خلال القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر[50]
من هذا المنطلق فإن ابستمولوجيا اللسانيات يجب أن تهتم بالكشف عن الأصول المعرفية المختلفة للمفاهيم الواصفة، إذ الملاحظ أن الكثير من تلك المفاهيم تستعمل في كثير من الأحيان بعيدا عن سياقاتها المرجعية.
تلكم بعض الجوانب من نقد مصطفى غلفان للمصادر والأسس النظرية والمنهجية في اللسانيات العربية الحديثة، وإذا كان كل بحث يقيم بمصادره باعتبارها الأصول والمبادئ المنهجية التي يرتكز عليها اتجاه لساني معين، أو التي يعتمدها باحث معين في دراسة موضوع محدد، فإن مصادر الكتاب تكشف عن اطلاع واسع ودراية عميقة بمحتوى الكتابات التي تشكل مرجعا أساسا للبحوث الإبستمولوجية المعاصرة ونمثل لذلك بـ:بوبر(Popper)[51]وألمو(Ullmo)[52]، وباشلار(Bachelard)[53]، وكانغليم[54] وفيتغنشتاين(wittegenstein)[55] وغيرهم، كما يقيم المؤلف المصادر اللسانية بالرجوع إلى ينابيعها وأصولها بإحالته على تشومسكي (Chomsky)[56] وروس (Ross) [57]وفيلمور(Fillmore)[58] وكروس (Gross)[59] وماكفلي (McCawley)[60] وباخ (E.Bach)[61] ولايكوف (Lakof)[62] في إطار النحو التوليدي و الدلالة التوليدية.
أما في إطــار اللسانيات الوظيفة فنجد إحالات على:فريـج(Frège)[63]وراسل(Russel)[64] وكارناب(Carnap)[65]وتارسكي(Tarski)[66]وشارلموريس(Ch.Morris)[67]وأوسـتين Austine)[68]وهاليداي (Halliday) [69] وديك(Dick)[70]... وغيرهم. والواضح من خلال هذه المصادر أن المؤلف استطاع أن يقدم تقييما داخليا للسانيات العربية الحديثة، يقوم على توضيح مصادرها الأساس والعناية بقضاياها ذات المردودية المنهجية، مثل طبيعة المعطيات المعتمدة في التحليل اللساني وعلاقتها بالتقعيد وتحديد الإطار النظري[71].وبكل ذلك يبقى الكتاب من المحاولات التأسيسية لابستمولوجا لسانية عربية حديثة.
إن ترسيخ وعي نقدي في اللسانيات العربية يستلزم بالضرورة الوعي بأهميته ودوره في تصحيح مسار اللسانيات في الثقافة العربية، وهذا ما نجد بعض بوادره في المحاولات السابقة، غير أن تلك المحاولات، على أهميتها، تبقى محدودة؛ بالنظر إلى مجموعة من الصعوبات، لعل أهمها:
- سلطة الرقيب: التي تؤمن بالقداسة الفكرية والمشيخة، وتقضي على كل حوار علمي جاد وبناء[72].
- المجاملة: مجاملةُ المؤلف لصداقة بينه وبين المراجِع أو تغلب عليها القسوة لسبب من الأسباب غير العلمية. وكثيرًا ما تمر الكتب دون مراجعة بسبب المقايضة: أي أن (أ) يتغاضى عن المآخذ التي توجد في الكتاب الذي ألفه (ب) لكي يتغاضى (ب) بالمثل، عما يوجد في كتاب (أ) من المآخذ[73].
- عدم القبول بالاختلاف: فكثيرا، ما تتحول اللسانيات إلى تلاسن، لحسابات بعيدة كليا عن اللسانيات. – الاعتبارات القطرية الضيقة: وهي اعتبارات تحد الثقافة العربية بحدود جغرافية ضيقة، فينجم عن ذلك بعض الحسابات التي لا يفهمها إلا أصحابها .
- عزوف اللسانيين عن متابعة ما يكتب في مجال تخصصهم، وكأنهم غير معنيين به...
إن وضعا من هذا القبيل يوجب تضافر الجهود للنهوض بمستوى اللسانيات في الثقافة العربية، وتقويمها نظريا ومنهجيا حتى لا يبقى البحث اللساني في ثقافتنا ضربا من الأهواء، وحتى لا تبقى اللسانيات العربية لسانيات صامتة بتعبير المزيني.
هوامش وإحالات:
[1] - محمد وهابي، فقه اللسانيات: أسئلة التأسيس. جريدة العلم الثقافي. السبت 5 يونيو 1999: 9.
[2] - نفسه: 9.
[3] - محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم.الجزء 1، تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة. مطبعة دار النشر المغربية: 13.
[4]- André Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, 9° éd, voir Epistémologie
(نقلا عن وقيدي: ما هي الإبستمولوجيا ؟ مكتبة المعارف الرباط. ط2. 1987: 8.)
[5] - عبد السلام بن عبد العالي وسالم يفوت: درس الإبستمولوجيا. دار توبقال للنشر. الدار البيضاء
[6] - نشير إلى أننا اعتمدنا في صياغة هذه التعريفات المراجع التالية:
- محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم.
- عبد السلام بن عبد العالي وسالم يفوت: درس الإبستمولوجيا.
- محمد وقيدي: ما هي الإبستمولوجيا؟
- منهج و تقنيات البحث العلمي: مقاربة إبستمولوجية. منشورات عالم التربية.
J.Kristeva .Les épistémologies de la linguistique. Langages,n-24,1971.
J. Piaget:- Logique et connaissance. Gallimard. Paris. 1969.
Introduction à l’épistémologie génetique.T1.Paris 1973.
R.Blanché. L’épistémologie..PUF.Paris. 1955.
[7] - P.Boutroux: L’idéal scientifique des mathématiques.PUF.Paris نقلا عن محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة:1/47
[8] - محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم:1/ 58ـ59
[9] - J.Kristeva.Les épistémologies de la linguistique.p:4.
[10] - Ibid P:4
[11] - Ibid P:4
[12] - L. Mayet:Invitation à l’épistémologie.in Hors-série.Sciences et avenir. Décembre -Janvier.2003.p:3.
[13] - L. Mayet:Invitation à l’ épistémologie.p:3
[14] - محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم:1/58
[15]- مبروك سعيد عبد الوارث: في إصلاح النحو العربي دراسة نقدية. دار القلم الكويت.1985:173
[16]- الزين عبد الفتاح: قضايا لغوية في ضوء الألسنية، الشركة العامة للكتاب. الطبعة الأولى.1987: 5.
[17] - نفسه: 11
[18] - من العبارات التي تكشف عن ذلك النعوت التي يلحقها بعض اللسانيين بكتابات بعضهم: اللسانيات السريعة، لسانيات هبل، لسانيات الاشرئباب إلى المناصب... و قد آثرنا تجنب ذكر الواصف والموصوف درءا لتفشي مثل هذه اللسانيات في ثقافتنا اللسانية، و نظرا إلى ما يمكن أن يثيره الموضوع من حساسيات نحن في غنى عنها.
[19] - سعد مصلوح: دراسات نقدية في اللسانيات العربية المعاصرة، عالم الكتب.الطبعة الأولى. 141/ 1989:275.
[20] - نفسه: 275- 276.
[21] - أحمد مختار عمر:دراسة الصوت العربي. عالم الكتب.القاهرة.1987: 102.
[22] - لمعرفة هذا الاتجاه وخصوصياته يمكن الرجوع إلى مقالنا: اللسانيات في الثقافة العربية وإشكالات التلقي (اللسانيات التمهيدية نموذجا) مجلة فكر ونقد العدد 58/2004.
[23] - الحناش محمد: البحث اللساني بين العمق و العقم " سفر التهافت". مجلة دراسات أدبية ولسانية. العدد4.صيف/ خريف 1986: 113- 142
[24] -نفسه:116
[25] - علي حرب: الماهية والعلاقة نحو منطق تحويلي. المركز الثقافي العربي. ط1. 1998: 105- 108.
[26] - علي حرب: أصنام النظرية وأطياف الحرية: (نقد بورديو و تشومسكي).المركز الثقافي العربي. ط1. 2001: 70- 94.
[27] - وقفنا في الكتاب الأول على جملة من الملاحظات المغلوطة وسنسعى إلى تخصيص دراسة مستقلة لها بحول الله.
[28] - نقف على هذا النقد في محاضرة معنونة بـ " النظريات اللغوية المعاصرة وموقفها من اللغة العربية ألقيت بالنادي الأدبي في جدة 24/ 02/1408. وهي محاضرة تتناقض كليا مع ما ذهب إليه في المحاضرة التي ألقاها في الرباط: " النحو العربي واللسانيات المعاصرة"، منشورة ضمن أعمال البحث اللساني والسيميائي منشورات كلية الآداب الرباط.1984.
[29] - المصري عبد الفتاح: التفكير اللساني في الحضارة العربية. مجلة الموقف الأدبي. العددان 135/136 تموز / آب 1982: 233.
[30] - نفسه: 266.
[31] - بخصوص هذا المفهوم ينظر كتاب .Durand ,La systematique, PUF, Paris, 1979
[32] - رياض قاسم: البحث اللغوي الحديث في العالم العربي، مؤسسة نوفل.بيروت. الطبعة الأولى.1982: 14
[33] - عبد القادر الفاسي الفهري: اللسانيات واللغة العربية، دار توبقال للنشر. الدار البيضاء. الطبعة الثالثة. 1993.
: 1/ 35.
[34] - نفسه:36.
[35] - من بين أهم الترجمات التي أصدرها المزيني يمكن أن نشير على سبيل التمثيل لا الحصر إلى ما يلي:
+ ترجمة كتابي اللساني الأمريكي نعوم تشومسكي: ******** and the problems of knowledge,1988
اللغة ومشكلات المعرفة، دار توبقال، المغرب 1990م.
+ New Horizons in the study of ******** and Mind,2000.آفاق جديدة في دراسة اللغة والذهن. المجلس الأعلى للثقافة مصر.
+ ترجمة كتاب اللساني الأمريكي ستيفن بنكر: The ******** intinct : How mind creates ********,1994 بعنوان: غريزة اللغة: كيف يبدع العقل اللغة. نشرته دار المريخ في الرياض،2000.
+ ترجمة كتاب ديفيد جستس The Semantics of from in Arabic, In The Mirror of European ********d,1987. محاسن العربية في المرآة الغربية أو دلالة الشكل في العربية في ضوء اللغات الأوروبية.
[36] - حمزة بن قبلان المزيني، مراجعات لسانية، الجزء الأول، كتاب الرياض رقم79، يونيو 2000. مقدمة الطبعة الثانية. يعتبر الكتاب من المراجعات النقدية القليلة في الثقافة العربية الجديرة بالقراءة.
[37] -.نفسه، مقدمة الطبعة الثانية
[38] - نفسه، مقدمة الطبعة الأولى
[39] - للاطلاع على بعض جوانب النقد عند العلوي ينظر، على سبيل المثال كتابه: الطبيعة والتمثال. الشركة المغربية للناشرين المتحدين. الرباط. 1988.
[40] عز الدين المجدوب، المنوال النحوي العربي، قراءة لسانية جديدة. كلية الآداب– سوسة. دار محمد علي الحامي.الطبعة الأولى. 1998 :6.
[41] - مصطفى غلفان: اللسانيات العربية الحديثة:دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية.جامعة الحسن الثاني- عين اشق كلية الآداب والعلوم الإنسانية. سلسلة رسائل وأطروحات.رقم 4: 56.
[42] - مصطفى غلفان: اللسانيات العربية الحديثة: 9.
[43] - نفسه:9( وتفاديا للتكرار نحيل بالأرقام الواردة في نهاية النصوص على صفحات الكتاب)
[44] - نفسه:57.
[45] - F.D. Saussure.Cours de linguistique generale.Payot. Paris .1960.p :20
[46] - محمد الأوراغي، الكليات والوسائط، (في جزءين) منشورات دار الأمان، الطبعة الأولى 1421هـ/2001 :41
[47] - محمد عابد الجابري، التراث ومشكل المنهج. ضمن كتاب المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية:71.
[48] - J. Kristeva, Les épistémologies de la linguistique.P.2-13
[49] - مصطفى غلفان، اللسانيات العربية الحديثة:150
[50] - J kristeva, Les épistémologies de la linguistique.P.5
[51] - نفسه:147هامش 48، ص:151 هامش 61 – 62 – 63.
[52] - نفسه: 149 هامش 54- 55، ص:151 هامش64،ص: 152هامش 65.
[53] - نفسه: 150 هامش 56، ص:152 هامش67
[54] - نفسه: 152 هامش 68، ص:164 هامش 91.
[55] - نفسه: 247 هامش 11.
[56] - نفسه: 247 هامش 11.
[57] - نفسه: 214 هامش 22.
[58] - نفسه:216 هامش 27، ص: 218 هامش 29.
[59] - نفسه: 239 هامش 67.
[60] - نفسه: 210 هامش 16.
[61] - نفسه: 210 هامش 16.
[62] - نفسه: 210 هامش 16.
[63] - نفسه: 246 هامش 8.
[64] - نفسه: 246 هامش 8.
[65] - نفسه: 246 هامش 8.
[66] - نفسه: 246 هامش 8.
[67] - نفسه: 246 هامش 9.
[68] - نفسه:246 هامش 10، ص: 247 هامش 12. ص: 248 هامش 13.
[69] - نفسه:256 هامش 24، ص: 257 هامش 25. وهامش 26.
[70] - نفسه: 259هامش 29، ص: 259 هامش 30. ص: هامش 33.
[71] - نفسه: 279.
[72] - أورد الدكتور حمزة بن قبلان المزيني في مقدمة كتابه مراجعات لسانية نصا جاء فيه: « فقد كتب الأستاذ رئيس النادي الأدبي في تقديمه للكتاب (ص7) أنه "...حينما يتبنى النادي طباعة هذا الكتاب فليس معنى ذلك أنه يقر الاتهام الموجه إلى الدكتور رمضان عبد التواب وهو علم بارز من أعلام وأساطين اللغة العربية الأكفاء. فللدكتور رمضان من علمه ومكانته المعروفة ما يشفع له في مواجهة هذه التهمة. . .". وقوله (ص8): "إن قيام النادي الأدبي بنشر هذا الكتاب ليس من باب تأييد الاتهامات بين بعض الكتاب وبعض...(مقدمة الطبعة الثانية من الكتاب)
[73] - نفسه، مقدمة الطبعة الأولى