أصول النظرية السياقية الحديثة عند علماء العربية
ودور هذه النظرية في التوصل إلى المعنى
الدكتور: محمد سالم صالح
أستاذ النحو والصرف والعروض المساعد
قسم اللغة العربية
كلية المعلمين بمحافظة جدة
تمهيد:
السياق لغة من الجذر اللغوي (س و ق)، والكلمة مصدر (ساق يسوق سوقاً وسياقاً) فالمعنى اللغوي يشير إلى دلالة الحدث، وهو التتابع(1). وذكر التهانوي: أن السياق في اللغة بمعنى (الإيراد)(2).
ويقول الدكتور تمام حسان تأكيداً لهذه المعاني اللغوية التي تدل على (التتابع أو الإيراد): " المقصود بالسياق (التوالي)، ومن ثم ينظر إليه من ناحيتين أولاهما: توالى العناصر التي يتحقق بها التركيب والسبك، والسياق من هذه الزاوية يسمى (سياق النص).
والثانية: توالى الأحداث التي صاحبت الأداء اللغوي وكانت ذات علاقة بالاتصال ومن هذه الناحية يسمى السياق (سياق الموقف) "(3).
ويعد مصطلح " السياق " في الدراسات اللغوية الحديثة من المصطلحات العصية على التحديد الدقيق وإن كان يمثل نظرية دلالية من أكثر نظريات علم الدلالة (Semantics) تماسكاً وأضبطها منهجاً(4).
أهمية السياق:
يقوم السياق في أحيان كثيرة بتحديد الدلالة المقصودة من الكلمة في جملتها ومن قديم أشار العلماء إلى أهمية السياق أو المقام وتطلّبِه مقالا مخصوصا يتلاءم معه، وقالوا عبارتهم الموجزة الدالة " لكل مقامٍ مقال ". فالسياق متضمن داخل التعبير المنطوق بطريقة ما(5) ولذلك ركز النحاة على اللغة المنطوقة، فتعرّضوا للعلاقة بين المتكلم وما أراده من معنى والمخاطب وما فهمه من الرسالة،والأحوال المحيطة بالحدث الكلامي.
كما أنّ الكلمة لا معنى لها خارج السياق الذي ترد فيه، وربما اتحد المدلول واختلف المعنى طبقا للسياق الذي قيلت فيه العبارة أو طبقا لأحوال المتكلمين والزمان والمكان الذي قيلت فيه(6).
وأشار أحد الباحثين(7)إلى أهمية السياق في التفريق بين معاني "المشترك اللفظي"، وأنّ التحديد الدقيق لدلالة هذه الألفاظ إنما يرجع إلى السياق. ولقد تعرّض سيبويه إلى هذه القضية في أوّل كتابه تحت عنوان "هذا باب اللفظ للمعاني"، فيقول "اعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين. وسترى ذلك إن شاء الله تعالى ". فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس وذهب. واختلاف اللفظين والمعنى واحد، نحو: ذهب وانطلق. واتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك: وَجَدْتُ عليه من المَوْجِدة، ووجدت إذا أردت وِجدان الضّالة.وأشباه هذا كثير "(8).
(فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين) هو المختلف، ومثّل له بجلس وذهب، (اختلاف اللفظين والمعنى واحد) هو المترادف، ومثّل له بذهب وانطلق، و(اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين) هو المشترك اللفظي، ومثّل له بوَجَدَ من الموجِدة أو من وِجدان الضّالّة. وهكذا أشار سيبويه إلى ظاهرة المختلف والمترادف والمشترك اللفظي، مما لا يدع مجالاً للشك بين اللغويين العرب حول وجود هذه الظواهر في اللغة العربية(9)، كما تدل هذه الإشارة المبكرة في أول كتاب نحوي يصلنا على مدى الاهتمام بموضوعات علم الدلالة التي دارت حولها البحوث والمناقشات.
ويستفاد من ذلك أيضا أنه إذا تعدد معنى الكلمة، تعددت بالتالي احتمالات القصد منها. وتعدد احتمالات القصد يقود إلى تعدد المعنى. ويقوم السياق ووضع الكلمة في موقعها داخل التركيب اللغوي بتحديد دلالة الكلمة تحديدا دقيقا مهما تعددت معانيها ويصرف ما يُدّعَى من التباس أو إبـهام أو غموض في الدلالة بسبب هذه الظواهر(10).
وحول تحديد السياق لدلالة هذه الظواهر، يقول (فندريس): " الذي يعيِّن قيمة الكلمة في كل الحالات التي ناقشناها إنما هو السياق، إذ أن الكلمة توجد في كل مرة تستعمل فيها في جوٍّ يحدد معناها تحديدا مؤقتا. والسياق هو الذي يفرض قيمة واحدة بعينها على الكلمة بالرغم من المعاني المتنوعة التي بوسعها أن تدلّ عليها "(11).
كما تتركز أهمية سياق الحال أو المقام في الدرس الدلالي في فوائد منها: الوقوف على المعنى، وتحديد دلالة الكلمات، وإفادة التخصيص، ودفع توهم الحصر، وردّ المفهوم الخاطئ.. وغيرها(12).
ويضاف إلى ما تقدّم أن السياق يساعد على تعيين دلالة الصيغة، فربما جاءت بعض الأبنية متحدة الوزن، ولكنها تختلف في دلالتها على المعنى المراد، والذي يحدد هذه الدلالة إنما هو سياق الكلام، فمن ذلك: أنّ أسماء الزمان والمكان تصاغ من الثلاثي على وزن (مفعَل) بفتح العين، نحو (مذهَب، ومشرَب، ومخرَج ومقتل ومكتَب) - إلا في حالتين، فإنهما يكونان فيهما على وزن (مفعِل) بكسر العين، وفى كل ما تقدم لا نستطيع التفرقة بين الزمان والمكان إلا بالسياق وهو الذي يحدد المراد ويعيّن المقصود. ومن ذلك النسب إلى ما آخره ياء مشدّدة، نحو كرسيّ، وزنجيّ، وشافعيّ، ففي هذه الحالة يتحد لفظ المنسوب وغير المنسوب، والذي يفرق بينهما إنما هو السياق(13).
وأمّا على مستوى التراكيب فلقد أشار الدكتور محمد حماسة إلى أهمية السياق في الوصول إلى (المعنى النحوي الدلالي) فقال: " ولا تكون للعلاقة النحوية ميزة في ذاتها، ولا للكلمات المختارة ميزة في ذاتها، ولا لوضع الكلمات المختارة في موضعها الصحيح ميزة في ذاتها ما لم يكن ذلك كله في سياق ملائم "(14). كما أشار إلى التفاعل بين العناصر النحوية والدلالية، فكما يمد العنصر النحوي العنصر الدلالي بالمعنى الأساسيّ في الجملة يمدّ العنصر الدلالي العنصر النحوي كذلك ببعض الجوانب التي تساعد على تحديده وتمييزه، فبين الجانبين أخذ وعطاء وتبادل تأثير مستمر. فلا يمكن بحال نكران تأثير دلالة سياق النص اللغوي وسياق الموقف الملابس له على العناصر النحوية من حيث الذكر والحذف، والتقديم والتأخير. ولا يُنكر أن دلالة السياق تجعل الجملة ذات الهيئة التركيبية الواحدة بمفرداتها نفسها إذا قيلت بنصها في واقف مختلفة، تختلف باختلاف السياق الذي ترد فيه مهما كانت بساطة هذه الجملة وسذاجتها(15).
السياق عند اللغويين المحدثين:
أما اللغويون الغربيون فتعد " نظرية السياق " هي حجر الأساس في "المدرسة اللغوية الاجتماعية " التي أسسها (فيرث) في بريطانيا، والتي وسع فيها نظريته اللغوية بمعالجة جميع الظروف اللغوية لتحديد المعنى، ومن ثم حاول إثبات صدق المقولة بأن " المعنى وظيفة السياق "(16). فقد عرفت " مدرسة لندن " بالمنهج السياقي الذي وضع تأكيدا كبيرا على الوظيفة الاجتماعية للغة(17)، فنراه ينص على أن اللغة تدرس في ضوء الظروف الاجتماعية المحيطة بها؛ لأنها مزيج من عوامل العادة والعرف والتقليد وعناصر الماضي والإبداع، وكل ذلك يشكل لغة المستقبل، وعندما تتكلم فإنك تصهر كل هذه العوامل في خلق فعلي ملفوظ، و نتاج لغتك وشخصيتك هو أسلوبك، وفى هذا الارتباط حقل واسع للبحث في الأسلوبية(18).
ولقد تعددت المناهج اللغوية الغربية المختلفة لدراسة المعنى، كالنظرية الإشارية التي قامت على يد كل من " أوجدن " و " ريتشاردز "، اللذان ظهرت أفكارهما في كتابهماThe Meaning of Meaning(19)، والنظرية التصورية أو العقلية للفيلسوف " جون لوك"، والنظرية السلوكية التي يُعدّ (بلــومفيلـــد) المسئول عن تقديمها إلى علم اللغة(20).
فقد لفت " بلومفيلد " الانتباه إلى أهمية الموقف والاستجابة التي تستدعى لدى السامع في تحديد معنى الصيغة اللغوية(21). وتناول المتكلم و السامع بالتحليل، فجعل الكلام بديلا من استجابة عضوية لمثيرٍ معين(22).
ولكن على الرغم من ذلك، لم تستطع هذه المناهج - التي ظهرت قبل مدرسة " فيرث " - أن تقدّم لنا فكرة السياق بالمفهوم الذي تحدد على يديه وأصبح نظرية دلالية متكاملة الجوانب إذ أخذ اللغويون الاجتماعيون على علم اللغة الحديث إغفاله للسياق الذي تستعمل فيه اللغة، ويتطلعون من وراء ذلك إلى منهج في درس اللغة يستشرفها من خلال بُعْد أوسع، ويحاول أن يتبين كيف تتفاعل اللغة مع محيطها(23).
ومن أجل ذلك نرى ستيفن أولمان يركز على الفرق بين اللغة والكلام، فاللغة ثابتة مستقرة والكلام عابر سريع الزوال، واللغة تفرض علينا من الخارج فى حين الكلام نشاط متعمد مقصود،كما أن اللغة اجتماعية والكلام فردي(24).
ويقول أيضا: إن " نظرية السياق "ـ إذا طبقت بحكمة - تمثل حجر الأساس فى علم المعنى. وقد قادت بالفعل إلى الحصول على مجموعة من النتائج الباهرة فى هذا الشأن. فقد قدمت لنا وسائل فنية حديثة لتحديد معاني الكلمات، فكل كلماتنا تقريبا تحتاج على الأقل إلى بعض الإيضاح المستمد من السياق الحقيقي، سواء أكان هذا السياق لفظيا أم غير لفظي. فالحقائق الإضافية المستمدة من السياق تحدد الصور الأسلوبية للكلمة، كما تعد ضرورية في تفسير المشترك اللفظي(25). بل لقد وسّع " أولمان " مفهوم السياق فقال: " إن السياق على هذا التفسير ينبغي أن يشمل - لا الكلمات والجمل الحقيقية السابقة واللاحقة فحسب - بل و القطعة كلها والكتاب كله "(26)، وهو ما يطلق عليه " سياق النص ".
كما لم تسلم نظرية " النحو التحويلي التوليدي " - التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الحالي على يد رائدها الأول (نعوم تشومسكي) - من الانتقاد بأنها لم تحفل - في بدايتها الأولى وأصولها - بالسياق، واستبعدت علاقة اللغة بالمجتمع في أعمالها، إذ قامت هذه النظرية على فكرة المتكلم - السامع المثالي، وثنائية: "الطاقة" و " الأداء "(27).
ولعل ضعف جانب المعنى عند التحويليين أنهم يدرسون اللغة " من خلال اللغة نفسها، أي بغض النظر عن الموقف أو المقام الذي تقال فيه تلك الجمل، ليس لأن المقام غير ذي أهمية في تحديد معاني الجمل، بل لأن هذا العنصر يضيف صعوبة إضافية لمنهج التحليل اللغوي المنظم،وهو عنصر تصعب دراسته بشكل علمي،ولذلك فإن دراسته تترك لفئة أخرى من علماء اللغة هم الباحثون في الجانب الاجتماعي منها،أي فيها أصبح يسمى الآن بعلم اللغة الاجتماعي "(28)
ولقد ردّ (بالمر) على كل من رفض السياق أو استبعده من اللغويين قائلا: " من السهل أن نسخر من النظريات السياقية - مثلما فعل بعض العلماء - وأن نرفضها باعتبارها غير عملية. لكن من الصعب أن نرى كيف يمكننا أن نرفضها دون إنكار الحقيقة الواضحة التي تقول بأن معنى الكلمات و الجمل يرتبط بعالم التطبيق "(29). ولقد قسّم " بالمر" السياق إلى(30): "السياق اللغوي " و " السياق غير اللغوي ".
وينقسم السياق عند علماء اللغة الغربيين وعلى رأسهم " فيرث" إلى: "السياق اللغوي "، و " سياق الموقف "، وقد أضاف إليهما أحد أتباعه وهو " جون ليونز" السياق الثقافي "(31).
وأما عناصر سياق الحال، فقد رأى " فيرث " أنها جزء من أدوات عالم اللغة، ولهذا اقترح الاعتناء بالعناصر التالية:
1-الملامح الوثيقة بالمشتركين، كالأشخاص، والخصائص الذاتية المميزة للحدث الكلامي أو غير الكلامي لهؤلاء المشتركين.
2-الأشياء ذات الصلة بالموضوع والتي تفيد في فهمه.
3-تأثيرات الحدث الكلامي(32).
أما اللغويون المحدثون العرب، فقد تولد اهتمامهم بدراسة السياق بتأثير واضح من نظرية " فيرث " السياقية؛ لأنهم تلقوا هذا العلم على يديه - بشكل مباشر أو غير مباشر - ومن أمثلة هؤلاء الدكتور تمام حسان و الدكتور كمال بشر و الدكتور محمود السعران … وغيرهم، و يظهر ذلك بجلاء في مؤلفاتهم العلمية(33).
وبناء عليه فقد شملت عناصر " السياق اللغوي " المكونة للحدث اللغوي عندهم ما يلي:
أولا: الوحدات الصوتية والصرفية والكلمات التي يتحقق بها التركيب والسبك.
ثانيا: طريقة ترتيب هذه العناصر داخل التركيب.
ثالثا: طريقة الأداء اللغوي المصاحبة للجمل أو ما يطلق عليه التطريز الصوتي، و ظواهر هذا الأداء المصاحب المتمثلة في النبر والتنغيم والفاصلة الصوتية (أو الوقف)(34).