• نَضِجَ حَتَّى اِحْتَرَقَ !!
أد. عبد الله أحمد جاد الكريم
أستاذ النحو والصرف والعروض
جامعة جازان السعودية
قد يستمع بعض الباحثين المبتدئين في علوم العربية إلى المقولة المنسوبة للإمام الأصولي الفقيه الشافعي الزركشي في كتابه (المنثور في القواعد الفقهية):" إنَّ العلوم ثلاثة: علمٌ نضج وما احترق; وهو علم النحو, وعلم الأصول، وعلم لا نضجَ ولا احترق; وهو علم البيان والتفسير، وعلم نضجَ واحترق; وهو علم الفقه والحديث"(1).
وكذلك يسمعون كما يسمع الشعراء المبتدئين قول أبي الفوارس عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم.
وقول بعضهم:الأول ما ترك للآخر شيئًا, حتى إنَّ النحو قد نضج حتى احترق(2)، وغير ذلك من مثل هذه الأقوال التي قد تُصيب بعضهم باليأس والإحباط والانصراف عن مواصلة البحث والدراسة في بعض العلوم اللغوية العربية؛ كالنحو والصرف والأدب ..الخ.
بيد أنَّ هناك مَنْ يُنكر ذلك ويزيل لبسه وتضليله، حيث ينسب للجاحظ قوله:" إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للآخر شيئًا فاعلم أنه ما يريد أن يفلح"(3). ونقل عنه القزويني أيضًا قوله:"وكَلامٌ كَثِيرٌ جَرَى عَلَى أَلْسنَةِ النَّاسِ ولَهُ مَضَرَّةٌ شَدِيْدِةٌ، وثَمَرَةٌ مُرَّةٌ، فَمِنْ أَضَرِّ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ:"لَمْ يَدَعْ اَلأَوَّلُ لِلآَخِرَ شَيْئًا". فَلَو أَنَّ عُلَمَاءَ كُلِّ عَصْرٍ مُذْ جَرَتْ هَذِهِ اَلْكَلِمَةُ فِي أَسْمَاعِهِمْ تَرَكُوا الاسْتِنْبَاطَ لَمَّا لَمْ يَنْتَهِ إِلِيْهِمْ عَمَّنْ قَبْلَهُمْ، لَرَأَيْتَ اَلْعِلْمَ مُخْتَلًّا"(4).
ويقول بعض العلماء: وليس في علوم القرآن الكريم علم نضج حتّى احترق كما يتصايح به جمع، فينصرف طلبة العلم يائسين،إنَّ حدائق العلم رحيبة الأرجاء كريمة العطاء(5).
ويفسر بعض العلماء عبارة (علم نضج حتى احترق) أعلاها خدمة الحديث والفقه. وعبارة (علم نضج ولم يحترق) أوسطها خدمة النحو والأصول. وعبارة (علم لا نضج ولا احترق) أقلها حظا من خدمة العلماء البيان والتفسير.
إذن على الباحث الجاد أن يلتزم طريق العلم والبحث، ولا يلتفت كثيرًا لعبارات تحاول احتكار العلوم لحساب عصر دون غيره أو عالم أو مدرسة دون غيرها.
قال الثعلبي: سيبقى لكلّ مؤلّف كتابا في فن قد سيق إليه أن لا يعدم كتابة بعض الخلال التي أنا ذاكرها: إمّا استنباط شيء إن كان مُقفلًا، أو جمعه إنْ كان مُتفرّقًا، أو شرحه إن كان غامضًا، أو حسن نظم تأليفه، أو إسقاط شيء وتطويل"(6).
ويقول ابن حزم الأندلسي عن أنواع التأليف:"الأنواع التي ذكرنا سبعة لا ثامن لها: وهي إمَّا شيء لم نسبق إلى استخراجه فنستخرجه؛ وإما شيء ناقص فنتممه، وإما شيء مخطأ فنصححه، وإما شيء مستغلق فنشرحه، وإما شيء طويل فنختصره، دون ان نحذف منه شيئا يخل حذفه إياه بغرضه وإما شيء متفرق فنجمعه، وإما شيء منثور فنرتبه. ثم المؤلفون يتفاضلون فيما عانوه من تواليفهم مما ذكرنا على قدر استيعابهم ما قصدوا أو يقصر بعضهم عن بعض، ولكل قسط من الإحسان والفضل والشكر والأجر، وان لم يتكلم الا في مسألة واحدة إذا لم يخرج عن الأنواع التي ذكرنا في أي علم ألف. وأما مَنْ أخذ تأليف غيره فأعاده على وجهه وقدم وأخر، دون تحسين رتبه، أو بدل ألفاظه دون أن يأتي بأبسط منها وأبين، أو حذف ممَّا يحتاج إليه، أو أتى بما لا يحتاج إليه، أو نقض صوابًا بخطأ، وأتى بما لا فائدة فيه، فإنَّما هذه أفعال أهل الجهل والغفلة، وأهل القحة والسخف فنعوذ بالله من ذلك(7).
وكان الشيخ صدر الدين بن المرحل يقول ينبغي للإنسان أن يكون في الفقه قيمًا وفي الأصول راجحًا وفي بقية العلوم مُشاركًا، وقال صاحب الأحوذي ولا ينبغي لحصيف أن يتصدى إلى تصنيف أن يعدل عن غرضين، إمَّا أن يخترع معنى، وإمَّا أن يبتدع وضعًا ومبنى، وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد الورق والتحلي بحلية السرق.
وما لا شك فيه ولا جدال حوله أنَّ شباب الباحثين خاصة في بعض علوم العربية وطلاب الدراسات العليا يجدون صعوبة بالغة في اختيار موضوع للدراسة والبحث؛ بداية من صياغة عنوان البحث وانتهاء بنتائج البحث، ولذلك فهم بحاجة ماسة لأساتذتهم المخلصين وشيوخهم العاملين، وفيما يأتي بعض النصائح والخواطر فيما يخص أبا العلوم العربية وعمادها وهو علم النحو العربي.
أولاً: يجب على الباحث أن يلزم أستاذه وشيخه خاصة في بداية طريق البحث، ويكثر من القراءة والاطلاع، ومراجعة شيخه ومناقشته، والالتزام بتوجيهاته ونصائحه، والاستفادة قدر المستطاع من علمه وخبراته، وأن يكن واضحًا صريحًا في التعبير عن ميوله العلمية داخل تخصصه؛ حتى يتمكن شيخه من النجاح والتوفيق في إرشاده وتوجيهه؛ توفيرًا للوقت والجهد، وتجويدًا للبحث والنتائج.
فبعض الباحثين يفضلون دراسة التراث النحوي واللغوي، وبعضهم يفضل اللسانيات الحديثة، وبعضهم يميل إلى المزج بين الأصالة والمعاصرة، وبعضهم ينحاز للحداثة على حساب التراث، وبعضهم يجاهد من أجل دراسة التراث مستعينًا بمنجزات اللسانيات الحديثة، وبعضهم يحاول البحث في إطار مغلق حول علم النحو ومسائله التقليدية، ومنهم من يفضل الدراسات البينية... إلخ.
قال أبو عليّ الثّقفي:"لو أنّ رجلاً جمع العلوم كلّها وصحب طوائف النّاس، لا يبلغ مبلغ الرّجال إلاّ بالرّياضة من شيخ أو إمام أو مؤدّب ناصح، ومَنْ لم يأخذ أدبه مِنْ آمر له وناهٍ، يريه عيوب أعماله ورعونات نفسه لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات"(8).
وسنواصل فيما بعد توجيه بعض النصائح، سائلين الله تعالى أن ينفع بها من يشاء، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل، وهو الموفق والمستعان، وإليه المرجع وإليه المصير.
ـــــــــــــــــــــــ
• الحواشي:
(1) المنثور، للزركشي1/72.
(2) ينظر: اللغة العربية مبناها ومعناها، تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، 2006م، ص7.
(3) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة، للقزويني 1/64.
(4) ينظر: القزويني، محمد بن عبد الرحمن، الإيضاح في علوم البلاغة، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي، دار الجيل، بيروت،، ط3،(1/6)، والصعيدي، عبد المتعال، بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح، مكتبة الآداب، القاهرة، 2005م،(1/39).
(5) العزف على أنوار الفكر، د.محمود توفيق، ص126.
(6) تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن للثعلبي (1/ 75).
(7) التقريب لحد المنطق والمدخل إليه، لابن حزم الأندلسي،تحقيق: إحسان عباس، دار مكتبة الحياة، بيروت، (ص: 10- 11).
(8) طبقات الشافعية الكبرى 3/194.