كما نجد الدكتور فهمي خشيم من الذين قدموا دراسة وافية لرد ما يعتقد أنه من الألفاظ الأعجمية في القرآن – وفي غير القرآن - إلى أصول عربية تنفي عنها العجمة، وقد استهل حديثه في ذلك بما يعتقد أنه أساس الخلاف بين القدماء وهو صرفهم معنى ( عربي ) في الآيات التي جاءت في وصف القرآن الكريم بأنه كذلك، كمثل الذي جاء في [ يوسف 02 – الرعد 37 – طه 113 ... وغيرها ]، فقد صرفها القدماء على أنها نسبة إلى أمة العرب ولغتهم بتحديد قومي ولغوي معيّن وربما عرقي ! ، ثم يذكر أن هذه الدلالة وإن كانت تجيز مقابلتها بدلالة ( أعجمي ) فإنه ليس ثمة ما يمنع من فهم ( عربي ) بمعنى : الواضح الجلي غير الغامض، مؤيدا ذلك بدلالة الجذر ( ع ر ب ) على البداء والظهور، وبورود الصفة ( مبين ) (28).وهذا يمكن أن يُرد بما قرره هو نفسه في موضع آخر حين ذكر – في حديثه عن لفظ (مرجان)- أنه لا يمكن في الأسلوب القرآني المحكم أن يكرر الوصف (29)، لأن دلالة الواضح والجلي وغير الغامض تشير إلى كونه مبينا .
ولعل أخطر ما يمكن أن نقف عليه عنده نسبته – بعمد أو بغير عمد – القول في كلام الله بغير علم لابن عباس رضي الله عنه، وإلا فما معنى قوله : “ ومثال عمر بن الخطاب الذي لم يكن يعرف معنى كلمة (أبّ) في : (فاكهة وأبّا) قد ينطبق على عبد الله بن عباس الذي رأيناه أول من قال بسريانية أو حورانية بعض ألفاظ القرآن الكريم، وتبعه آخرون “(30)، فهل يجوز على ابن عباس أن يقول برأي لم يتثبت من صحته في بعض كلمات القرآن ؟ ! وهل جهله بها يخول له أن يدعي أنها سريانية أو حبشية .. أو غير ذلك من لغات العجم؟ !، وهو ما يُفهَم من قوله بعد ذلك مباشرة : “ فالأمر إذًا هنا لا يعود إلى عدم عروبة هذه الألفاظ، ولكنه يعود إلى أن من قالوا بذلك لا يعرفونها “ (31)، معلقا على ذلك في الهامش بأن هذا – أي هذا الرأي الذي ذهب إليه – هو الذي يقبله العقل والمنطق؛ لأنه من المستحيل أن يحيط المرء بألفاظ اللغة كافة، خصوصا إذا كانت متعددة اللهجات (32) . وصحيح أنه لا يمكن أن يحيط المرء بألفاظ اللغة كلها، ولكن ليس صحيحا ولا مما يقبله العقل والمنطق أن ابن عباس وغيره من علماء الأمة المشهود لهم بالرسوخ في العلم وبالورع مع كلام الله أن يقولوا فيه بغير علم كأن يحكموا على لفظة ما بأنها سريانية لأنهم لم يعرفوها !
________________________________________
القول بعجمة لفظ من ألفاظ العربية عند الأقدمين لم يكن مبنيا على البحث والدرس والعلم بلغات غير عربية، وإنما كان مبنيا على الظن والتوهم
________________________________________
ولكننا رغم ذلك نجده يشير إلى بعض الحقائق الهامة حول دراسات القدماء لمثل هذه الظاهرة – ظاهرة ورود الكلمات غير العربية في القرآن الكريم وفي لسان العرب – وإن لم يوفق في بعضها، إذ نجده مثلا – وهو محقّ نوعا ما في ذلك – يرى أن القول بعجمة لفظ من ألفاظ العربية عند الأقدمين لم يكن مبنيا على البحث والدرس والعلم بلغات غير عربية، وإنما كان مبنيا على الظن والتوهم (33)، ولعله يعني بذلك اضطراب أقوالهم في نسبة نفس الألفاظ إلى لغات مختلفة – وهو أمر واقع – فينسبها بعضهم إلى السريانية وبعضهم إلى الرومية وآخرون إلى الفارسية .. وهكذا، غير أني أرى في ذلك دليلا على رجوع هذه الألفاظ إلى القدر المشترك من الثروة اللغوية بين هذه اللغات، وهذا نفس ما يدعو إليه الباحث في كتابه، فكان الأولى أن يأخذ اضطرابهم ذاك دليلا على وجود هذا اللفظ أو ذاك في جميع تلك اللغات لا أن يعود باللائمة عليهم .
ثم يقرر بعد ذلك – وهو غير مصيب تماما – أن كل كلمة عندهم لم يشتهر فيها استعمال جاهلي دخيلة(34)، فكثيرا ما نجدهم بعد الحكم على لفظة بأنها غير عربية يستشهدون ببيت من الشعر أو عدة أبيات على استخدام العرب لها في كلامهم، مثال ذلك أننا نجد الجواليقي يقول في بداية كتابه : “ هذا كتاب نذكر فيه ما تكلمت به العرب من الكلام الأعجمي، ونطق به القرآن المجيد، وورد في أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين رضوان اله عليهم أجمعين، وذكرته العرب في أشعارها وأخبارها . ليعرف الدخيل من الصريح “(35) . كما نجده يذكر أن العرب قد تغير بعض حروف الكلمة الأعجمية إذا استعملتها في مخاطباتها، مستدلا بقول سالم بن قحفان :”ما شربت بعد طوي القربق من شربة غير النجاء الأدفق”
والشاهد فيه قوله ( القربق ) وهي في الأصل تنطق بصوت بين الجيم والقاف، وقد تجعل ( كربج) أو (كربك) (36)، كما استشهد بقول الأعشى : “عليه ديابوذ تسربل تحته أرندج إسكاف يخالط عظلما”
في حديثه عن كلمة ( أرندج ) التي ذكر أن أصلها الفارسي ( رنده ) (37)، واستشهد بثلاثة أبيات لثلاثة من الشعراء الجاهليين في حديثه عن لفظ ( الآجر ) الذي يرى فيه أنه فارسي معرب (38)، وهناك أمثلة غير هذا كثيرة لا مجال لسردها واحدا واحدا . فهل يعقل بعد هذا أن يقال إن القدماء إذا لم يجدوا للفظ استعمالا جاهليا نسبوه إلى العجمة ؟ ! وهل لا يتعارض هذا مع قول الباحث في موضع آخر : “ ... نضرب لهذا مثلا كلمة (دشت) في الفارسية بمعنى الصحراء؛ إذ لا يجادل أحد في فارسيتها، وهي وردت في الشعر الجاهلي“(39) .
ويستدرك، بعد سرده عدة ألفاظ أرجعها إلى أصولها العروبية – وهو ما يسمى باللغات السامية التي يرى كما يرى أغلب الباحثين المحدثين أن اللغة العربية هي أمها جميعا ! - القول بأن هدف بعض من زعموا وقوع الدخيل والمعرب في اللغة العربية هو النيل من العربية واتهامها بالنقص وحاجتها إلى الاستعارة من اللغات الأخرى الأرقى منها – في تصورهم – والأغنى والأكثر تقدما فيما يتوهمون، وأنه في رده على مثل هؤلاء يبادر إلى القول إنه ليس من القائلين بأن كل لفظ مستعمل في العربية خالص العروبة، ولا ينفي الاستعارة بإطلاق من لغات أخرى،لأن ذلك في رأيه أمر طبيعي،غير أن الإمعان في زعم الدخيل وكثرة المستعار أمر غير صحيح (40). وهو ما لن يقف عليه الناظر في مواد كتابه، ولا في المنهج الذي ارتضاه لنفسه، وربما يفسر كلامه ( بأن هدف بعض من زعموا وقوع الدخيل والمعرب في اللغة العربية هو النيل من العربية واتهامها بالنقص وحاجتها إلى الاستعارة من اللغات الأخرى الأرقى منها – في تصورهم – والأغنى والأكثر تقدما فيما يتوهمون ) على أن عمله في هذا الكتاب كان بحكم حبه الشديد للغة العربية ومنافحته عنها، هذه اللغة التي ليس من العيب أبدا أن تأخذ من غيرها كما مر معنا وكما هو واقع اليوم بين جميع اللغات ومن بينها العربية.
هذا نزر يسير عما دار بين الباحثين المحدثين حول ورود ألفاظ أعجمية في لسان العرب وفي القرآن الكريم، وهي كما ترى تحتاج إلى كثير من النظر والتبصر قبل الأخذ الكلي بما جاء في بعضها دون بعض. (يتبع)...
________________________________________
• الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية وآدابها ، جامعة الأغواط / الجزائر
الهوامش:
1) الجواليقي، المعرب من الكلام الأعجمي.ت: خليل عمران المنصور. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. ط1. 1998.ص 6 .
2) الزركشي،البرهان في علوم القرآن.ت: محمد أبو الفضل إبراهيم.المكتبة العصرية، صيدا،بيروت. دون ط .1/288-289.
3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن. دار إحياء التراث،بيروت، لبنان. 1985. 1/68-69 . والبرهان في علوم القرآن1/289.
4) نفس المصدر 1/68
5) البرهان 1/287
6) الجامع لأحكام القرآن 1/68
7) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم . دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان . ط2. 2001. 1/11. 8) الجامع لأحكام القرآن 1/69
9) انظر: د. حلمي خليل، المولد في العربية – دراسة في نمو اللغة العربية وتطورها بعد الإسلام -. دار النهضة العربية . بيروت . 1985. ص 118
10) البرهان 1/287-288
11) الجواليقي، المعرب . ت: خليل عمران المنصور. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. ط1. 1989. ص6 .
12) ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها. ت: د. عمر فاروق الطباع . مكتبة المعارف، بيروت. ط1. 1993. ص 62
13) نفس المصدر ص63
14) المعرب ص 6
15) انظر: د. علي فهمي خشيم، هل في القرآن أعجمي؟ - نظرة جديدة إلى موضوع قديم -. دار الشرق الأوسط،بيررت، لبنان . ط1. 1997. ص 8 وما بعدها .
16) المولد في العربية ص109 وما بعدها
17) نفس المرجع ص111-112
18) نفس المرجع ص 115. إذا كان نفيه منصبا على الدقة، فقد يكون حكمه هنا صحيحا، أما إذا كان منصبا على معرفة القدماء بفكرة العائلات اللغوية فحكمه غير صحيح، لأننا نجد في كلامهم إشارات واضحة لمعرفتهم بها، كقول ابن حزم: " الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرانية والعربية هي لغة مضر وربيعة - لا لغة حمير- لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها، فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلس، وهكذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلا لا يخفى على من تأمله ... فمن تدبر العربية والعبرانية السريانية أيقن أن اختلافهما إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة في الأصل ) (الإحكام في أصول الأحكام . ت: أحمد محمد شاكر. منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت. ط2. 1983. 1 /31-32 ) .
19) نفس المرجع ص121
20) نفس المرجع ص122
21) نفس المرجع ص128
22) نفس المرجع ص129
23) نفس المرجع ص128-129
24) نفس المرجع ص129-130
25) نفس المرجع ص140
26) مقدمة تحقيق المعرب للجواليقي،مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة . 1361 هـ. ص13-14.
27) ابن جني، الخصائص . ت: محمد علي النجار. المكتبة العلمية . دون ط . 2/134 .
28) هل في القرآن أعجمي؟ ص 6 وما بعدها .
29) نفس المرجع ص103 .
30) نفس المرجع ص18 .
31) نفس المرجع ص18 .
32) هامش رقم 3 ص 18-19 .
33) نفس المرجع ص 20 .
34) نفس المرجع ص20
35) المعرب ص5 .
36) نفس المصدر ص7 .
37) نفس المصدر ص14 .
38) نفس المصدر ص17 . 39) هل في القرآن أعجمي؟ ص 118
40) نفس المرجع ص117
ونستطيع أن نقارن هذا بما هو معروف عند المناطقة بـ ( منطق الجهة )، أي أن الإنسان أو الباحث إذا نظر إلى شيء واحد من جهتين – أو زاويتي نظر – مختلفتين فسيؤدي به ذلك حتما إلى اختلاف وجهة نظره وتصوره لذلك الشيء باختلاف الجهتين، وقد يكون بين الوجهتين أو التصورين تناقض واضح لا يستطيع في ضوئه الجمع بينهما لما في ذلك من خرق لقانون : ( المتناقضان لا يجتمعان على شيء واحد باعتبار واحد ) . ونستطيع التمثيل لذلك بوضع شخصين أمام زجاجة ممتلئة النصف ( أو إن شئت فارغة النصف )، فيصفها أحدهما بأنها زجاجة ممتلئة النصف، ويصفها الآخر بأنها فارغة النصف؛ فهل يجوز والحالة هذه أن نحكم على أحدهما بأنه مصيب وعلى الآخر بأنه مخطئ ؟ ! أم يجب علينا أن نراعي الجهة التي نظر من خلالها كل منهما وأن نحكم عليهما معا بالصواب.
أعتقد أن مسألة المنهج كما تشير إلى ذلك الدراسات اللسانية المعاصرة مسألة مهمة جدا في هذا الصدد، وعلى الباحث اللغوي قبل أن يخوض في درسه للظواهر اللغوية العامة، أو في تعقيبه على بعض الدراسات السابقة له، أن يضع لنفسه منهجا واضحا دقيقا وأن يراعي ذلك حتى عند غيره ممن سبقه من العلماء والدارسين الذين يريد التعقيب على أعمالهم أو وصفها وصفا صحيحا على الأقل . وما أغلب الانتقادات التي توجه إلى الدرس اللغوي في جميع مستوياته عند القدماء والمحدثين من المجددين إلا من هذا القبيل، أي أنها تتعلق في جانب كبير منها بمسألة المنهج .
________________________________________
تفريق بعضهم بين نظرة المؤيدين لوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم ونظرة المنكرين لذلك، وهو تفريق دقيق يستمد شرعيته من الفرق المنهجي بين التاريخية والوصفية ، أو ما قد يسمى بالمحور التاريخي (Diachronie ) والمحور التعاصري ( Synchronie ).
________________________________________
ولا أريد أن يصل القارئ هنا إلى نتيجة أنفيها نفيا قاطعا، وهي أن ما وصلت إليه الدراسات الحديثة والمعاصرة في مجال المنهج كان، في عمومه، غائبا عن فكر علماء العربية قديما، بل لقد كانت لهم ملاحظات دقيقة في هذا المجال، ولكنها تعتبر إرهاصات لم تجد من يرعاها بعدهم .
ولعل خير دليل على ذلك فيما نحن بصدده تفريق بعضهم بين نظرة المؤيدين لوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم ونظرة المنكرين لذلك، وهو تفريق دقيق يستمد شرعيته من الفرق المنهجي بين التاريخية والوصفية ، أو ما قد يسمى بالمحور التاريخي (Diachronie ) والمحور التعاصري ( Synchronie )* ، حيث تبدأ الدراسة التاريخية بدراسة ظاهرة من الظواهر اللغوية في عصر تاريخي مبكر ثم تنزل بها إلى عصور أحدث، وهي بذلك توصف بأنها عمودية؛ فهي تعتبر تعاقب الأزمنة والعصور عنصرا مهما من عناصر تطور اللغة وتغيرها . في حين تعالج الدراسة التعاصرية ظاهرة من الظواهر اللغوية إلى جانب الظواهر المرتبطة بها في العصر نفسه ( أي آنيا، ولذا يطلق عليها بعضهم صفة أو مصطلح الدراسة الآنية )، وهي بذلك توصف بكونها أفقية؛ إذ تتوجه إلى الأحداث اللغوية آنيا ( أي في فترة معينة ) وتعالجها على أساس واقع حالي ينعكس فيه جوهر اللغة وشكلها وطبيعتها (41).
_______________________________________
انتقد اللغوي الشهير سوسير الدراسات المقارنة التي كانت سائدة وقتئذ في خلطها – في نهجها التحليلي – بين البعد التاريخي وبين التنظيم اللغوي، ذلك أن اللغة برأيه هي في كل لحظة واقع قائم بذاته من جهة، وتطور تاريخي من جهة أخرى.