اللِّسانيات العربية:
لقد عرف العربُ اللِّسانيات عبر مؤلَّفاتِهم في:
اللغة المكتوبة: النُّحاة أمثالُ الخليل بن أحمد وسِيبَوَيْهِ وابن سينا، وما قالَه "ابن جني": إنَّ العربيَّ قد أبدع كلماتِه: "سوقًا للحروفِ على سَمْتِ المعنى المقصودِ والغرضِ المرادِ"، بمعنى أنه: "كان يضعُ الحرفَ الأوَّلَ بما يضاهي بدايةَ الحديث، والحرفَ الوسَط بما يضاهي وسَطه، والأخيرَ بما يضاهي نهايتَه"، فكان العربيُّ بذلك يصوِّرُ الأحداثَ والأشياء والحالاتِ بأصواتِ حروفِه[8].
وقد انتبهَ نجيب محفوظ في بداية كتابتِه السَّردية إلى أنَّ اللغةَ مقوِّمٌ فنيٌّ أساسيٌّ من مقوِّماتِ الخِطاب الرِّوائي، وأنَّ الرِّواية إبداعٌ تخييليٌّ يتوسل باللغةِ؛ ولأنَّ خبرةَ محفوظ بالنَّثرية العربيةِ التي تمكِّنُه من أنساقِها اللِّسانيةِ كانت عميقةً، فقد أتاحت له هذه الخبرةُ القدرةَ على الاشتغالِ باللُّغةِ بمستوياتِها المتعدِّدةِ، فكانت هذه الخاصيَّةُ الأسلوبيةُ عند محفوظ السِّمةَ الفنيةَ التي لازمت التطوُّرَ السرديَّ عنده[9].
• اللغة الشَّفوية "السَّمعية": علماء التجويدِ، أمثال: الشاطبيِّ، وعلماء الموسيقا، أمثال: الموصلي.
وقد عرف السَّرد الحديث هذه الطَّريقةَ في الأداءِ اللُّغويِّ عبر كتاباتٍ سرديَّةٍ، مثَّلت السَّردَ الشفويَّ التراثيَّ في أعمالِها الإبداعيَّةِ، نذكرُ منها الأعمالَ القصصيَّةَ ليحيى الطاهر عبدالله، وزكريا تامر، وطاهر لاشين، يقول الدكتور محمد عبيد (في قصص يحيى الطاهر) (حكايات للأمير) تُبدِعُ طريقتُها الخاصة عبر الاتِّكاءِ العميقِ على تِقنيَّاتِ السردِ الشَّفويِّ وأساليبِ الحكايةِ الشَّعبيةِ الشَّفويةِ، وهي تعيدُنا إلى نمطٍ بارزٍ من أنماط السَّردِ العربيِّ، يتمثَّلُ في أنه نشأ شفويًّا واكتسب معظمَ خصائصِه المبكِّرةِ)[10].
• تراكيب اللُّغة العربية: أمثال: الخليل بن أحمد وسِيبَوَيْهِ والكسائي، ولقد أشار "شكري عياد" إلى أنَّ الكاتبَ لن يكون أصيلاً - أي: ذاتيًّا في تعبيرِه - إذا لَم يعرفْ مداخلَ هذه اللغةِ ومخارجَها، ولطائفَها، ودقائقَها، ولن يستطيعَ تحقيقَ ذلك إلا إذا كان له حظٌّ من كِتاب العربيَّةِ الأوَّلِ "القرآن الكريم"، وحظٌّ من نصوصِ جهابذتِها الأوائلِ حفظًا ومعاشرةً، فما كان لغةً أشتاتًا يوحِّدُه القرآنُ الكريم في معجمٍ تركيبيٍّ مبدعٍ؛ لأنَّ اللغةَ مفرداتٌ أوجدها القرآنُ تراكيبَ خالدةً، وأنَّ لهذه اللغةِ معاجمَ كثيرةً تجمعُ مفرداتِها وأبنيتَها، ولكن ليس لها معجمٌ تركيبيٌّ غير القرآنِ، وإنما سمَّيْناه "معجمًا تركيبيًّا"؛ لأنَّه أصلُ فنونِ البلاغةِ كلِّها[11].
• دلالات اللغة ومعانيها: معاني اللغةِ وعلوم فقهِ اللُّغةِ العربيةِ ودلالاتها في إطار البلاغةِ، أمثال: الجُرجاني والقزويني، فيُعَدُّ شرحُ وتفسير النُّصوصِ الأدبيَّةِ وفهمُ مفرداتِها، يندرج تحت مصطلحِ فقهِ اللُّغةِ باعتبارِها - اللغة - وسيلةً تصبو إلى غايةٍ، بما تشتملُ عليه إجمالاً من آدابٍ مختلفةٍ، وهو يدرس الأدبَ من خلال هذه المقارنةِ، وبالعودةِ لكتاب "فقه اللغة وأسرار العربية" للثعالبي، لفهمِ المفرداتِ والفروقِ الدَّقيقةِ في دَلالاتِها وإيحاءاتِها في كتابه الممتعِ "فقه اللغة وأسرار العربية"، يقولُ في "تقسيم خروج الماء وسيلانه من أماكنه" من السحابِ سحَّ - من الينبوع نبع - من الحجرِ انبجس - من النهر فاض - من السقف وكف - من القِربة سرب - من الإناء رشح - من العين انسكب - من المذاكير نطف - من الجرح ثع[12].
إنَّ تعدُّد التأويلِ بتعدُّدِ المعاني يقودنا إلى سبلِ تأويلٍ دلاليةٍ متنوِّعةٍ، تمتاز بها أغلبُ النُّصوصِ العربية، قديمًا وحديثًا.
• ارتباط اللُّغة بالإنسان والمجتمع: تظهر عند الجاحظِ في مؤلَّفاتِه، خاصة "البيان والتبيين" و"الحيوان"، وبعض الشُّعراءِ أمثال: أبي العلاء المعرِّي في "رسالة الغفران"، وقد تمثَّل هذا البعدُ في رواية "عرس الزين" للرِّوائيِّ السُّوداني الطيِّب صالح[13]، الذي استطاع أن يطرَح عالَم القريةِ في جزئيَّاتِه وتفاصيلها الثريَّة، يتداخل فيها "الواقعيُّ" واقعُ القريةِ السُّودانية مع "التراثيِّ" من خلال العديدِ من العناصر الدَّالَّةِ في شخصيَّةِ "الزين" بطل الرواية، يتمثَّل في اتصالِها بالواقعِ، وبالحياة الشَّعبيةِ في أعمقِ تجلِّياتِها، وصورِها التي تصِلُها بالتاريخِ وبالإنسانِ العربيِّ في انتمائِه الثقافيِّ والحضاريِّ.
• أصل اللغة: ابن جِني في كتاب "الخصائص"، وابن فارس في "المُجمَل" و"المقاييس"، وغيرهم من علماءِ العربيَّة، الذين أثرَوُا الذِّهنيةَ العربيَّةَ بالمتنوِّعِ من الدِّراساتِ اللُّغويةِ.
هذه أمثلةٌ بسيطة لاهتمامِ العلماءِ العرَبِ بمباحثِ اللُّغةِ وعلومِها، وارتباط النص الفني بها.
حياة النص والنقد:
اللغةُ: نظامٌ، لها منطقُها الخاصُّ بها، (المنظومة الداخلية للغة)، ويُفهَمُ من ارتباط منطقِ اللُّغة - بصفتِها تعطي المعنى بين اللَّفظِ والعقل - ارتباطُها الوثيقُ بواقعِها، بحكمِ اقترانِه بالخطابِ الاجتماعيِّ، بروابطَ ضروريَّةٍ، تجعلُ منها نسَقًا مفتوحًا على مناطقَ عديدةٍ من احتمالاتِ الفهمِ والتَّأويلِ، فاللغةُ إدراكٌ عقليٌّ، منطقيٌّ، بين التَّحليلِ والتَّركيبِ، والثابت والمتغيِّر، وهما جوهرُ المنطقِ اللُّغوي "النحو العربي"، ويأتي القرآنُ الكريم مثبتًا لهذه القيمةِ؛ يقول - سبحانه وتعالى - في محكَمِ آياتِهِ: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ [الأحزاب: 4]، قال: "لرجلٍ"، ولم يقُلْ: "لبَشَرٍ"!
فجميع البشرِ لا يملِكون إلا قلبًا واحدًا، سواءٌ أكانوا رجالاً أم نساءً، لكنَّ المرأةَ قد تحملُ قلبينِ بجوفِها، حين حملها، يصبح بجوفها قلبُها، وقلبُ الطِّفل الذي يدق في رحِمِها، هذا هو تفسيرُ ظاهر الكلام، أمَّا جانبُ التَّفسيراتِ التشريعيةِ التي آلَتْ إليها هذه الآيةُ الكريمةُ من أهل التأويلِ والشَّريعة، فكثيرةٌ، وعلى الوجهِ الصَّحيحِ منها، وإنما المراد أنَّ العربيةَ تحملُ قيمةً فكريَّةً وفنيةً بديعةً في أدائِها اللُّغويِّ، ومنطقيَّةً في الأداءِ الفكريِّ المرتبطِ بالواقعِ، مع قدرتِها الفائقةِ على التخيُّلِ وتوليد الدَّلالةِ، باعتبارِها لغةً خلاَّقةً، تتكوَّنُ من عناصرَّ محدَّدة، تنتجُ تركيباتٍ وجُملاً لا نهايةَ لها، من احتمالاتِ التأويل؛ نظرًا لطبيعتِها الخاصَّةِ المشترَكة بين اللَّفظ والمعنى؛ ولأنَّها تنبع من مستوياتِ التَّحليلِ اللُّغويِّ، البنائي، "تحليل الأصوات، التركيب، الألفاظ".
فاللغة مجموعةٌ من العَلاقاتِ اللُّغويةِ، تنبع أهميَّتُها من إنتاجِ المعنى، وإعادةِ إنتاجِه، مركَّبةٌ من دالٍّ ومدلولٍ، تعنَى بالكلِّيات، وقد ارتبط ذلك بالعمليَّةِ النَّقديةِ اللُّغويةِ بصفة النَّقد يعمل بالمفاهيم الكليَّةِ، فكلٌّ من اللُّغةِ والنَّقدِ تحيل كلٌّ منهما للآخَرِ، وتُعَدُّ لازمةً لها، فمعرفةُ الفَرق بين الصِّفةِ والحال تبدو واضحةً في "جاء الرَّجلُ السَّعيد، جاء الرَّجلُ سعيدًا".
يقول أبو العتاهيةِ[14]:
قَاتِلْ هَوَاكَ إِذَا دَعَاكَ لِفِتْنَةٍ
قَاتِلْ هَوَاكَ هُنَاكَ كُلَّ قِتَالِ
وَإِذَا عَقَلْتَ هَوَاكَ عَنْ هَفَوَاتِهِ
أَطْلَقْتَهُ مِنْ شَيْنِ كُلِّ عِقَالِ
هذه الصُّورةُ المنطقيَّةُ في الأداءِ اللُّغويِّ تحملُ سِمةَ الشِّعريةِ المجسِّدةَ لموقفِها الواعي بما تحملُه من عناصرَ تخيليَّةٍ، بكونِها النَّفسيِّ، ودلالتِها النَّوعيةِ بضرورةِ محاربةِ الهوى وعدم اتِّباعِه.
إنَّ التَّقنيةَ اللُّغوية الفنية، "طريقةُ أداء اللُّغة داخل بِنْية النَّص"، وتعدّد مستويات السَّرد فيه، مع حرفيَّةِ الكاتبِ فى التعاملِ مع هذه المستوياتِ اللُّغوية، بأداءٍ شيقٍ، نابعٍ من جمالِ اللُّغةِ فى التَّوصيفِ والتجسيدِ، بالعنايةِ بمستوى التَّراكيب اللُّغويةِ وتنويعاتِها وتشكيلاتِها المميزة، حيث يتركَّزُ حولها الخطابُ النَّصيُّ في جملته التعبيريَّةِ التي تنتج مفهومها في الأداءِ، مرتبطًا بالبِنيةِ الاجتماعية؛ أي: إنَّه ابنُ بيئتِه الواقعةِ موضوعيًّا فى النصِّ، كما يطمح الكاتبُ، غير أنه أحيانًا ما يُولَعُ بلغةِ الواقع المُغري، بمفرداتٍ لا تَرقى لحقيقةِ النَّص، باستخدام لغةٍ غيرِ منصفةٍ لحقيقةِ الخطابِ وأهميَّته؛ ذلك أنَّ نقْلَ نصِّ الواقعِ دون تبديلٍ فنيٍّ، ومغايرةٍ مبدعةٍ لمزجِ عدَّةِ عناصرَ معًا، يصبِحُ صُوَرًا فونغرافية أو كربونية، دون تعليقٍ وجدانيٍّ، شعوريٍّ، لن يضيفَ بالضرورةِ جديدًا للنصِّ الفنيِّ بأنواعِه المتعدِّدة.
فاللُّغةُ جزءٌ رئيس من ثقافةِ الواقع، وهي موسوعةٌ لهذه الثَّقافة, وأكثرُ رموزِها أهميَّةً، باعتبارِها مفهومًا متكاملاً، تتجمع عندها خبرةُ النصوص، وهذا يؤدِّي بنا لنتيجةٍ أخرى هي واقعيةُ اللغة, المقصود بها الواقعيةُ النَّفسيةُ العاطفية، التي تتميَّزُ بالحيوية والتحوُّلاتِ السَّردية.
إننا نخاطب مجموعًا أكبرَ بلغةٍ تتميَّزُ بالشُّموليةِ والتَّركيز موحيةٍ ودالَّةٍ، قريبةٍ من الواقعِ، لكنَّها ليست الواقعَ، وطرح المفهومِ من اللغةِ هو حقيقةُ النَّص، فاللغةُ المميزة هي التي تخاطِبُ وجدانَ الإنسانِ وعقْلَه من خلال النصِّ الأدبيِّ المتفرِّد، القادرِ على ملامسة دواخلِ التلقِّي بأداءٍ مكثَّف، تطمح فيه اللغةُ إلى الارتقاءِ حيث أفقُ سموِّها، وعالمها الفريد، تحمل تركيبات ترتكزُ على التخيُّلِ والتَّوليد، والتعاطي مع طاقتِها البِنائية وتفجيرها لصالح النَّص؛ لتقيمَ نوعًا من التوازنِ بين الواقعِ والمتخيَّل، تمنحنُا شعورًا قويًّا بوجودِها داخل البِنية، بقدرة النصِّ الفنيِّ على نقلِ الوقائعِ المثيرة، محدثًا فارقًا فى الأداء، يقبِضُ على زمامِ اللَّحظاتِ الثريَّة فى الكتابة، فالنِّظامُ اللُّغويُّ في العمل الفنيِّ نظامٌ دلاليٌّ يضيءُ النَّصَّ الأدبيَّ، ويُعَدُّ تفهُّمًا مستمرًّا مع عوالِمِه، المعنويَّةِ الرَّمزيةِ والجماليَّةِ الإبداعيَّةِ؛ لكون اللُّغةِ بدورها أساسَ الجمالِ في الكتابةِ الأدبية، وتُعَدُّ بهذا المفهومِ كائنًا حيًّا ينمو ويتنامي داخل النص، يسري بين الأجزاءِ في رباطٍ يضمُّها في وحدةٍ واحدة، يقدِّمُ الشَّكلَ النهائيَّ للعملِ الفنيِّ في أبهى صورةٍ له، وإطاره الذي يراه القارئُ، وإذ كانت اللغةُ في مفهوم البلاغة القديمةِ، هو إيصال الخبرِ وتوضيح المعنى، من حيث اختيارُ المفرَدات وصياغةِ التَّراكيبِ وسلامةِ الكلمةِ، فهي تُعَدُّ اللَّبِنَةَ الأساسيَّةَ في النص، ومِحورَه الذي يقدِّمُ شكلَ تجلِّيه في الكتابةِ؛ لمخاطبةِ الوجدانِ والتَّفكيرِ عن طريق التخيُّلِ وأثرِه في دلالةِ الألفاظ، وما يشير إليه الأسلوبُ اللغويُّ ونظامُه البِنائيُّ، وما يتَّصلُ بعلمِ البيانِ[15] من معطيَاتٍ، ومطابقة الكلامِ لمقتضى الحالِ، ما يتصل بعلمِ المعاني[16]، وما قد تعرِضُه اللُّغةُ من مرونةٍ في التَّعبيرِ ودقَّةٍ في المعنى، وبما تقدِّمُه من أنساقٍ لغويةٍ، تُبرهِنُ على المقدرةِ في توظيفِ الأنساقِ البِنائية، لصالح النَّصِّ في موقفِه الدلاليِّ، وهو أهمُّ ما يسعى ويطمحُ إليه الخِطابُ، بما أنَّ اللغةَ هي حاضنةُ النَّص في كلِّ الأحوالِ، كي يتَّسمَ التعاملُ النَّقديُ مع هذا الأداءِ بالموضوعيَّةِ والنَّزاهةِ التَّقويمية، معتمِدًا على تداخلِ مجموعةٍ هائلةٍ من الأدواتِ النَّقدية، يرتكز فيها على تحديدِ القِيمة الحقيقيَّةِ للنصِّ، وطموحه الفني ومكوِّناته البِنائية، بقراءةٍ واعِيةٍ لتحليلِ الخِطاب، ورفد الدلالةِ التي تستكشف هذا العالَمَ النَّصيَّ الرَّحْبَ، معتمدةً على قراءةٍ منهجيَّةٍ دقيقةٍ، تظهر فيها آفاق اللِّسانيَّاتِ وشفرة المعنى[17]، مرتبطة برُؤيا الكاتبِ للعالَمِ، تشتركُ في طرح قضايا الواقعِ، وتعملُ عليها، حيث تمثِّلُ المرجعيَّاتُ اللُّغويةُ مرتكزًا أساسيًّا للخطابِ الثقافيِّ المنتج لأثرِه، يدعم بدوره مفهومَ الرُّؤيا داخل البِنيةِ اللُّغويةِ، ويستطيع الخطاب بهذا الأداءِ سبرَ أغوارِ هذا التماثلِ والتوازي مع الواقعِ، من خلال هذه اللُّغةِ المنتقاةِ.
"إنَّ النظرَ إلى اللغةِ بوصفِها أداةَ تعبيرٍ, أو وسيلةَ تصويرٍ, تبسيطٌ سطحيٌّ ساذَجٌ, يتجاوز الإجابةَ عن ماهيَّتِها ووظائفيَّتِها المعقَّدة والمتشابكةِ، فاللُّغة صورةُ الفكرِ وأداتُه في آنٍ معًا, وهي في الرِّواية لا تصوِّرُ وحسب, بل هي نفسُها موضوعُ تصويرٍ كلميٍّ أيضًا، أي أنها تنتقل من كونِها أداةً إلى كونها موضوعًا، وهنا تُبْرِزُ أولى وظائفِها في تصويرِ التَّمايزات والنَّبراتِ اللَّهجية والمِهنية والإثنية, بعيدًا عن نظامِ اللُّغة المعياريَّةِ الموحد[18].
فقِراءةُ النَّص نقديًّا لا تتوقَّفُ على البحثِ اللُّغويِّ الصِّرف، فهو يعمل على مستوياتٍ عديدةٍ، من بينها "اللفظ - التركيب - الدلالة - الأسلوب - النظم - الأداء - الإنشاء" وغيرها، بينما يكونُ النَّظرُ إلى مسألةِ تشكيل البِنية اللُّغوية هو المرتكزَ الأساسيَّ، كالتعاملِ مع موقف اللُّغةِ ممَّا هو إنسانيٌّ وكونيٌّ، "علم اللغة الكوني"[19] ليظلَّ المنهجُ النقديُّ في موقفِه النَّاقدِ للنَّص، يبحث عن مستوياتٍ عديدةٍ للخطابِ؛ لكونِه ضمن منظومةٍ لُغويةٍ بِنائية، يهتمُّ فيها بمستوياتِ وطبقاتِ اللُّغة اللَّفظية والمعنوية والتَّأويلية، وما يُنتجه من معطيَاتٍ وآليَّات، بل لإنتاجِ منظومةٍ فكرية أيدلوجيَّةٍ تجسِّدُ مشهديَّةَ الخِطاب؛ إذ ينطوي الأدبُ والنَّقد دومًا على إعادةِ تشكيلِ الخِطاب، ضمن المنظومةِ النَّقدية التي لا بدَّ لها من التعرُّف بداهةً -حين تعرضها للنَّقد - على المنهجِ الذي بُنِيَ عليه النَّص، والرُّؤية التي يعبِّرُ عنها، بالكشفِ عن علاقاتِه الدَّاخلية، واتِّساقِه مع علاقاتِ الواقعِ ومنطقِه، مستندًا إلى منهجٍ ورؤيةٍ نقديَّةٍ واضحةٍ، تتجاوز الذَّاتية إلى موضوعيَّةٍ حقيقيَّة، مرتبطة بالأداءِ اللُّغويِّ.
وليس المقصودُ بالنقدِ اللُّغويِّ فقط ما تعارف عليه من لفظٍ ومعنًى؛ كما تبنَّاه النقدُ القديمُ[20]، فاللُّغةُ الأدبيَّة تتميَّز بارتباطها بأسلوبٍ تعبيريٍّ، وطاقةٍ أسلوبيَّةٍ مغايرةٍ، مختلفةٍ عن أسلوبِ التَّعبير اليوميّ؛ لأنَّ اللغةَ اليومية تلقائية، عادية تشكِّلُ معظمَ نشاطِ الإنسانِ، أمَّا الكتابةُ الأدبيَّةُ فهي لغةٌ متفرِّدة؛ لكونِها تحمل دومًا القصديةَ والتعمُّدَ في التعبير، باعتبارِه تعبيرًا عن نشاطٍ إنسانيٍّ خاصٍّ، تصدر عن اختيارٍ واعٍ لطريقةِ أدائها، وقد استهدفت نظريةُ الأسلوبية[21] هذه الأساليبَ التَّعبيرية لدراساتِها النَّقديةِ، من خلال الطاقةِ الكامنة في اللغة الأدبيَّةِ، التي ميَّزتها عن غيرِها من أنماطِ وسياقات التَّعبيرِ الأخرى.
فالأدب علاقةٌ متناميةٌ بين النَّص والمجتمع؛ أي: صلةٌ أساسيَّةٌ تربِط بين الذَّات والواقع، تعمل الرُّؤيةُ النَّقدية على فهم موقفِ النَّصِّ من العالَم، بتلك اللُّغةِ الرَّاغبةِ على نحوٍ كبيرٍ أدهشنا كأحد طموحاتِ النَّص، عبر توجُّهِه المعرفيِّ وخِطابِها اللُّغويِّ، من خلال تشكيلاتٍ متنوِّعةٍ لهذه اللُّغة، تستطيع التغلُّبَ على الأبعادِ الزمكانية، والرُّؤى المتعدِّدة داخل البناءِ، ببهجةِ وصفاءِ الأداءِ والظِّلال الذي يحيط بعالَمِها الثريِّ، حين يجسِّدُ النَّصُّ لغةً عميقةً بديعةً، تكوَّنت عبر بِنيَةٍ فنِّيةٍ لغوية مجيدة، تحمل تجاربَ ثريَّةً كاملةَ البهاء.