علاقة علم الدلالة بالعلوم اللغوية الأخرى
أ.د عبد الله أحمد جاد الكريم
إنَّ لعلم الدلالة علاقة وطيدة بالعلوم اللغوية الأخرى، حيث لا يكاد يخلو علم منها من الجوانب الدلالية فيه ؛ ومن ذلك بإيجاز ما يأتي:
(أ) الدلالة الصوتية: إنَّ للجانب الصوتي تأثيرًا بالغًا في تحديد المعنى ، وذلك مثل وضع صوت مكان صوت آخر ؛ كقطف وقطش ، فالقطف يكون للأزهار بينما يكون القطش للحشائش؛ ولهذا نلمس تحديدًا للدلالة الصوتية من خلال صوتي الفاء والشين، ومنه التَّنغيم الذي يحدد درجة الصوت وفق عدد الذبذبات الناتجة عن الوترين الصوتيين التي تحدث نغمة موسيقية في الكلام تحدد معاني مختلفة ومتنوعة بتنوعها ؛ كالاستفهام مثلاً .
(ب) الدلالة الصرفية: إنَّ هذه الدلالة مرتبطة ببنية الكلمة وصيغتها التي تحدد معناها، وذلك مثل صيغة (أفعل) كأكرم ، فإن معنى أكرم يتحدد من خلال صيغتها أفعل التي تدل على تغيير الدلالة الأصلية في الصيغة الإفرادية ، ومثل هذا كثير في اللغة العربية، فالدلالة الصرفية تطلق غالبًا على عين الصيغة ، لكن البناء الإفرادي له ثلاث موقعيات ، بداية، وسط، منتهى . والصيغة الإفرادية أنواع : حديثة، ذاتية، وصفية.(1)
ودلالة الحديثة : تكمن في وسطها غالبًا فعُل، فعِل، فعَل، فالضم يدل على الثبات مثل كرم وشرف ، والكسر يدل على الزوال مثل فرح وغضب، والفتح حياد ...الخ .
وفي الوصفية لها البداية في مثل القِسط العدل، والقَسط الجور، والقسط عود طيب. قال قطرب في مثلثه : ومثله كذلك في المشتقات في اسمي المرة والهيئة فَعلة فِعلة وفي وسط المشتقات في مثل: مكرِم ومكرَمٍ ومخبِِر ومخبَر. ومنها المنقلبات في الاشتقاق وهي صرفية أيضًا مثل : كمل، كلم، ملك، مكل، لكم، لمك، وهو ما يسمى بنظام الرتب(2).
(ج) الدلالة النحوية : إنَّ عناصر الجملة العربية مرتبة ترتيبًا هندسيًّا خاصًّا يوحي بدلالة الجملة الناتجة عن نوع من التفاعل بين العناصر النحوية والعناصر الدلالية " ، فكما يمد العنصر النحوي الدلالي بالمعنى الأساسي في الجملة الذي يساعد على تميزه وتحديده، يمد العنصر الدلالي العنصر النحوي كذلك ببعض الجوانب التي تساعد على تحديده وتمييزه ، إذ يوجد بين العنصرين أخذ وعطاء وتبادل تأثيري دائم"(3).
وعلم النحو العربي قد وضع في الأصل لتقنين اللغة ، وحفظ اللسان من الزلل والخطأ، وله دور أساسي في فهم النص، إلاَّ أنَّه لا ينفى العنصر الدلالي عنه، فهو موجود باستمرار واهتمّ بالمعنى منذ نشأته " فالترابط بين الوظيفة النحوية والدلالة المعجمية حقيقة ثابتة ودائمة ومستمرة في التجربة اللسانية العربية، فالجملة هي غاية كل نظام نحوي يعمل على كشف تركيبها، ويحاول الربط بين الصورة الصوتية والمعنى المراد منها من خلال النظام العقلي الذي يحكمها، فهو إذن يمدّ الجملة بمعناها الأساسي الذي يكفل له الصحة ويحدّد له عنصر هذا المعنى(4). واهتمام النحو العربي بالظواهر الدلالية ثابت، وإن كان لا يرقى إلى نظرية دلالية نحوية واضحة المعالم كما هي متداولة اليوم، ولكن أسسها لا يمكن جهلها أو إغفالها، فالعلاقة بين قوانين المعنى النحوي وقوانين دلالات المفردات في النظام النحوي قائمة، وهو ما يمكن أن يطلق عليه بالمعنى النحوي الدلالي. وأصبح الدرس الحديث ينزع إلى عدم التفرقة بين الجانب النحوي والجانب الدلالي ، إذ أصبحت الدلالة جزءًا من النظرية النحوية ، يقول (Brucel.Liles): إنَّ النحو (grammar) ينتظم ثلاثة أجزاء أو ثلاثة مكونات :
1ـ التركيبي الذي يحتوي على بناء العبارة والقواعد التحويلية التي تشترط لبناء الجملة .
2ـ الدلالي الذي يعمل وِفقًا للعناصر التي لا يمكن نطقها في الجملة مستقلة ، ويرمز لها بـ (P- terminal string) بعد المواد المعجمية المختارة من المعجم التي تعطي الجملة معناها .
3ـ المكون الصوتي الذي يُشكِّل الجملة بعد كل العمليات التحويلية التي تطبق ، ويعطي الجملة صيغتها النهائية (5).
(د) الدلالة السياقية: إنَّ دلالة الكلمة مرتبطة بسياقها الذي يوحي بمعناها؛ إذ تتحدد تلويناتها الدلالية "عبر تداعيات مفهومية متميزة كما في عبارة : عملية عسكرية، مصرفية، حسابية، جراحية، الخ. ويمكن لهذه الاختلافات السياقية أن تؤدي إلى انقسام بين المعاني الأساسية، السلك الكهربائي، والسلك الديبلوماسي، كلمتان نحسهما مختلفتين وغير متماستين."(6) ، وإنَّ معنى الكلمة لا يتحدد إلا من خلال استعمالها في اللغة ، وذلك من خلال الدور الذي تؤديه . ولهذا يصرح فيرث بأن المعنى لا ينكشف إلا من خلال تسييق الوحدة اللغوية ، أي : وضعها في سياقات مختلفة.(7)" ومن ثمة فإنَّ دراسة معاني الكلمة تستدعي تحليلاً للسياقات والمواقف التي تحتويها، ومن ذلك كلمة (يد)(8) التي تتنوع وتتوزع دلالتها تبعًا للسياقات المختلة، وهو ما يعرف في الدراسة العربية بالحقيقة والمجاز.
ممَّا سبق تتضح لنا مكانة علم الدلالة وعلاقته بالعلوم الأخرى؛ ومنه اللسانيات، يقول الدكتور السعران في هذا الشأن:" علم الدلالة، أو دراسة المعنى فرعٌ من فروع علم اللغة، وهو غاية الدراسات الصوتية والفونولوجية (علم وظائف الأصوات) والنحوية والقاموسية، إنه قمة هذه الدراسات، وإذا كانت الدراسات السابقة لم ينهض بها عادة إلا اللغويون، فإنَّ النظر في المعنى موضوعٌ شارك فيه علماء ومفكرون من ميادين مختلفة، شارك فيه الفلاسفة والمناطقة قديمًا، وشارك فيه علماء النفس، وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا حديثًا، وأسهم فيه علماء السياسة والاقتصاد ، وجماعات من الفنانين والأدباء ، وذلك لأنَّ المعنى من شأنه أن يشغل المتكلمين جميعًا عل اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الفكرية "(9).
وبعد ، فعلم الدلالة بالإضافة إلى هذا وذاك فرع من فروع علم اللغة ، ومستوى من مستويات التحليل اللساني، شأنه في ذلك شأن الأصوات والتركيب والصرف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• الحواشي:
(1) ينظر: مثلثات قطرب ( ص 62) وما بعدها .
(2) مثلثات قطرب (ص 62).
(3) النحو والدلالة ؛ لمحمد حماسة عبد اللطيف (ص 113) .
(4) درعيات أبي العلاء ، دراسة دلالية ، لعمار شلوادي (ص43) . وينظر مكانة المعنى وأهميته وعلاقته بعلم النحو العربي في كتابي (المعنى والنحو ، ط مكتبة الآداب ، القاهرة 2002م ).
(5) النحو والدلالة ؛ لمحمد حماسة عبد اللطيف (ص 45) .
(6) علم الدلالة لبيار غيرو (ص 43) .
(7) Semantic fields and lexical structure. A. lehrer. P:174 -
(8) ينظر: علم الدلالة ؛ لأحمد مختار عمر( ص70) .
(9) علم اللغة ؛ مقدمة للقاريء العربي ، لمحمود السعران (ص261).