قال العلامة صديق حسن خان رحمه الله في كتابه ( البلغة إلى أصول اللغة ) :
( فالضعيف: ما انحطَّ عن درجة الفصيح، والمُنْكر أضعف منه وأقلُّ استعمالاً بحيث أنكره بعضُ أئمة اللغة ولم يَعْرْفه، والمتروك: ما كان قديماً من اللغات ثم تُرك، واسْتُعمِل غيره، وأمثلةُ ذلك كثيرة في كتب اللغة، كأنْبَذ نبيذاً لغة ضعيفة في نَبَذَ، وانْتُقِعَ لونه لغة ضعيفة في امْتُقِع، وتَمَنْدّل بالمنديل ضعيفة في تّنَدَّل، وواخاه في آخاه، والامْتِحاء في الامْحاء، والأمّات في الأمهات، ومن أمثلة المنكر بَلق الدابة وهذا لا يعرف في أصل اللغة، وَجَرَعْتُ الماء بالفتح لغة أنكرها الأصمعي، والمعروف بالكسر ، والمتروك كمضّنى كلام قديم قد تُرِك وكان أمضنى هو المستعمل، وجَفَأتُ القدر ولا تقل أجْفَأتها .
معرفة الرديء المذموم من اللغات
وهو أقبحُ اللغات وأنزَلها درجة، ومن ذلك الكَشْكَشَةُ؛ وهي في ربيعة ومضر؛ يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شيناً كرَأَيْتُكش، وعليكش وبكش، والكسكسة يجعلون بعد الكاف أو مكانها في المذكر سينا على ما تقدّم، والعَنْعَنَة وهي في كثير من العرب في لغة قيس وتميم كعنك في إنك وعسلم في أسلم، وعُذُن في أذن.
والفَحفَحة في لغة هذيل، وهي جعل الحاء عيناً، والوكم في لغة ربيعة، وهم قوم من كلب، يقولون: عليكم وبكم، حيث كان قبل الكاف ياء أو كسرة، والوهْم في لغة كلب، كمنهم وعنِهم، وان لم يكن قبل الهاء ياءٌ ولا كسرة.
والعَجْعَجَة في لغة قضاعة؛ يجعلون الياء المشدّدة جيماً كتميمِجّ في تميمي، والاستنطاء في لغة سعد بن بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار، بجعل العين الساكنة نوناً (33/) إذا جاورت الطاء كأنْطي في أعطى، والوتم في لغة اليمن، بجعل السِّين تاء كالنات في الناس، والشَّنشنة بجعل الكاف شيناً كلبّيْش اللهم لبَّيْش أي لبيك، ومن العرب من يجعل الكاف جيماً كالجعْبة يريد الكعبة .
معرفة المطرد والشاذ
أصل مواضع (ط ر د) في كلامهم التتابع والاستمرار؛ وأصل موضع (ش ذ ذ) التَّفَرُّق والتفرد، وهذا أصل هذين في اللغة ثم قيل ذلك من الكلام والأصوات، فجعل أهلُ عِلم العرب ما استمرّ في الكلام في الاعراب وغيره من مواضع الصّناعة مُطَّردا، وجعلوا ما فارق ما عليه بقِيّه بابه، وانفرد من ذلك الى غيره شاذّاً حَمْلاً لهذين الموضعين على أحكام غيرهما، وهما على أربعة أضرب: مُطَّرِد في القياس والاستعمال جميعاً؛ وهذا هو الغاية المطلوبة، نحو قام زيد، وضربت عمراً، ومررتُ بِسعدٍ، ومُطَّرِد في القياس، شاذُّ في الاستعمال؛ وذلك نحو الماضي من يَذَر ويّدَع، ومُطَّرد في الاستعمال، شاذ في القياس كاستْصَوبت الشيء ولا يقال استصبت، ومنه استَحْوذَ واغْيلت المرأة، واستَنْوق الجمل، والشاذ في القياس والاستعمال جميعاً، وهو كتتميم مفعولٍ مما عينه واو، أو ياء نحو ثوب مَصْوُون، ومسك مَدْوُوف، وفرس مَقْوُود، ورجل معْوود من مَرَضه، وكل ذلك شاذَ فيهما فلا يسوغ القياس عليه ولا ردُّ غيره اليه، وللشاذ في القياس المطرد في الاستعمال أمثلة ذكرها السيوطي في المزهر .
معرفة الحوشي والغرائب والشواذ والنوادر
وهذه الألفاظ متقاربة، وكلها خلاف الفصيح وحُوشيُّ الكلام وَحْشِيّه وغريبه؛ قال ابن رشيق: هومن الكلام ما نَفَر عنه السمع، وإذا كانت اللفظة خَشِنْة مُسْتغربة لا يعلمها إلاّ العالم المبّرز، والاعرابي القحُّ، فتلك وّحْشية .
والغرائب جمع غريبه، وهي بمعنى الحوشيّ، والشوارد جمع شاردة، وهي أيضاً بمعناها، وقد قابل بها صاحب القاموس الفصيح حيث قال مشتملاً على الفصيح والشوارد والنوادر جمع نادرة.
وقد ألف الأقدمون كُتُباً في النوادر كنوادر أبي زيد، ونوادر ابن الأعرابي، ونوادر أبي عمرو الشيباني وغيرهم، وفي آخر الجمهرة أبواب معقودة (34/ ... ) للنوادر، وفي الغريب المصنف لأبي عبيد بابُ لنوادر الأسماء والأفعال، وألف الصغاني كتاباً لطيفاً في شوارد اللغة، ومن عبارات العلماء المستعملة في ذلك النادرة، وهي بمعنى الشوارد .
من نوادر الأسماء البرْت: الرجل الذليل، والحرش: الأثر، والعَيْقَة: ساحل البحر، والصُّمَادح: الخالص من كل شيء؛ ومن نوادر الأفعال: مَتَعْتُ بالشيء أي ذهبت، وتَشَاولَ القوم: أي تناول بعضهم بعضاً عند القتال، وأكبّ لوجهه أي سقط وكَبّه الله، ولّبُبْتَ يا رجل أي صرت ذا لُبّ، وهو نادر لا نظير له في المضاعف، وطاف الخيال يطوف، ومن الشوارد الأجيار جمع جيران، ومن الغرائب الخَازباز السِّنَّور، والوَطْبُ وِعاء اللبن، وأبوال البغال: السراب، والجود: الجوع . ) .