mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي مقاييس الفصاحة في القرن الخامس الهجري

كُتب : [ 05-08-2016 - 07:47 AM ]


مقاييس الفصاحة في القرن الخامس الهجري
د. محمود عبدالله الجفال
الجامعة الأردنية
التمهيد:
لعلّ من المفيد بادئ ذى بدء أن نحدد المقصود بمصطلحي "المقاييس" و"الفصاحة" الواردين في عنوان البحث.
أما كلمة "المقاييس" فهي جمع "مقياس" من الجذر الثلاثي (ق ي س)؛ وينصرف المعنى اللغوي لها إلى المقادير. وقاس الشيء يقيسه قياساً إذا قدّره على مثاله. والقياس تقدير الشيء بالشيء؛ والمقياس: المقدار، وما قيس به.
وعند أهل الأصول، كما ينصّ على ذلك السيد الجرجاني في كتاب التعريفات، أن القياس هو "إبانة مثل حكم المذكورين بمثل علته في الآخر. واختيار لفظ (الإبانة) دون (الإثبات) لأن القياس مظهر للحكم لا مثبت له".
ويورد السيّد الجرجاني تعريفاً آخر للقياس وهو أنه "ما يمكن أن يذكر فيه ضابطة؛ عند وجود تلك الضابطة يوجد هو".
وفي عرف اللغويين أن المقياس هو "الأساس الذي نبني عليه ما نستنبطه من قواعد اللغة أو صيغ في كلماتها، أو دلالات في بعض ألفاظها". والمقياس أيضاً هو المكيال أو الميزان الذي يحكم به على صحة اللغة ألفاظاً وتركيباً.
وقد يحلو لبعض الدارسين المحدثين استخدام مصطلح "معيار" بدلاً من مقياس.
على أنّ موقفنا هنا يتلخص في أن مقياس الفصاحة يعني الحكم على الألفاظ والتراكيب العربيّة من خلال النموذج الأرقى في التعبير المتمثل في لغة القرآن الكريم وتراكيبه من ناحية، ولغة الشعر العربي القديم وتراكيبه من ناحية أخرى. إذ نجد أن أكثر الدارسين اللغويين من قدماء ومحدثين يقرّون أن الفصاحة هي ما يمثله هذان النموذجان.
وأما مصطلح "فصاحة" فقد تناوله عدد غير قليل من الباحثين بالدرس والتحليل. ولقد تركزت أكثر هذه الدراسات على المفهوم البلاغي للفصاحة كما وردت في أعمال البلاغيين القدامى. إذ نجد أن علماء البلاغة ومؤرخيها قد تناولوا موضوع الفصاحة، لغة ومصطلحاً. غير بعيد عن البلاغة.
أما معنى الفصاحة لغة فقد ذكر ابن فارس في معجمه مقاييس اللغة أن الفاء والصاد والحاء: أصل يدل على خلوص في شيء، و نقاء من الشوب. ثم استخدمت الكلمة لتدل على اللسان فقيل: أفصح الرجل أي تكلم بالعربيّة.
وهذا يدل دلالة واضحة على أن القصد هو خلوص عربية المتكلم من الخطأ واللحن والعجمة وغيرها مما قد يشوبها أو يشينها بالإضافة إلى طلاقة اللسان وسلامة النطق. وقيل أيضاً: فصح بمعنى جادت لغته حتى لا يلحن. وفي هذا دلالة أخرى على جودة كلام المرء لما تقتضيه من خلوص ونقاء. أما المعنى الاصطلاحي فيتعلق بالإبانة والوضوح والظهور.
وقد لاحظ بعض الدارسين المحدثين أن المعنى الاصطلاحي للفصاحة مرّ بمرحلتين:
المرحلة الأولى: وهي مرحلة النشأة التي بدأت ملامحها في الظهور على يد أبي عثمان الجاحظ (المتوفى سنة 255هـ)، واستخدمت فيها الفصاحة والبلاغة بمدلولها اللغوي الذي جعل الفصاحة والبلاغة بمعنى واحد. وهذا هو ما سُمي باختلاط مفهوم المصطلحين واستخدامهما بمدلول واحد.
المرحلة الثانية: وتبدأ على الأغلب في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري على يد أبي هلال العسكري مؤلف كتاب الصناعتين (المتوفى سنة 395هـ): إذ يفرق أبو هلال بين مفهومي المصطلحيين، على الرغم من أنه بدأ حديثه بتأكيد المعنى المشترك الذي يحمله كل من كلمتي فصاحة وبلاغة، في قوله: "... وإذا كان الأمر على هذا، فالفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد، وإن اختلف أصلاهما؛ لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له".
ولكن أبا هلال يعود فيقرّر أن الفصاحة تتضمن اللفظ، والبلاغة تختص بالمعنى، "وعلى هذا تكون الفصاحة والبلاغة مختلفتين، وذلك أنّ الفصاحة تمام آلة البيان فهي مقصورة على اللفظ؛ لأن الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى والبلاغة إنما هي إنهاء المعنى إلى القلب. فكأنها مقصورة على المعنى". ويضيف أبو هلال أن المصطلحين قد يجتمعان في وصف الكلام إذا توافر للكلام حسن التأليف والمعنى معاً، إذ يقول: "وقد يجوز مع هذا أن يسمى الكلام الواحد فصيحاً بليغاً إذا كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيد السبّك، غير مستكره ولا فجّ، ولا متكلف وخم، ولا يمنعه من أحد الاسمين شيء لما فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف" .
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ البحث في مقاييس الفصاحة اللغوية في القرن الخامس الهجري قد اقترن بمقاييس البلاغيين للفصاحة وذلك لاتصال مفهومي الفصاحة والبلاغة واختلاطهما بحيث نجد من الصعب الفصل بينهما أحياناً.

-2-تنوع مفاهيم الفصاحة:
إن الفصاحة "لغة واصطلاحاً ومفهوماً – بمعزل عن البلاغة ومدلولاتها – كانت هم اللغويين القدماء في القرون الهجرية الأربعة الأولى. إذ ألحّ على هؤلاء التساؤل التالي: أي لغات العرب الأفصح؟ بل أيها التي تصلح أن تكون حجة في استقراء قواعد "العربية الفصحى".
ولقد تنبّه اللغويون الأوائل إلى أن "العربيّة الفصحى" تنبع من ثلاثة مصادر رئيسة هي: القرآن الكريم وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، والشعر العربي الجاهلي والمخضرم إلى رأس المائة الهجرية، إلا أنهم في بعض حديثهم جعلوا "الفصحى" لغة قريش: قبيلة الرسول عليه السلام، ثم أقرّوا من بعد ذلك أن مقياس الفصاحة لأي قبيلة عربية إنما هو بمقدار قربها أو بعدها من لغة قريش.
كان هدف اللغويين العرب القدامى هو حراسة الفصحى لغة القرآن الكريم. وهذا الهدف الديني هو الذي ارتبط بأذهانهم وأذهان من خلفهم من علماء العربية، وهو الذي جعلهم يضعون الشروط والقواعد، بل قل القيود، لحماية الفصحى. فكانت القيود الزمانية والمكانية – وهي المسماة بعصور الاحتجاج-. فليست كل لهجة عربية تعدّ فصيحة، وليس أبناء كل عصر يعتبرون فصحاء. على أننا نلحظ في الدراسات اللغوية القديمة موقفين محدّدين من الفصاحة اللغوية تطوّرا ليصبحا مقياسين مختلفين من مقاييس الفصاحة:
1- الموقف البصري، ويمثله موقف أبي عمرو بن العلاء (المتوفى عام 154هـ) الذي سأله رجل: أخبرني عما وضعت مما سميت عربية! أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا. قال: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجّة؟ فقال: أحمل على الأكثر. وأسمي ما خالفني لغات".
2- الموقف الكوفي، ويمثله موقف إمامهم النحوي أبي العباس ثعلب (المتوفى عام 291هـ) في كتابه المشهور (الفصيح أو فصيح الكلام)، ومفاده أن مداد الفصاحة في الكلمة على كثرة استعمال العرب لها.
إنّ المتمعن في آراء اللغويين في القرون الهجرية الأربعة الأولى ليجد أنهم اختلفوا في مواقفهم ولم يصلوا إلى مقياس واحد محدّد للفصاحة، أو إلى اعتبار لغة ما أو لهجة ما هي الفصيحة، وإن كان هناك إجماع ينصب على اعتبار لغة قريش هي الفصيحة لأن قريشاً هي قبيلة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو القائل حين تعجب رجل من فصاحته: "إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين". وأضاف اللغويون القدامى حجة أخرى وهي ما قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه لكتبة الوحي حين أمرهم بكتابة المصحف الموحّد: "... فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم".
وهذا يعني أن القدماء اعتبروا لغة قريش هي مقياس الفصحى وقد يكون هذا الاعتبار السبب في إهمال كثير من لغات القبائل العربية الأخرى. يضاف إلى هذا أن لهجات القبائل العربية – غير القرشية- قد وصفت بخصائص صوتية معينة كالعنعنة والكشكشة وغيرها مما دعا اللغويين إلى استهجانها ووصفها باللغات المذمومة.
غير أنّ هذا الموقف لم يمنع بعض اللغويين من الجهر بأن اللغات العربيّة (أي اللهجات) كلّها حجة. بل لقد أضافوا إلى هذا أن للعربيّ الفصيح مستويين من التعبير: أحدهما الفصيح، والآخر دون ذلك (وقد يعني هذا الآخر أنه إما غير فصيح أو أنه أقل فصاحة من الأولى)، ثم لا يؤثر ذلك على منزلته – أي العربي- لدى اللغويين من حيث اعتبار لغته حجة يستشهد بها على قواعد النحو.
ومجمل الأمر أن معظم اللغويين القدامى قد جعلوا العرب صنفين: فصحاء أو غير فصحاء. ولم يكن لهم – في غالب الأمر- مقياس منهجي محدّد لاعتبار هذا التقسيم سليماً. غير أن الدراسات أثبتت أن مقياساً واحداً ظل قائماً في أذهان اللغويين ألا وهو: مدى موافقة أو مخالفة كلّ واحدة من اللهجات العربية لغة القرآن الكريم.

-3-إنّ هذا التوجه – في القرون الهجرية الأربعة الأولى – كان نتيجة حتمية للصراع اللغوي والصراع الحضاري اللذين شهدهما المجتمع الإسلامي. فقد تحولت أمم وشعوب غير عربية الأصل والثقافة إلى اللغة العربية. وشهدت هذه المرحلة نشوء ظاهرة اللحن وانتشارها بشكل واسع. من أجل ذلك احتاج الناس إلى من يضبط لهم نطق الألفاظ غالباً. والحاجة إلى "تقويم اللسان" تعين المسلم – عربيًّا كان أم غير عربي- على قراءة القرآن الكريم قراءة سليمة خالية من اللحن.
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أنّ الصراع الحضاري بين العرب والشعوب الأخرى قد شهد بزوغ الحركة "الشعوبية"؛ وتقويم آراء الشعوبيين كما هو معروف على الطعن على العرب. ونتيجة لذلك قام عدد من علماء العربية بالرد على هؤلاء الشعوبيين. وكان من ذلك تأليف الجاحظ كتابه "البيان والتبيين". ولعلّ عنوان هذا الكتاب يفسّر هذا التوجه الذي أملته هذه المرحلة، إذ إن الردّ على الشعوبية ولّد بالضرورة التأكيد على بعض خصائص العرب وتميزهم عن غيرهم من الشعوب بفصاحة لغتهم.
وقد يكون هذا هو السبب الذي وجّه الفصاحة نحو نطق الألفاظ العربيّة نطقاً سليماً خالياً من العيوب الصوتية وفق معايير معينة تتلاءم وقراءة القرآن الكريم من ناحية، ثم التخلّص من بعض عيوب النطق التي شابت بعض اللهجات العربية أو نطق الأعاجم للألفاظ العربية من ناحية أخرى.
هذا على المستوى اللفظي، أما المعنى فلا تبرز لنا الدراسات الأولى اهتماماً مباشراً به وكأنه قد حلّ في المرتبة الثانية بعد اللفظ.
ولقد شهد القرن الرابع الهجري تحوّلاً بارزاً في دراسات اللغة العربية، وتمثل هذا – في بعض وجوهه- في ظهور المؤلفات التي تناولت بالبحث الدقيق والمستقصي موضوع "إعجاز القرآن"، وبخاصة ما يتعلّق بفصاحته وبلاغته.
ولا شك أن مؤلفات "إعجاز القرآن" قد سبقت بدراسات أولى انصبّت على تناول بعض آيات القرآن الكريم متفرّقة وإظهار ما فيها من معان وبيان بإبراز جمال لفظها وإعرابها. بل لقد تناول بعض الدارسين معاني القرآن من خلال إعرابه. ولعلّ من أوائل هذه الدراسات كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (المتوفى سنة 188هـ)، وكتاب "معاني القرآن" للنحوي الكوفي أبي زياد الفرّاء (المتوفى سنة 207هـ).
ولكن هذا التوجه أخذ مساراً مختلفاً حين أرسيت معالم الفرق الإسلامية، وظهر لكل فرقة عدد من العلماء (أي المتكلمين). فاستغل بعضهم موضوع "إعجاز القرآن" للترويج لمذهبه. وفي واقع الأمر اختلف تناول هؤلاء لإعجاز القرآن عمّا عهد لدى السابقين من علماء اللغة والنحو، وأصبح التوجه يقتضي إظهار جمال بلاغة القرآن الكريم وفصاحته ليس من حيث لفظه فحسب بل من حيث معانيه وتراكيبه.
ويرى بعض الدارسين المحدثين أن موضوع "إعجاز القرآن" و"البلاغة" أشبه بالتوأمين اللذين يشقّ على المتأمل أن يميز بينهما. بل إن دراسة علوم البلاغة – عند أسلافنا- والعناية بها كان السبيل لفهم الإعجاز القرآني.
إنّ كتاب "الصناعتين" ليعتبر بحقّ الحدّ الفاصل بين دراسات علماء الكلام – وبخاصة أصحاب المذاهب الإسلامية المختلفة – ودراسات اللغويين النحويين. فقد أدرك أبو هلال العلاقة القائمة بين معرفة الفصاحة وإعجاز القرآن الكريم، وآثر ألا يخوض فيما خاض فيه علماء الكلام في موضوع الإعجاز والفصاحة. وهو يشير في ختام فصله القصير عن معاني الفصاحة والبلاغة – لغة ومصطلحاً- إلى هذا، فيقول: "وليس الغرض في هذا الكتاب سلوك مذهب المتكلمين. وإنما قصدت فيه مقصد صنّاع الكلام من الشعراء والكتاب، فلهذا لم أطل الكلام في هذا الفصل".

-4-الفصاحة في القرن الخامس الهجري:
أما الفصاحة في القرن الخامس للهجرة فقد خاض غمارها درساً وتحليلاً غير واحد من الدارسين. ويظهر أن علماء الكلام كان لهم النصيب الأكبر في "الجدل" الذي دار حول دلالة الفصاحة ومفهومها. إذ نجد أن الحديث عن الفصاحة يتمحور حول بلاغة القرآن الكريم وإعجازه في عدد من المؤلفات من مثل: كتاب إعجاز القرآن للباقلاني الأشعري (المتوفى سنة 403هـ) والجزء السادس عشر الذي خصص لإعجاز القرآن من كتاب القاضي عبدالجبار الأسد آبادي المعتزلي (المتوفى سنة 415هـ): المغني في أبواب التوحيد والعدل، ثم كتاب دلائل الإعجاز والرسالة الشافية في إعجاز القرآن الكريم لعبدالقاهر الجرجاني الأشعري (المتوفى سنة 471هـ). وهناك مؤلفات لم يتمحور الحديث فيها حول إعجاز القرآن ككتاب ابن سنان الخفاجي (المتوفى سنة 466هـ): سر الفصاحة.
إن الدارس لهذه المؤلفات ليرى مدى اعتماد بعضها على بعض، بل ومناقشة بعضها بعضاً في النظرة إلى "الفصاحة" وعلاقتها بموضوع إعجاز القرآن. وقد يرى أيضاً أن بعض هذه المؤلفات قد يعزى إلى القرن الرابع الهجري وليس إلى القرن الخامس، من مثل كتاب الباقلاني، وكتاب القاضي عبدالجبار لأن صاحبيهما قد عاشا جلّ عمريهما في القرن الرابع الهجري وإن كانت وفاتهما في مطلع القرن الخامس.
غير أننا سنعرض مواقف هذين العالمين في هذا البحث لسببين:
1- إنّ وفاة كل منهما كانت في القرن الخامس الهجري.
2- إنّ آراءهما تعتبر الجسر الذي يوصل بين القرنين الرابع والخامس الهجريين.
ويمكننا إضافة سبب ثالث وهو: أن عبدالقاهر الجرجاني قد بنى آراءه في الفصاحة على مناقشة آراء سابقيه والرد عليهم، وبخاصة آراء المعتزلة المتمثلة فيما أورده القاضي عبدالجبار.

-5-القاضي الباقلّاني الأشعري:
أسلفنا أن مصطلح "فصاحة" اختص بوصف الألفاظ بمعنى الظهور والوضوح إلى قريب من نهاية القرن الرابع الهجري حين ربطه أبو هلال العسكري بمفهوم البلاغة، ونقله من وصف الألفاظ فحسب إلى وصف الألفاظ والمعاني. وهذا هو الذي أشار إليه كثير من الباحثين من التداخل أو الخلط بين مفهومي الفصاحة والبلاغة. ولذلك نجد الباقلاني وقد أدرك هذا الربط يشير إلى ما كان يدور آنذاك حول معنى "فصاحة" بقوله: وأما الفصاحة فقد اختلفوا فيها: فمنهم من عبّر عن معناها بأنه ما كان جزل اللفظ حسن المعنى. وقد قيل: معناها: الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس، على عبارات جليّة، ومعان نقيّة بهيّة".
وأيًّا كان التعريف الذي يتبناه الباقلاني فإنه يظهر بوضوح الاختلاف بين مواقف اللغويين القدماء ومواقف علماء الكلام. فلم تعد الفصاحة ترتبط بالظهور والوضوح والإبانة من حيث الاستخدام اللفظي فحسب، بل أضاف علماء الكلام المعنى إلى الشكل اللفظي الذي عبّر عنه آخرون بإضافة صفات من مثل: جزالة الألفاظ وحسن جرسها وسلامة نطقها.
وربما يعني هذا أن مؤلفي "إعجاز القرآن" من المتكلمين لم ينظروا إلى أيّ من الفصاحة أو البلاغة إلا بقدر دلالتها على المعاني الكامنة في الألفاظ بالإضافة إلى حسن نطقها. وقد يتطابق هذا مع نظرتهم إلى آيات القرآن الكريم لفظاً ومعنى.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-08-2016 - 08:08 AM ]


-6-القاضي عبدالجبار الأسد آبادي المعتزلي:
يقتبس القاضي عبدالجبّار تعريف شيخه المعتزلي أبي هاشم الجبائي (المتوفى سنة 321هـ) للفصاحة، وهو أنّ الكلام يكون "فصيحاً لجزالة لفظه، وحسن معناه، ولا بدّ من اعتبار الأمرين لأنه لو كان جزل اللفظ ركيك المعنى لم يعد فصيحاً، فإذن يجب أن يكون جامعاً لهذين الأمرين".
إنّ هذا ليوضح أن ارتباط الفصاحة باللفظ والمعنى يعزى إلى القاضي عبدالجبار. وهذا يعني اتفاق بعض الأشعرية والمعتزلة في أن الفصاحة لا تتعلّق باللفظ وحده كما رأينا عند متقدمي النحاة واللغويين. يضاف إلى ذلك أن تعلق الفصاحة بالمعنى قد سبق أبا هلال العسكري. وعلى هذا يكون الجبّائي هو أول من نادى به ثم تلقّف رأيه تابعوه وتلاميذه حتى أولئك الذين خالفوا مذهبه.
ويرى القاضي عبدالجبار أن فصاحة الكلام لا تتعلق بنظم معين "لأن الخطيب عندهم قد يكون أفصح من الشاعر والنظم مختلف، إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة". ويضيف: "وإنما يختصّ النظم بأن يقع لبعض الفصحاء يسبق إليه ثم يساويه فيه غيره من الفصحاء فيساويه في ذلك النظم، ومن يفضل عليه يفضل في ذلك النظم".
ويعلّق د. شوقي ضيف على كلام أبي هاشم الذي نقله تلميذه القاضي عبدالجبار، فيقول: "وكلام أبي هاشم صريح في أنّ النظم لا يصلح أن يكون مفسراً لفصاحة الكلام؛ لأن النظم قد يكون واحداً، ويفضل أديب صاحبه فيه. وكأنه يردّ بذلك على الجاحظ وأمثاله الذي يرجعون إعجاز القرآن إلى نظمه وطريقته، ويقول: إنه لا يوجد في الكلام إلا اللفظ والمعنى ولا ثالث لهما، وإذن فلا بد أن تكون الفصاحة راجعة إليهما بحيث يكون اللفظ جزلاً والمعنى حسناً".
وفي فصل آخر يقرر القاضي عبدالجبار أن "الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام؛ وإنما تظهر في الكلام بالضمّ على طريقة مخصوصة"، مع مراعاة صفة الكلمة وإعرابها وموقعها. وبهذه الوجوه "تظهر مزية الفصاحة"، دون ما عداها.
ولعل هذا "الضمّ" المشار إليه هنا هو ما سماه الجاحظ من قبل بـ"النظم" وبخاصة نظم القرآن الكريم.
ولكنّ هذا الموقف في "الوجه الذي له يقع التفاضل في فصاحة الكلام" لم يلق قبولاً لدى عبدالقاهر الجرجاني ذلك لأن القاضي عبدالجبار لم يعتبر المعنى من الوجوه التي تقع فيها مزية الفصاحة، فقد بين القاضي أنّ المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفق. (وسيأتي فيما بعد تحليل موقف عبدالقاهر الجرجاني إن شاء الله).
وأيًّا كان النقد الموجّه لآراء عبدالجبار، فقد تأثر به كل من ابن سنان الخفاجي وعبدالقاهر الجرجاني من ناحيتين: الأولى قوله باعتبار أن لكل كلمة صفة في الفصاحة، ثم لا بدّ من اعتبار مثله في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بضع. وهذا هو الأساس الذي بنى عليه ابن سنان بحثه للفصاحة.
والثانية: ظهور المزية التي تختص بها الكلمات في التقديم والتأخير الذي يختصّ الموقع، أو الحركات التي تختص الإعراب والذي تقع فيه المباينة بين الكلام. وهذا الذي ذهب إليه القاضي عبدالجبار هو الذي فسّره عبدالقاهر بتوخّي معاني النحو، وإن كان عبدالقاهر قد ردّ من قول القاضي عبدالجبار الجانب الذي لا يتفق ونظريته المذهبية في الإعجاز.

-7-عبدالقاهر الجرجاني الأشعري:
حاول عبدالقاهر الجرجاني منذ بداية كتابه (دلائل الإعجاز) أن يبيّن موقفه من الفصاحة ومقاييسها. ولم يكتف بعرض آرائه الخاصة بل تصدّى لنقد كل آراء من سبقوه سواء كانت آراء اللغويين أو آراء المتكلمين. ويمكن جعل آراء عبدالقاهر في ثلاثة محاور":
الأول: موقفه من الفصاحة ومقاييسها.
والثاني: تفنيده آراء النحويين واللغويين للفصاحة.
والثالث: ردّه آراء المتكلمين وبخاصة المعتزلة.

المحور الأول: موقف عبدالقاهر من الفصاحة ومقاييسها:
حدّد عبدالقاهر مفهوم الفصاحة في اللغة قائلاً إن الفصاحة في أصل اللغة هي "الإبانة عن المعنى بدلالة قولهم: فصيح وأعجم، وقولهم: أفصح الأعجمي، وفصح اللحان، وأفصح الرجل بكذا إذا صرّح به".
ويلاحظ أنّ عبدالقاهر الجرجاني هو أول من استخدم مصطلح (علم الفصاحة). ومع أن عبدالقاهر يجعل الفصاحة علماً فإنه يرفض أن يكون لها مقياس محدّد، بل يحتاج فيها إلى تحقيق وتدقيق بتفصيل القول فيها وبوضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم ثم عدّها وتسميتها، وبعد ذلك تكون المعرفة بها معرفة الصَّنَع الحاذق الذي يعلم أسرارها ودقائقها. ومثل من يبتغيها كمثل الصانع الذي يعرف جلّ أمور صناعته، ولا يتأتى ذلك إلا أن يبذل في هذا الأمر جهد غير يسير. وكذلك الفصاحة يحتاج الإنسان في ابتغائها إلى "صبر على التأمل، ومواظبة على التدبر، وإلى همَّة تأبى أن تقنع إلا بالتمام". وذلك أن أمرها مرتبط بإعجاز القرآن الكريم الذي هو كلام الله وليس كمثل كلام البشر.
وبعد هذا التمهيد يقع كلام عبدالقاهر في الفصاحة مرتبطاً بقضيتين كبيرتين، شغلتا النقاد والبلاغين العرب القدامى وبعض علماء الكلام، وهما: قضية اللفظ والمعنى، وقضية النظم.
ولما كان موقف عبدالقاهر من الفصاحة ومقاييسها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بهاتين القضيتين فإن هذا البحث سيلقي الضوء على ما يخص هذا الجانب اللغوي مع محاولة تجنب ما يتعلق منهما بموضوعات النقد الأدبي والبلاغة التي أشبعت درساً وتحليلاً ونقداً.
أ- موقف عبدالقاهر من الفصاحة هل هي في اللفظ أو في المعنى؟
لقد تبنى اللغويون العرب القدامى المناداة بأن الفصاحة صفة خاصة بالألفاظ مفردة كانت أو غير مفردة. وخصّ مفهوم الفصاحة بما يتعلق بنطق الألفاظ وجمال جرسها. وأدرك عبدالقاهر أن هذا التوجّه يتجاهل ناحية مهمة في اللغة وهي: المعنى، إذ الهدف من الألفاظ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيصال المعنى إلى أفهام الناس. ومن أجل ذلك أولى عبدالقاهر المعنى اهتماماً بالغاً بحيث جعله مقدماً على اللفظ، ويمكن ملاحظة رأي عبدالقاهر بالإشارة إلى النقاط التالية:
1- يرى عبدالقاهر أن الألفاظ خدم وتبع للمعاني في مواقعها. وكذلك فإن اللفظ تبع للمعنى في النظم. وأن الكلم تترتب في النطق بسببها ترتيب معانيها في النفس. ومعنى ذلك أن الإنسان إذا أراد التعبير عما يجول في نفسه فإن المعاني هي التي ترد على الذهن أولاً، ثم يبحث عن الألفاظ الملائمة لها. ولذلك يرفض عبدالقاهر فكرة أن المعاني تبع للألفاظ من أجل أن ترتيبها مكتسب من الألفاظ وترتبها في نطلق المتكلم. ومن هنا نراه يؤكد مرة بعد أخرى أن الألفاظ ما هي إلا خدم للمعاني ومصرّفة على حكمها.
2- وتبعاً لما تقدم، فإن موقف عبدالقاهر يتضح من خلال ما ينادى به من أن الفصاحة هي للمعاني لأنها "تدرك بالعقل لا بالسمع". وعلى ذلك فإن المعنى هو أحد مقاييس الفصاحة عند عبدالقاهر الجرجاني.
وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن عبدالقاهر لا يرى فصلاً بين مفهومي كل من الفصاحة والبلاغة، إذ هما "أوصاف راجعة إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها". ولذلك أشار أحد الدارسين المحدثين إلى أن عبدالقاهر قد خلط بين مفهومي المصطلحين "فالفصاحة والبلاغة عنده بمعنى واحد، ولا يمكن أن نفصل بينهما لأن الأولى لا تكون في الألفاظ وإنما في المعاني، ولذلك لا يقال في الكلمة المفردة: إنها فصيحة قبل أن تضم إلى غيرها من الكلمات مكونة جملاً وعبارات لها دلالة واضحة".
ويتضح موقف عبدالقاهر أيضاً من خلال عباراته الكثيرة التي أكد فيها تقدّم المعنى على اللفظ، وأن الفصاحة لا تتعلق باللفظ من حيث هو لفظ أو نطق حروف بملاءمة اللفظ لمعاني الألفاظ المجاورة له. فيقول: "وهل تجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟".
ويبدو أن عبدالقاهر قد ألح كثيراً على ترديد الفكرة نفسها، وقد شفع رأيه بعدد من الأمثلة وبخاصة الشعر. فتبين له من خلال بعض النماذج الأدبية أن الشعراء قد يستعملون ألفاظاً معينة، فتحسن هذه الألفاظ في مواضع ولا تحسن في أخرى، فيقول: "ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر". ويمثل عبدالقاهر على ذلك بلفظة "الأخدع" في قول الصمّة بن عبدالله:
تلفّت نحو الحيّ حتى وجدتني *** وجعت من الإصغاء لِيتا وأخدعا
وفي قول البحتري:
وإني وإن بلغتني شرف الغنى*** وأعتقت من رق المطامع أخدعي
أما أبو تمام فنراه يذكر (الأخدع) في بيته المشهور:
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد ***أضججت هذا الأنام من خرقك
ولا يرى الجرجاني هذا الاستعمال سليماً فيعلق على البيت بقوله:
"... فتجد لها (أي أخدعيك) من الثقل على النفس ومن التنغيص والتكدير أضعاف ما وجدت هناك من الروح والخفّة والإيناس والبهجة".
وبعد أن يورد عبدالقاهر عدداً من الأمثلة يخلص إلى النتيجة التالية التي تؤيد ما ذهب إليه سابقاً من أن الفصاحة لا تتعلق باللفظ من حيث هو لفظ مفرد وإلا لحسنت كلمة (الأخدع) مثلاً في جميع الاستخدامات السابقة، فيقول: "فلو كانت الكلمة إذا حسنت حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزية والشرف استحقت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها في النظم، لما اختلف بها الحال، و لكانت إما تحسن أبداً أو لا تحسن أبداً".
وقد يظن المتتبع لآراء عبدالقاهر الجرجاني أنه يجعل المزية (ويشمل ذلك الفصاحة أيضاً) في المعنى دون اللفظ، وهذا الظن غير صحيح لأنه على الرغم من إلحاحه المستمر على إبراز أهمية المعنى والترويج له لا ينسى أن صحة المعنى لا تتأتى إلا باختيار اللفظ الملائم له، فنراه يقول: "ويختار له – أي المعنى- اللفظ الذي هو أخصّ به، وأكتشف عنه، وأتمّ له، وأحرى بأن يسكبه نبلاً، ويظهر فيه مزية".
وقد تنبه لهذا عدد من الدارسين المحدثين، فهذا د. أحمد مطلوب يرى أن عبدالقاهر "هو من أنصار "الصياغة" من حيث دلالة هذه الصياغة على جلاء الصورة الأدبية". ولعلّ هذه "الصياغة" هي التي عناها عبدالقاهر بمصطلحه المشهور "النظم".
ب- موقف عبدالقاهر من فصاحة النظم:
لقد بيّن عبدالقاهر الجرجاني أن الكلام الفصيح ينقسم إلى قسمين:
1- قسم تعزى المزية والحسن فيه إلى اللفظ.
2- وقسم يعزى ذلك فيه إلى النظم.
وهذا يعني أن عبدالقاهر لم ينكر قط فصاحة الألفاظ، ولكنه لم يرد أن يفسر الإعجاز بها. وهذا ما قد توصلنا إليه آنفاً.
أما فصاحة "النظم" فتتضح من خلال تأكيد عبدالقاهر أن الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات بل تكون فيها إذا ضمّ بعضها إلى بعض، ولا يكون ذلك إلا من أجل معانيها لا من أجل أنفسها. وهو لذلك يقسم الكلام إلى قسمين:
1- مؤتلف: وهو الاسم مع الاسم، والفعل مع الاسم.
2- وغير مؤتلف: وهو ما عدا ذلك كالفعل مع الفعل، والحرف مع الحرف.
ويلخص عبدالقاهر رأيه في النظم الذي هو "توخّي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه فيما بين معاني الكلم"، وأن الفصاحة لا تظهر إلّا بوضع اليد "على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم". ولذلك نجد عبدالقاهر يوضّح فيما بعد معنى النظم بقوله: "واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخلّ بشيء منها".
ويلاحظ أن كلام عبدالقاهر في فصاحة النظم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بموقفه من قضية "إعجاز القرآن الكريم" وفصاحته، فنراه يقول: "... أعجزتهم مظاهر ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه".
والفصاحة بعد ذلك ترتبط باللفظ والمعنى متعلقين بنظم الكلمات والمعاني. ولهذا نجد عبدالقاهر يعود ليؤكد أن تفاضل الكلمات المفردة لا يتأتى من غير أن ينظر إلى مكان تقع فيه من التأليف والنظم. ثم يضيف أن النظم يحدّده المعنى إذ هو الأساس الذي ينبني عليه النظم. ويفرّق عبدالقاهر بين نظم الحروف في كلمات، ونظم الكلم في جمل؛ فإن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط"، وليس نظمها بمقتضى عن معنى. ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسماً من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تحراه، وأما نظم الكلم فليس فيه كذلك لأنك تقتضي في نظمها آثار المعاني، وترتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس، فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو النظم الذي معناه ضمّ الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق.
وقد حاول د. أحمد مطلوب تفسير موقف عبدالقاهر الجرجاني في النظم، قائلاً: "ولعل الغرض الديني كان دافعاً إلى هذا الرأي، لأن كلمات القرآن الكريم عربية نطق بها الشعراء الخطباء وتداولها الناس، وليس لها مزية وهي مفردة لا يضمها سلك يوحد بينها ويجمع متفرقها، ولكي يظهر عبدالقاهر إعجاز القرآن ويردّ ما كان يشيع في البيئات المختلفة اتجه إلى نظرية النظم ليسد بها المسالك ويفند آراء المختلفين، ويوقف طعنات الحاقدين".
وتناول عبدالقاهر شرحاً وتحليلاً من خلال النماذج الأدبية بالتركيز على موقع الفصاحة فيها. ونراه في هذا المجال يركز على النماذج التي لها دلالة بلاغية خاصة كالكنايات والاستعارات وغيرها. أما الكناية فيرى أن موضوعها "أنك تثبت بها معنى لا يعرف السامع ذلك المعنى من اللفظ ولكنه يعرفه من معنى اللفظ".
ويتضح قول عبدالقاهر من خلال تعريفه للكناية بأنها "إثبات المعنى أنت تعرف ذلك المعنى من طريق المعقول دون طريق اللفظ".
ويضرب لذلك مثلاً القول المشهور: فلان كثير رماد القدر. فيرى أن المعنى الذي نستشفه من هذا القول أبلغ منه في قولنا المعنى بلفظ مباشر: هو كثير القرى والضيافة.
وكذلك الاستعارة ارتبطت عند عبدالقاهر بالمعقول لا باللفظ الظاهر، فهو يعرّفها بقوله: "إنما هي ادعاء معنى الاسم للشيء لا نقل الاسم عن الشيء".
وهذا هو الذي عناه عبدالقاهر حين جعل الكناية والاستعارة والمجاز أيضاً ضرباً من الاتساع والعدول باللفظ عن الظاهر" والفصاحة بعد ذلك وصف يجب للكلام من أجل مزية اكتسبها من المعنى لا من اللفظ مجرداً عن المعنى. وهذا يعني أن النظم الجديد في الكنايات والاستعارات قد أكسب الألفاظ معاني لم تكن لتوحيها خارج هذا النظم.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-08-2016 - 08:19 AM ]


المحور الثاني: موقف عبدالقاهر من النحويين واللغويين في مقاييسهم للفصاحة:
في ضوء ما عرفنا من موقف عبدالقاهر من الفصاحة ومقاييسها فإننا ندرك إنكاره لمواقف عدد من اللغويين الذين قصروا فهمهم للفصاحة على الألفاظ. إذ يأخذ عليهم قصورهم وخطأهم من حيث إنهم لم يدركوا حقيقتها. بل إنه ليشكك في قدرتهم على تبيّن مفهوم "علم الفصاحة". فهم مقلدون لشيوخهم القدامى، إذ انصبّ اهتمامهم على حفظ كلام الأولين ومدارسته فحسب. وكذلك يأخذ عليهم أنهم يقرأون، في كتب "البلغاء" ضروب كلام قد وصفوا اللفظ فيها بأوصاف تتعلق بالشكل الخارجي لنطق الألفاظ دون إدراك لدلالتها. فنراهم يقرأون أقوالاً من مثل: لفظ متمكن من غير قلب، ولا ناب به موضعه، وأنه جيّد السبك. صحيح الطابع، وأنه ليس فيه فضل عن معناه.
ثم هم يرددون مصطلحات شيوخهم ولكنهم يخفقون في تفسيرها. ويمثل عبدالقاهر على هذا بمصطلح "الجزالة" الذي لا نجدهم يفسرونه بشيء.
ويلاحظ أن عبدالقاهر قد أغفل ذكر أسماء اللغويين صراحة إلا ما كان قد ذكره عن أبي العباس ثعلب (المتوفى سنة 291هـ) في كتابه "الفصيح". فقد ألف أبو العباس ثعلب كتابه "فصيح الكلام" مبيناً أن الفصاحة تتعلق بصورة نطق الألفاظ المفردة وبكثرة استخدامها عند العرب المسمين بالفصحاء. ولا يعير ثعلب المعنى أو التركيب أي اهتمام. ولما كان هذا الموقف لا يتلاءم وموقف عبدالقاهر فإنه قد أفرد للرد على آراء ثعلب ومن شايعوه فصلاً في دلائله وعنونه بـ: "جهل القائلين بفصاحة اللفظ وكشف شبهتهم". وفيه يتناول هؤلاء بالنقد اللاذع. من ذلك قوله: "ولقد بلغ من قلة نظرهم أن قوماً لما رأوا الكتب المصنفة في اللغة قد شاع فيها أن توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، ورأوا أن أبا العباس ثعلباً قد سمى كتابه "الفصيح" مع أنه لم يذكر فيه إلا اللغة والألفاظ المفردة ... سبق إلى قلوبهم أن حكم الوصف أينما كان، وفي أي شيء كان، أن لا يكون له مرجع إلى المعنى البتة، وأن يكون وصفاً للفظ في نفسه ومن حيث هو لفظ ونطق لسان".
ولما كان أمر الفصاحة قد ارتبط باللفظ والنطق وبتأليف الحروف والأصوات في أذهان اللغويين الأقدمين، فإن عبدالقاهر يأخذ عليهم جهلهم وتغاضبهم عن أهمية المعنى وأحقيته في أن تنسب الفصاحة إليه. فإن المعنى "في وصف الألفاظ المفردة في الفصاحة أنها في اللغة أثبت، وفي استعمال الفصحاء أكثر"، وفصاحة المعنى كذلك "أجرى على مقاييس اللغة والقوانين التي وضعوها". ويحلو للجرجاني أن يذكِّر اللغويين بالمعنى اللغوي للفصاحة على ما أصّل في اللغة وهو "الإبانة عن المعنى بدلالة قولهم: فصيح وأعجم ..."، ومن أجل ذلك فإنه لو كان وصف اللغويين للكلمات "المفردة بالفصاحة من أجل وصف هو لها من حيث هي ألفاظ ونطق لسان، لوجب إذا وجد كلمة أن يقال: إنها فصيحة على صفة اللفظ أن لا توجد كلمة على تلك الصفة إلا وجب لها أن تكون فصيحة".
ويضرب عبدالقاهر أمثلة من كتاب ثعلب لم يوفّق اللغويون ببيان فصاحتها وفضيلتها، من مثل ادعاء ثعلب أن نَقِهْتُ (بكسر القاف) الحديث (أي فهمتُه) أفصح منه بالفتح. ولا يرى أن ذلك مسوّغ لوصف الكلمة بالفصاحة من أجل وزنها وطريقة نطقها وإلا لزمت هذه الطريقة كل فعل بوزنها "أن يكون الكسر فيه أفصح من الفتح".
ويضيف عبدالقاهر مثالاً آخر وهو أن ثعلباً يرى أن "الشَّمَع (يفتح الميم) أفصح من الشَّمْع (بإسكانه). ويرفض عبدالقاهر هذا الادعاء محتجًّا بأن لا علاقة بين فتح الحرف وإسكانه إلا أن يكون ذلك من أجل المعنى، ومن ثم فإن من المحال أن تكون لفظة الشمَع (بفتح الميم) أفصح من الشمْع (بإسكانها).
ولا يقتصر نقاش عبدالقاهر على الأمثلة التي تختلف فيها حركات حرف معين، بل يضيف مثالاً تختلف فيه الصيغة من فَعَلَ إلى أفْعَل. فقد أودع ثعلب كتابه ما يكون فيه صيغة فعل أفصح من أفعل في عدد من الألفاظ، من مثل: دعوى ثعلب أن وَقَفْتُ (الدابة) أفصح من أوْقَفْتُ ويتساءل عبدالقاهر عن سرّ ذلك ومغزاه: "أفترى أنه حدث في الواو والقاف والفاء بأن لم يكن معها الهمزة فضيلة وجب لها أن تكون أفصح".
لقد لحظ عبدالقاهر أن اللغويين قد أداروا مفاضلتهم في الفصاحة على مثل هذين الأمرين، وهما إما تغيير بعض الحركات بادعاء الفصاحة في بعضها دون بعض؛ وإما تغيير الصيغة كفعل أو أفعل أو العكس. ولما كان هذا لا يفيد في إيصال المعنى إلى أفهام الناس، فلا ضرورة البتة من تبنّي مثل هذه المواقف، وعلى اللغويين وأشياعهم ضرورة التنبه إلى مواطن الفصاحة الحقيقية ومقاييسها. وينهي عبدالقاهر فصله هذا بعبارة قاسية يبين فيها رفضه لآراء اللغويين واتجاههم إذ يقول: "وكفى برأي هذا مؤداه تهافتاً وخطلاً".

المحور الثالث: موقف عبدالقاهر الجرجاني من المعتزلة ومقاييسهم للفصاحة:
أشار عدد من الدارسين المحدثين إلى تأثر عبدالقاهر الأشعري بالقاضي عبدالجبّار المعتزلي. فيرى د. شوقي ضيف أن المعتزلة والأشعرية التقيا في قولهم – في مقياس الفصاحة- بما سمّوه جميعاً "النظم". وإذا كان الباقلاني قد أخفق في توضيح هذه الفكرة، فإن عبدالقاهر قد بنى عليها كتابه (دلائل الإعجاز). وهو يقترب في تفسيره اقتراباً شديداً من ا لقاضي عبدالجبار على الرغم من محاولته المستمرة نقض ما جاء به القاضي.
أما تأثر عبدالقاهر بالقاضي عبدالجبار، فيتمثل في موقف الأخير من أن "حسن النغم وجمال اللفظ لا معتبر لهما في الفصاحة مع أنهما يزيدان الكلام رونقاً وبهاء". فنرى أن عبدالقاهر يردّد هذه الفكرة كثيراً في كتابه، إذ ينكر أن يكون أي جمال لفظي له شأن في الفصاحة.
وأما نقض عبدالقاهر لرأي القاضي عبدالجبار فيتمثل في مناقشته لعبارة القاضي عبدالجبار التي أشرنا إليها من قبل، ومؤداها "أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضمّ على طريقة مخصوصة". إذ توهم عبدالقاهر أن القاضي قد أراد بالضمّ مجرد ضمّ اللفظ إلى اللفظ من غير اتصال يكون بين معنييهما. وهو مما يخالف موقفه من الفصاحة، إذ إنه لا يصح ذلك "لأنه لو جاز أن يكون لمجرد ضمّ اللفظ إلى اللفظ تأثير في الفصاحة لكان ينبغي إذا قيل: ضحك خرج، أن يحدث من ضمّ خرج إلى ضحك فصاحة".
ويتبع عبدالقاهر "تفنيده" لرأي القاضي عبدالجبار بالإشارة إلى أن معنى الضمّ يجب أن يتوخي فيه معنى من معاني النحو فيما بين الكلمات المتضامّة فيقول متابعاً كلامه السابق: "وإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون المعنى ضمّ الكلمة إلى الكلمة توخي معنى من معاني النحو فيما بينهما"، ويكون بذلك عبدالقاهر قد جمع المعنى إلى النظم في نقضه على القاضي عبدالجبار موقفه من الفصاحة.
أما تعبير القاضي "على طريقة مخصوصة" فيرى عبدالقاهر أن ذلك يوجب توخي معنى من معاني النحو، وذلك "أنه لا يكون للطريقة – إذا أنت أردت مجرد اللفظ- معنى".
وإذا أعدنا النظر في النتائج التي توصل إليها عبدالقاهر فإننا نلمس مدى تأثره الواضح بآراء عبدالجبار، ولكنه يخفي هذا التأثر بأن يطوّع آراء القاضي لرأيه لكيلا يبدو تابعاً في آرائه للقاضي عبدالجبار، حيث يضيف: "وهذا سبيل كل ما قالوه إذا أنت تأملته تراهم في الجميع قد دفعوا إلى جعل المزية من معاني النحو وأحكامه من حيث لم يشعروا، ذلك لأنه أمر ضروري لا يمكن الخروج منه".
ولكن باحثاً محدثاً لا يرى عبدالقاهر محاكياً آراء سابقيه وإن أقرّ بتأثر عبدالقاهر بهم "لأن النظم لدى السابقين لم يكن مقصوداً عن عمد، ولا مدروساً بطريقة مباشرة، وإنما هو شيءٌ نابعٌ من ملاحظات العلماء حين يؤخذون بجمال الشعر أو الإعجاز في القرآن". أما النظم عند عبدالقاهر "فهو عمل مدروس" وهو محور كتابه دلائل الإعجاز. وهكذا ينفي هذا الباحث أن يكون عبدالقاهر قد استقى نظريته في النظم من المعتزلة – من الجاحظ أو من القاضي عبدالجبار- بل يرى أنه استقاها من "منابع عديدة تتصل باللغة والنحو والمنطق".
وأيًّا كان الأمر، فإننا نميل إلى ما ذكره الدكتور شوقي ضيف من أن القاضي عبدالجبار قد سبق عبدالقاهر في نظرته في أن مقياس الفصاحة يكون بضم الكلم بعضه إلى بعض، وتعلّقه بعضه ببعض. إذ هي النظرية "التي توسع عبدالقاهر في شرحها بدلائل الإعجاز، حتى ليعدّ كتابه تفسيراً مفصّلاً لما أجمله عبدالجبار في فصله القصير الذي يتحدث عن الوجه الذي له يقع التفاضل في فصاحة الكلام".

-8-ابن سنان الخفاجي ومقاييس الفصاحة عنده:
ألف ابن سنان كتابه "سرّ الفصاحة" في محاولة لوضع نظرية خاصة تتناول أصول الفصاحة وشروطها ومقاييسها ليفيد منها كل من الأدباء والدارسين في اللغة والبلاغة.
فلقد أحس ابن سنان أن عدداً ممن الدارسين السابقين والمعاصرين له خلطوا بين مفهومي الفصاحة والبلاغة فحاول منذ بداية حديثه أن يقدم موقفه من الفصاحة ومفهومها ليكون ما يقدّمه حدًّا واضحاً يشمل كل ما ينضوي تحت الفصاحة. والفصاحة لديه مرتبطة بالظهور والبيان، و"البيان" قد يعني "الفصاحة" أيضاً. وسمى ابن سنان الكلام الفصيح بياناً وذلك "لإعرابه عما عُبِّر به عنه وإظهاره له إظهاراً جليًّا".
أما البلاغة عنده فهي: "عبارة عن حسن الألفاظ والمعاني" وعلى الرغم من إدراك ابن سنان لخلط الدارسين في عصره لمفاهيم البلاغة والفصاحة، فإنه يقرّ ما جاء عمّن قبله من قصر الفصاحة على وصف الألفاظ. وهكذا يكون التداخل بين التعريفين إذا التقيا في وصف الألفاظ وافترقا في أن البلاغة جمعت المعاني إلى جانب اللفظ. وقد خلص ابن سنان إلى نتيجة ارتضاها عدد من الدارسين، وهي أن: "كل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغاً". ولكنه مع ذلك يصرّ على إبقاء الفصاحة في ظل البلاغة ويمثل هذا الموقف قوله: "الفصاحة شطرها – أي البلاغة- وأحد جزأيها".
اعترف ابن سنان بمحاولات السابقين له لفهم الفصاحة وإدراك مواطنها، فأشار إلى محاولات الجاحظ (المتوفى سنة 255هـ) وأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي (المتوفى سنة 370هـ). ولكنها لم تكن في نظره مستوفية كل جوانب الفصاحة، فرأى أن يضع كتابه ليبيّن للناس حقيقة الفصاحة ومواقعها. ثم بدأ كلامه بالتأكيد أن الفصاحة هي نعت للألفاظ، ولا تتحقق إلا إذا توافرت لهذه الألفاظ شروط محددة هي التي نرجح صلاحيتها لتكون مقاييسه للفصاحة. وقد قسم ابن سنان هذه الشروط إلى قسمين: الأول يتعلق باللفظة الواحدة على انفرادها من غير أن ينضمّ إليها شيء من الألفاظ وتؤلف معه. والثاني يوجد في الألفاظ المؤلفة – أي في التركيب-.
وقرّر ابن سنان أنّه إن تكاملت في الألفاظ الشروط والمقاييس التي يضعها فإن الألفاظ تكتسب فصاحة لا مزيد عليها. أما إذا لم تتوافر هذه الشروط أو إن وجدت أضدادها فإن هذه الألفاظ تستحق الاطراح والذم.
وقد حدد ابن سنان ثمانية شروط لفصاحة اللفظة المفردة هي:
1- أن يكون تأليف تلك اللفظة من حروف متباعدة المخارج.
2- أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسناً ومزية على غيرها، وان تساويا في التأليف من الحروف المتباعدة.
3- أن تكون الكلمة – كما قال أبو عثمان الجاحظ- غير متوعرة وحشية.
4- أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية.
5- أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة.
6- أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره، فإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وإن كملت فيها الصفات السابقة.
7- أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف.
8- أن تكون الكلمة مصغّرة في موضع عبر بها فيه عن شيء لطيف أو خفي أو قليل مما يجري مجرى ذلك فهي تحسن به.
وقد أولى الدارسون هذه الشروط الثمانية أهمية كبيرة فقاموا بدراستها وتحليلها ونقدها أيضاً.
غير أن ابن سنان لم يكتف بالشروط المذكورة أعلاه بل لقد زاد عدداً من الشروط فوق هذه الثمانية تتصل بفصاحة الألفاظ المؤلفة؛ فذكر أن من شروط الفصاحة ما سماه "المناسبة بين اللفظين"، وهي على ضربين: الأول منهما هي مناسبة بين اللفظين عن طريق الصيغة، إذ لهذه المناسبة تأثير في الفصاحة. ومن أمثلته ما رواه أبو الفتح عثمان بن جنّي (المتوفى سنة 392هـ)، قال: قرأت على أبي الطيب (المتنبي) قوله:
وقد صارت الأجفان قرحاً من البكا***وصار بهارا في الخدود الشقائق
(بهارا: وهو زهر أصفر، ومفردها بهارة).
فقلت: قرحى، فقال: إنما قلت: قرحا لأن قلت بهارا.
وهذا هو الذي أشار إليه ابن سنان بقوله: "فهذه المناسبة التي تؤثر في الفصاحة، والشعراء والحذّاق يعتمدونها".
ويضيف ابن سنان إلى هذه الشروط: السجع والازدواج. ويشترط ابن سنان أن يأتي السجع طوعاً سهلاً وتابعاً للمعاني. ويضرب لذلك أمثلة بعضها من القرآن الكريم. وبعضها الآخر لشعراء وكتاب ممن يستخدمون السجع الدال على الفصاحة. وهو في احتجاجه يختار النماذج الأدبية الراقية التي تتلاءم وشرطه للفصاحة. وكان لا يجد حرجاً من الاحتجاج بأشعار أبي تمام والبحتري والمتنبي، وبالكتاب من أمثال أبي هلال الصابي (المتوفى سنة 384هـ)، وابن العميد (المتوفى سنة 360هـ). وهذا يعني عدم تقيده بشروط اللغويين القدماء للحدود الزمانية والمكانية للفصاحة ومقاييسها. والضرب الثاني هو المناسبة بين اللفظين عن طريق المعنى، وهي أيضاً على وجهين:
أحدهما أن يكون معنى اللفظتين متقارباً، والثاني أن يكون أحد المعنيين مضاداً للآخر أو قريباً من المضاد، وهذا هو الذي سماه البلاغيون بالمطابق (وسماه قدامة بن جعفر: المتكافئ).
ومن أمثلة ابن سنان قول المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ***وأنثني وبياض الصبح يغرى بي
ويعلق عليه بقوله: "فهذا البيت مع بعده من التكلّف، كل لفظة من ألفاظه مقابلة بلفظة هي لها من طريق المعنى بمنزلة الضدّ: فأزورهم وأنثني، وسواد وبياض، والليل والصبح، ويشفع ويغرى، ولي وبي ...".

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-08-2016 - 08:36 AM ]


وكذلك زاد ابن سنان شرطاً آخر جعله أيضاً من شروط البلاغة وهو: الإيجاز والاختصار وحذف فضول الكلام، الذي يعني التعبير عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة. وقد أقر ابن سنان أن السابقين قد قسّموا الكلام في دلالة الألفاظ على المعاني ثلاثة أقسام:
أحدهما: المساواة: هو أن يكون المعنى مساوياً للفظ.
والثاني: التذييل: وهو أن يكون اللفظ زائداً على المعنى وفاضلاً عنه.
والثالث: الإشارة: وهو أن يكون المعنى زائداً على اللفظ.
ويدل تعليق ابن سنان على هذه الأقسام أن "المختار في الفصاحة والدال على البلاغة هو أن يكون اللفظ القليل يدل على المعنى الكثير دلالة واضحة ظاهرة، لا أن تكون الألفاظ لفرط إيجازها قد ألبست المعنى وأغمضته حتى يُحتاج في استنباطه إلى طرف من التأمل ودقيق الفكر".
والغموض عند ابن سنان مغاير لمعنى الفصاحة أي الظهور والبيان، ولذلك جعل من شروط الفصاحة والبلاغة أن يكون معنى الكلام واضحاً ظاهراً جليًّا. ولكن سبباً آخر آثار ابن سنان لوضعه هذا الشرط (المقياس) وهو ما ذكره أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الذي زعم "أن الحسن من الشعر ما أعطاك معناه بعد مطاولة ومماطلة، والحسن من النثر ما سبق معناه لفظه" إذ فرّق أبو إسحاق بين الشعر والنثر على حين أن ابن سنان يجد أن لا "فرق بينهما".
ويأخذ ابن سنان هذه الفكرة فيذكر الأسباب التي لأجلها يغمض الكلام على السامع، وإذا غمض فإنه يفقد فصاحته. وهذه الأسباب ستة: اثنان منها في اللفظ بانفراده، واثنان في تأليف الألفاظ بعضها مع بعض، واثنان في المعنى.
ثم يفصل ابن سنان هذه الأسباب ويمثل لكل منها، فيرى أن السببين المتعلقين باللفظ بانفراده هما أن تكون الكلمة غريبة من وحشي اللغة إذ إنّ استعمالها "نقص في الفصاحة التي هي الظهور والبيان"، وأن تكون الكلمة من الأسماء المشتركة في اللغة، كالصدى الذي هو العطش والطائر والصوت الحادث في بعض الأجسام. غير أن استعمال هذه الألفاظ قد يحسن في "فصيح الكلام" إذا كان في اللفظ دليل على المقصود، ومثله قول أبي الطيّب:
ودع كلّ صوت دون صوتي فإنني *** أنا الطائر المحكّي والآخر الصدى
فإن الصدى في البيت لا يشكل بالصدى الذي هو العطش.
أما السببان المتعلقان بالتأليف فهما: إفراط الإيجاز وإغلاق اللفظ. ومن شروط الفصاحة والبلاغة أيضاً أن يسلم الكلام منهما.
ويدرك ابن سنان أنه قد قدّم أن من شروط الفصاحة والبلاغة الإيجاز (الذي هو التعبير عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة)، فيتساءل عن كيفية التوفيق بين الموقفين؟ وتكون الإجابة أنّه لا يقف عند الجائز والممتنع في الفصاحة، وإنما كلامه "على الأفصح والأحسن".
وأما السببان اللذان في المعاني فهما: دقّة المعنى في نفسه، وحاجته إلى الإطالة بأصل قد بني عليه. ويؤكد ابن سنان أن الظهور والفصاحة يقتضيان أن يحسّن المتكلّم العبارة عن المعنى و يبالغ في إيضاح الدلالة. وكذلك يحتاج السامع إلى إحكام الأصل قبل أن يقصد إلى فهم الفرع. ويحتاج المخاطِبُ أيضاً إلى ذكر المقدمات إذا كان غرضه أن يفهم المخاطَب كلامه.
وأضاف ابن سنان شرطاً آخر من نعوت البلاغة والفصاحة هو الإرداف والتتبيع، ويفسره بأن تراد الدلالة على المعنى فلا يستعمل اللفظ الخاص لموضوع له في اللغة، بل يؤتى بلفظ يتبع ذلك المعنى ضرورة، فيكون في ذكر التابع دلالة على المتبوع. ويمثل له ببيت عمر بن أبي ربيعة:
بعيدة مهوى القرط أما لنوفل***أبوها وأما عبد شمس وهاشم
وقد أراد ابن أبي ربيعة وصف المرأة بطول العنق، فعدل عن هذا الوصف وأتى بلفظ يدل عليه، فقال: "بعيدة مهوى القرط". وهذا من المبالغة في الوصف. وهذه المبالغة تعتبر حسنة.
ويرى ابن سنان كذلك أن من "نعوت الفصاحة والبلاغة أن يراد معنى فيوضح بألفاظ تدلّ على معنى آخر". ومن خلال أمثلته التي عرضها نجد أن ابن سنان يميل إلى أن يكون غرض الأديب ما يجعل فيه تمثيل المعنى بإخراجه من الناحية المعنوية إلى الحسّ والمشاهدة. ومثّل على ذلك بقول الرّماح بن ميادة:
ألم تك في يمنى يديك جعلتني*** فلا تجعلني بعدها في شمالكا
ويعلق ابن سنان بأن الشاعر أراد "أني كنت عندك مقدّماً فلا تؤخرني، ومقرّباً فلا تبعدني. فعدل في العبارة عن ذلك إلى أنّي كنت في يمينك، فلا تجعلني في شمالك، لأن هذا المثال أظهر إلى الحسّ".
أما أمثلة هذا الشرط في النثر فالكناية المشهورة "أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى".
ومن شروطه الأخرى أيضاً فصاحة الاستعارة والكناية، ولقد فصّل ابن سنان في أوجه الفصاحة في هذين اللونين البلاغيين، فأما الاستعارة فلها "تأثير في الفصاحة ظاهر، وعلقه وكيدة" ويتناول ابن سنان من ضمن ما قدمه من الأمثلة تلك التي توافرت بها "شروط الفصاحة" في الاستعارة؛ وبعض الاستعارت القبيحة من مثل استعارة أبي تمام المشهورة في قوله:
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد ***أضججت هذا الأنام من خرقك
ويوضّح ابن سنان أن (أخادع الدهر) من أقبح الاستعارات، وأبعدها مما استعيرت له. وما ذلك من أبي تمام إلا من سوء توفيقه. أما السبب الذي قبحت فيه هذه الاستعارة فهو أن أبا تمام قد بنى استعارة على استعارة ولم يبن استعارته على حقيقة. إذ إن مراده أن ينسب إلى الدهر الجور والميل؛ والميل والإعراض إنما يكونان بانحراف الأخدع وازورار المنكب، ولذلك نسبهما أبو تمام إلى الأخدع".
وأما الكناية فتكون أصلاً من أصول الفصاحة، وشرطاً من شروط البلاغة حين يكنى عن أمر ما في المواضع التي لا يحسن فيها التصريح.
ومن أمثلته على حسن الكناية قول المتنبي:
تدّعي ما ادعيت من ألم الشو ق إليها والشوق حيث النحول
ويرى ابن سنان أن الكناية حسنت هنا "لأنه كنّى عن كذبها فيما ادعته من شوقها بأحسن كناية".

موقف ابن سنان من حدود الاحتجاج الزمانية والمكانية:
لم يتقيّد ابن سنان بالحدود الزمانية والمكانية للاحتجاج، تلك الحدود التي جعلها علماء اللغة الأوائل شرطاً في تفضيل أشعار المتقدمين على شعر المحدثين كافة بحجة هي "مجرّد التقدّم في الزمان". وذكر في فصل عنوانه "في ذكر الأقوال الفاسدة في نقد الكلام" أسباب هذا التفضيل وهي: "أن المتقدمين سبقوا إلى المعاني في أكثر الألفاظ المؤلفة، وفتحوا طريق الشعر، وسلك الناس فيه بعدهم، وجروا على آثارهم، فلهم فضيلة السبق التي لا توازيها فضيلة".
وادعى آخرون أن العلّة تكمن في "أن هذه الأشعار المتقدمة كانت تقع من قائلها بالطبع من غير تكلف ولا تصنع". وعزا بعض اللغويين عزوفهم عن أشعار المحدثين إلى أن هذه الأشعار "تقع بتكلف وتعمّل". وهذا مما لم يقع في أشعار المتقدمين إذ الفرق بينهما أن ما "وقع بالطبع أفضل مما صدر عن التكلف".
وقد حاول ابن سنان مناقشة هذه الآراء مبيّناً أوجه ضعفها. ولم يكتف بما قدّمه في هذا الفصل بل جعل آراءه مبثوثة في ثنايا كتابه. ثم شرع في تفسير سبب تفضيل المتقدمين والاستشهاد بأشعارهم فقدّم كلامه بموقفه الذي يقرّر فيه أن "تقدم الزمان غير موجب لذلك، وإنما موجبه أن العرب الذي يتكلمون باللغة العربية ولا يخالطون أحداً ممّن يتكلم بغير لغتهم هم الذين أقوالهم حجة في اللغة، والعرب الذين خالطوا غيرهم من العجم وفسدت لغتهم بالمخالطة لا يستدل بكلامهم".
والحق أن هذا هو موقف المتشددين من علماء العربيّة الأوائل، غير أن ابن سنان اتسع في مجال الاحتجاج فأجازه عن أي قوم شريطة أن يكونوا في "بعض القفار النائية عن العمارة ... لا يخالطون غيرهم". وقد أضاف شرطاً آخر وهو أن يكونوا "قد أخذوا اللغة عن مثلهم، وكذلك إلى حين ابتداء الوضع". وفي هذه الحالة فقط يمكن أن يكون "قولهم حجة كأقوال المتقدمين وإن كانوا محدثين".
لقد اعترف ابن سنان أن أعراب عصره لم يعودوا فصحاء كما كان أجدادهم، بل هم محتاجون إلى أن يتعلموا الفصاحة إذ لم تعد لديهم طبعاً وسليقة. ويقرر ابن سنان أنهم "الآن محتاجون إلى اقتباس اللغة من الحضر، وإصلاح المنطق بأهل المدر". ويشير إلى الحدود الزمانية التي فرضها القدماء في الاحتجاج، فيعلّل أن عدم الاحتجاج بأعراب عصره ليس له تعلق بالزمان بل سببه أن هؤلاء العرب قد تحضروا بعد الإسلام فخالطوا الأرياف والحضر والأعاجم وفارقوا البداوة فحدث أن "عدم منهم الطبع السليم الذي كانوا عليه قبل هذه المخالطة، فهم لا يحتج بكلامهم لهذه العلة، لا لأن القدم والحدوث سببان في الصواب والخطأ".
وأدرك ابن سنان كذلك أن مخالطة الأعراب متفاوتة. وهذا له أثره في فصاحتهم، فيعقب على كلامه السابق بقوله: "ولهذه العلة تختلف العرب في كلامهم بحسب تباينهم في المخالطة، فتجد اليوم من بعد منهم عن الحضر أكثر من غيره إلى الصواب أميل، ومن جانبه أقرب".
وإذا افترض أن من الأعراب في عصره من لو كانوا في بعض الصحارى النائية عن العمارة، وكانوا محافظين في لغتهم على عادة المتقدمين في البدو، ومتمسكين بطبعهم وجارين على سجيتهم "كان على هذا الغرض قولهم حجة واتباعهم واجباً". ولكن هذا غير حادث في عهد ابن سنان لأنه لا يعدو كونه افتراضاً محضاً.
وقد تنبه ابن سنان إلى بعض مواطن الخطأ في نطق أعراب عصره. فأشار إلى الخلط في نطق الضاد والظاء لديهم قائلاً: "فقلّ من رأيت من فصائحهم اليوم من يفرق بينهما في كلامه"، وهم لذلك محتاجون إلى التعليم وتصحيح نطقهم إذ إنهم "قلّما يتفق منهم العدول عن النطق بحرف من الكلام إلى حرف آخر والشبه فيهما قوي".

موقف ابن سنان من الاحتجاج بشعر بعض شعراء عصره:
سبق أن أشرنا إلى أن ابن سنان لا يعتد بتقدّم الزمان سبباً لاحتجاجه بشعر الشاعر، ولذلك لم يكن ليتحرّج من الاستشهاد بأشعار المتأخرين حتى شمل ذلك بعض شعراء عصره. ولكنه – وهو الذي عني بالنواحي الجمالية للتعبير – كان يشير إلى مواطن الحسن وإلى ضدها معللاً ومفسراً سبب حسنها أو قبحها. وكان ابن سنان يحاور الشعراء في موضوعات أشعارهم بل وفي ألفاظهم المستخدمة وصورهم التعبيريّة. فقد لحظ ابن سنان أن بعض شعراء عصره كانوا يتعمدون استخدام الغريب والوحشي عادين ذلك من الفصاحة، وكان ابن سنان يقول لشعراء عصره: "إن سررتم بمعرفتكم وحشي اللغة، فيجب أن تغتموا بسوء حظكم من البلاغة".
ويروي ابن سنان أنه جرى في أحد المجالس ذكر أبي العلاء المعري فوصفه أحد الحاضرين بالفصاحة مستدلاً على ذلك "بأن كلامه غير مفهوم لكثير من الأدباء". ولما كان هذا الاستدلال لا يتوافق ومقاييس ابن سنان في الفصاحة فإنه يهب معترضاً ومبيناً حقيقة أمر الفصاحة بقوله: "إن كانت الفصاحة عندك بالألفاظ التي يتعذر فهمها، فقد عدلت عن الأصل المقصود أولاً بالفصاحة التي هي البيان والظهور. ووجب عندك أن يكون الأخرس أفصح من المتكلم، لأن الفهم من إشاراته بعيد عسير، وأنت تقول: كلما كان أغمض وأخفى كان أبلغ وأفصح".
وقد أيد موقفَ ابن سنان أحدُ أدباء عصره وهو أبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب (المتوفى سنة 427هـ) فأقر بأنه لا يفهم كثيراً مما يقوله أبو العلاء المعري، وأضاف: "إلا أنه على قياس قولك يجب أن يكون ميمون الزنجي الذي نعرفه أفصح من أبي العلاء لأنه يقول ما لا نفهمه ولا أبو العلاء أيضاً".
وأبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب هذا يذكره ابن سنان في موضع آخر مثنياً على بعض شعره الذي يراه متوافقاً مع أحد شروطه للفصاحة. من ذلك ما ورد في أثناء حديثه عن الشرط الذي يقضي بأن تكون الكلمة مصغرة في موضع عبّر بها فيه عن شيء لطيف أو خفي أو قليل أو ما يجرى مجرى ذلك. ومن أمثلته قول صاعد بن عيسى:
إذا لاح من برق العقيق وُمِيْضَة *** تدقّ على لمح العيون الشوائم

ويعلق ابن سنان على هذا البيت بقوله: "أفلا تراه لما أراد أنها خفيّة تدقّ على من ينظرها حسن التصغير في العبارة عنها".
وشكا ابن سنان أيضاً من ولوع شعراء عصره وكتاب أهل زمانه بتكرار الألفاظ. وقد رآه بعضهم فنًّا اتبعوه، فوصف ابن سنان كلامهم هذا الذي يتعارض مع بعض شروطه للفصاحة بقوله: "وما أعرف شيئاً يقدح في الفصاحة ويغض من طلاوتها أظهر من التكرار لمن يؤثر تجنبه، وصيانة نسجه، إذ كان لا يحتاج إلى كبير تأمل، ولا دقيق نظر، وقلما يخلو واحد من الشعراء المجيدين أو الكتاب من استعمال ألفاظ يديرها في شعره، حتى لا يخلّ في بعض قصائده بها. فربما كانت تلك الألفاظ مختارة، يسهل الأمر في إعادتها وتكريرها، إذا لم تقع إلا موقعها، وربما كانت على خلاف ذلك".
ولحظ ابن سنان أن أحد شعراء عصره وهو: مهيار بن مرزوية (المتوفى سنة 428هـ) كان "ممن غُري بلفظة طين وطينة" فكان يكررها في كل أشعاره. وهو وإن كان يضعها موضعها اللائق بها مرة فإنه كان يتكلف استعارتها لما لا يليق بها أخرى. وقد علّق ابن سنان على عمل مهيار بقوله: "فهذا وإن لم يكن محموداً عندي، فهو أصلح من التكرار في القصيدة الواحدة أو البيت الواحد".
ومما يلاحظ أن ابن سنان قد أكثر من ذكر أبي العلاء المعري إذ يبدو أنه كان معجباً به ومعتداً بتتلمذه عليه. إذ كثيراً ما يقدمه ويشير إليه بقوله "شيخنا". ويمكن حصر استشهاد ابن سنان بأبي العلاء المعري في النقاط الثلاث التالية:
1- الاستشهاد بما حسن من شعره وتعبيره: فمن ذلك قول ابن سنان في موضوع الاستعارة: ومن الاستعارة المحمودة التي كأنها حقيقة قول شيخنا أبي العلاء:
وكأن حبّك قال حظكَ في السّرى*** فاُلْطمْ بأيدي العيس وجه السَّبْسَب
وهذا من قربه لو قيل إنه حقيقي غير مستعار جاز ذلك، وإن كان على محض الاستعارة أحسن وأحمد".
2- ذكر ما لم يحسن من شعر أبي العلاء إذ لم يكن إعجاب ابن سنان بالمعري وتتلمذه عليه برادّه عن أن يذكر بعض معايب تعبيره كما في حديثه عن (المجانس) وهو فن ورد في شعر أبي العلاء، وسماه (مجانس التركيب)؛ لأنه يركب من الكلمتين ما يتجانس به الصيغتان، كقوله:
مطايا مطايا وجدكنَّ منازلٌ *** منى زلّ عنها ليس عني بمقلع

وفي تعليقه على البيت يعلن ابن سنان عدم رضاه عنه إذ يقول:
"وما أحفظ لأحد من الشعراء شيئاً من قبيله، وهو عندي غير حسن ولا مختار ولا داخل في وصف من أوصاف الفصاحة والبلاغة".
3- ذكر بعض أقوال أبي العلاء في الحكم على جمال الشعر وقبحه، ومن ذلك قول المعري: "إن من الشعر ما يصل إلى غاية لا يمكن تجاوزها".

الخاتمة
لقد كان مقياس الفصاحة لدى معظم اللغويين العرب القدماء ممّن يهتمون بجمع الألفاظ وإيراد معانيها والاستشهاد بها مقياساً خارجيًّا منصبًّا على عنصري الزمان والمكان، ولا يحفل بمعايير داخلية تخص الكلمة نفسها وترتيبها الداخلي ونوع حروفها وتآلفها وتنافرها وشروط نصاعتها وقوة تأثيرها.
ولكننا نرى، من بعد، أن مقياس الفصاحة قد اتسع لدى البلاغيين فشمل النواحي الخارجية المتصلة بالزمان والمكان، كما شمل النواحي الداخلية التي تتناول مقومات الكلمة نفسها. فمن حيث الزمان والمكان لم يخرج البلاغيون عن الحدود الزمانية والمكانية التي وضعها اللغويون قبلهم إلا في أضيق الحدود من مثل ما أشرنا إليه في ثنايا البحث من استشهاد بأشعار أبي تمام والمتنبي وأبي العلاء. غير أن هذا وحده لم يكن كافياً عندهم، إذ ليس ممكناً في اعتقادهم كون الكلمة فصيحة بمجرد عرضها على مقياس شكلي خارجي مع إهمال ما لها من مقومات ذاتية. بل ليس ممكناً عندهم أن تعتبر فصاحة الكلمة في ذاتها دون النظر إلى ما يجاورها من كلمات أو يكتنف الموقف الكلامي من ملابسات.
ولا شك أن اختلاف النظرة إلى وظيفة الكلمة في اللغة هو الذي سبب هذا الاختلاف بين اللغويين و البلاغيين، فاللغويون يهتمون بسلامة اللفظة ونقائها ومن ثمّ الاطمئنان إليها حتى يمكن الاستشهاد بها واستخدامها في الكلام. والبلاغيون يهتمون بالتراكيب وسلاستها وما يقوم به ائتلاف الحروف والكلمات من دور في ذلك.



رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-08-2016 - 08:37 AM ]


مصادر البحث ومراجعه
أ- المصادر:
1- ابن جنّي، عثمان: الخصائص، ط. بيروت (بدون تاريخ).
2- ابن رشيق القيرواني: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، دار الجيل، بيروت، ط5، 1981م.
3- ابن سنان الخفاجي: سرّ الفصاحة، دار الكتب العلمية، بيروت 1402هـ/ 1982م.
4- ابن فارس الرازي، أحمد: الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها، تحقيق مصطفى الشويمي، بيروت، 1963م.
- مجمل اللغة، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1984م.
5- ابن منظور:
لسان العرب، دار صادر، بيروت (بدون تاريخ).
6- ابن النديم، محمد بن إسحق: الفهرست، دار المعرفة، بيروت، 1978م.
7- أبو عبيد، القاسم بن سلام الهروي: غريب الحديث، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند، 1384هـ/ 1964م.
8- أبو هلال، الحسن بن سهل العسكري: الصناعتين، القاهرة. 1952م.
9- الباقلاني، أبو بكر محمد بن الطيب، إعجاز القرآن، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف بمصر، الطبعة الثالثة، 1971م.
10- ثعلب، أبو العباس أحمد بن يحيى: فصيح الكلام، بتحقيق الدكتور عاطف مدكور، دار المعارف، القاهرة، 1983م.
11- الجرجاني، عبدالقاهر – دلائل الإعجاز في علم المعاني بتحقيق عبدالمنعم خفاجي، دار المعرفة للطباعة النشر، بيروت، 1402هـ/ 1981.
- الرسالة الشافية، نشر ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، ط2، 1968.
12- الجرجاني، علي بن محمد بن علي: التعريفات، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1985م.
13- الرّماني، أبو الحسن علي بن عيسى: النكت في إعجاز القرآن الكريم، نشر ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، دار المعارف بمصر، ط2، 1968م.
14- الزمخشري، محمود بن عمر، أساس البلاغة، 1979م.
15- السيوطي، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1979م.
16- القاضي عبدالجبار الأسد آبادي: المغني في أبواب التوحيد والعدل، الجزء السادس عشر، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1380هـ/ 1960م.
ب- المراجع
1- إبراهيم أنيس: من أسرار اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، الطبعة السابعة، 1985م.
2- إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الثقافة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1983م.
3- أحمد أحمد بدوي: عبدالقاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربية، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والطباعة النشر، القاهرة، بدون تاريخ.
4- أحمد مطلوب: - أساليب بلاغية، بغداد، 1980.
- عبدالقاهر الجرجاني- بلاغته ونقده-، بيروت، 1973.
- مصطلحات بلاغية، بغداد، 1972.
5- البدراوي زهران: عالم اللغة عبدالقاهر الجرجاني، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1986.
6- توفيق علي الفيل: الفصاحة: مفهومها وبم تتحقق قيمها الجمالية، حوليات كلية الآداب – جامعة الكويت. الرسالة السابعة والعشرون، 1985م.
7- جلال محمد عبدالحميد موسى: نشأة الأشعرية وتطورها، دار الكتاب اللبناني، 1982م.
8- جواد علي: لهجة القرآن الكريم، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد الثالث، 1954م.
9- دائرة المعارف الإسلامية (باللغة الإنجليزية): مادة فصاحة.
10- درويش الجندي: نظرية عبدالقاهر في النظم، دار نهضة مصر، 1960م.
11- رمضان عبدالتواب: فصول في فقه العربية، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1983م.
12- شوقي ضيف: البلاغة تطور وتاريخ، دار المعارف، القاهرة، الطبعة السادسة، 1983م.
13- صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة السادسة، 1976م.
14- عبدالجليل عبدالرحيم: لغة القرآن الكريم، مكتبة الرسالة، عمان 1401هـ/ 1981م.
15- عبدالقادر حسين: أثر النحاة في البحث البلاغي، دار نهضة مصر، القاهرة، 1975م.
16- عبدالكريم السالم الحياري: مخطوطة رسالة دكتوراه باللغة الإنجليزية.
Rheroric in al –Mahtal al- Sa’ir- Ibn al-Athir’s Contribution to ‘Ilm al-Balaghah, University of Cambridge, 1986.
17- عبده الراجحي: فقه اللغة في الكتب العربية، بيروت، 1972م.
18- علي عبدالواحد وافي: فقه اللغة، القاهرة، الطبعة السابعة، القاهرة، 1972م.
19- ماهر مهدي هلال: جرس الألفاظ ودلالتها في البحث البلاغي والنقدي عند العرب، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980م.
20- محمد بركات أبو علي: فصول في البلاغة، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، 1983م.
21- محمد جابر فياض: مفهوم الفصاحة لغة واصطلاحاً، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد 36، ج1، آذار، 1985م.
22- محمد حنيف فقيهي: نظرية إعجاز القرآن عند عبدالقاهر الجرجاني عن كتابه: أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، بيروت، 1401هـ/ 1981م.
23- محمد علي رزق الخفاجي: علم الفصاحة العربية – مقدمة في النظرية والتطبيق -، دار المعارف، القاهرة، 1979م.
24- محمد مندور: في الميزان الجديد، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة (بدون تاريخ).

رد مع اقتباس
إضافة رد


ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
البحث البلاغي بالمغرب خلال القرن الثامن الهجري مصطفى شعبان البحوث و المقالات 0 07-16-2017 06:49 AM


الساعة الآن 08:50 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by