مصطلحاتنا اللغوية بين التعريب والتغريب
د. مصطفى طاهر الحيادرة
كلية المعلمين- حائل- السعودية
مفهوم المصطلح:-
تعود كلمة (المصطلح) إلى الأصل (صلح) الذي هو نقيض الفعل (فسد) وقد وردت مشتقات الفعل (صلح) في التنزيل وفي أحاديث النبي الكريم والمعاجم المختلفة، لكن إذا نظرنا في مشتقات الفعل (اصطلح) فإننا لا نجد أيًّا من مشتقاتها في القرآن الكريم بل ترد في عدد من أحاديث النبي الكريم مثل :"ثم يصطلح الناس على رجل"، و "فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة"، و"هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبدالله وسهيل بن عمرو"، و "لقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه".
أما المعاجم اللغوية فإنها تورد الجذر دون أن تقيِّده بمعنى محدد، وأول معجم لغوي تناولها هو معجم تاج العروس للزبيدي بقوله:"والاصطلاح: اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص".
أما في الاصطلاح فإننا نجد الجرجاني يقدم له عدداً من التعريفات؛ فهو يعرفه بأنه "عبارة عن اتفاق يقوم على تسمية الشيء باسم ينقل عن موضعه الأول"، وبقوله:" إخراج اللفظ عن معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما، وقيل الاصطلاح اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى، وقيل الاصطلاح إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد، وقيل الاصطلاح لفظ معين بين قوم معينين .
والناظر في تعريفات الجرجاني يجد أن بعضها يحتاج إلى ضوابط ليصبح صحيحاً سائغاً. ولسنا هنا بصدد الحديث عن مواطن الضعف في بعض التعريفات ولكن تكفي الإشارة إلى أن جعل المصطلح ناشئاً عن اتفاق قوم يحتاج مزيد نظر؛ ذلك أن إيجاد المصطلح لا يحتاج بالضرورة إلى اجتماع واتفاق، فقد يبتكره شخص ثم يضعه في أبحاثه ومؤلفاته، ثم يجد فيه الآخرون غناء فيأخذونه.
وبذلك قد يكون الاتفاق لاحقاً لوضع المصطلح. وفي مقابل ذلك نجد تعريفات أخرى مما يقدمه الجرجاني أجدر بالأخذ بها من غيرها، وبخاصة تلك التعريفات التي تشير إلى انتقال اللفظة أو نقلها للدلالة على معنى جديد غير المعنى اللغوي السابق مع وجود صلة أو رابط بين المعنى الجديد والمعنى اللغوي القديم.
وفي العصر الحديث يقدم محمود حجازي التعريف الآتي بوصفه أفضل تعريف أوروبي اتفق عليه المتخصصون في علم المصطلح، وهذا التعريف هو:"الكلمة الاصطلاحية أو العبارة الاصطلاحية: مفهوم مفرد أو عبارة مركبة استقر معناها، أو بالأحرى استخدامها وحُدِّد في وضوح. هو تعبير خاص ضيق في دلالته المتخصصة، واضح إلى أقصى درجة ممكنة، وله ما يقابله في اللغات الأخرى، يرد دائماً في سياق النظام الخاص بمصطلحات فرع محدد، فيتحدد بذلك وضوحه الضروري، ومن ينعم النظر في هذا التعريف الأخير يجده يركز على جانبين مهمين من جوانب المصطلح: أَولهما وضوح المصطلح؛ إذ يُطلَبُ وضوحه إلى أقصى درجة ممكنة، والآخر ورود المصطلح في سياق النظام الخاص بفرع محدد، لكن اشتراط أن يكون له ما يقابله في اللغات الأخرى أمر ربما يضعف هذا التعريف.
من هنا نجد أن من المناسب اختيار هذا التعريف بعد الاستغناء عن شروط المقابلة أو أن نأخذ بالتعريف الآخر الذي يورده محمود فهمي حجازي بقوله:"المصطلح اسم قابل للتعريف في نظام متجانس؛ يكون تسمية حصرية – تسمية لشيء ويكون منظماً في نسق ويطابق دون غموض فكرة أو مفهوماً" .
واقع المصطلح الحديث:
لقد أحس العلماء بأهمية المصطلح ومكانته وضرورة وضع أسس تتبع في وضع المصطلحات والتعامل معها، فنشأ تبعاً لهذا الإحساس ما يمكن تسميته بعلم المصطلح على يد كل من السوفييتي Lotte والنمساوي Wuster. وهذا العلم –حسب تعريف المنظمة العالمية للتقييس: دراسة ميدانية لتسمية المفاهيم التي تنتمي إلى ميادين متخصصة من النشاط البشري باعتبار وظيفتها الاجتماعية". ويعرفه علي القاسمي بأنه "العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية والمصطلحات اللغوية التي تعبر عنها وتتمثل الوظيفة الأساسية لهذا العلم في دراسته الأنظمة المفاهيمية والعلائق التي تربطها داخل حقل معرفي معين، بضبط دقيق للمفاهيم والدلالات، وجرد مستفيض للألفاظ الحاملة لها قصد إيجاد المقابلات الملائمة لها من حيث الشكل والمضمون باحترام صارم للمقاييس اللغوية المتعارف عليها والمعمول بها .
وتأسس بعد ذلك عدد من المراكز والمؤسسات التي أخذت على عاتقها مسؤولية متابعة أمر المصطلحات والتنظير لها؛ ومن أبرز هذه المراكز مركز المعلومات الدولية للمصطلحات (الانفوتيرم Infoterm) الذي تأسس بناء على اتفاق بين اليونسكو والمعهد النمساوي للمصطلحات.
وسعى هذا المركز (الانفوتيرم) لإرساء أسس النظرية العامة لعلم المصطلحات التي تهدف للعناية بما يأتي:-
المفاهيم من حيث طبيعتها وخصائصها وأنظمتها والعلاقات فيما بينها.
مكونات المصطلحات وتراكيبها واختصاراتها.
العلاقات اللغوية للمصطلحات من حيث التخصص.
التقييس والتوحيد للمصطلحات.
كما جعل المركز من أعماله متابعة ما يتصل بالتوثيق والمعلومات في مجال المصطلحات وذلك بجمع المطبوعات المصطلحية من كل أنحاء العالم، سواء تلك المتصلة بالأسس والمعايير أو مجموعة المصطلحات المتخصصة وتقديم المعلومات عن المطبوعات الصادرة والمشروعات الجارية.
أما في عالمنا العربي فقد تأخرت العناية بالمصطلحات إلى وقت متأخر، ومع هذا فقد اقتصرت الجهود العربية على مجموعة البحوث التي وضعها عدد من العلماء وبثوها في المجلات وعقد الندوات التي تسعى إلى توحيد منهجيات وضع المصطلح؛ ومن أبرزها تلك التي عقدت في الرباط سنة 1981، وتلك التي عقدت في عمان سنة 1993. ومع هذا فإن مجموعة الأسس والقواعد التي تم طرحها في هذه البحوث وهذه الندوات لم تجد التطبيق الفعال لها؛ إذ إن ذلك يقتضي وجود مؤسسة راعية تسهم في إرساء هذه الأسس وتفعيلها، وتقدّم الدعم الكافي لها لتأخذ مكانها المناسب في الدراسات والبحوث ليتسنى لها الاستقرار والشيوع بين المتخصصين.
أركان المصطلح:-
ينبغي قبل متابعة واقع المصطلحات وأساليب البناء المتبعة أن نتوقف عند أركان المصطلح وأبرزها:
1. المفهوم: وهو الركن الأساسي من أركان المصطلح ولسنا هنا بصدد الحديث عن الصورة المادية كما تعرَّض لها دي سوسير فذلك أمره أمر آخر. وعند النظر في مصطلح (المفهوم) وما تشير إليه هذه اللفظة من مدلول نجد أن فيلبر يعرفه بقوله:"هو تمثيل عقلي للأشياء الفردية، وقد يمثل شيئاً واحداً أو مجموعة من الأشياء الفردية تتوافر فيها صفات مشتركة" (11 ) كما يمثل عنده المحور الأساسي للنظرية العامة للمصطلحات ونقطة البداية لأي عمل مصطلحي (12). ونظراً لأن المفاهيم صور ذهنية تحتاج إلى تقريب وتحديد في ذهن السامع أو القارئ فإن السبيل إلى ذلك يتم بطرق ثلاث هي:-
أ. تحديد المفاهيم في حد ذاتها. وذلك عن طريق ذكر عناصرها أو أجزائها، أو بذكر الأمثلة عليها، أو عن طريق تعريفها دون ربطها بغيرها من المفاهيم.
ب. تحديد المفاهيم في علاقاتها بعضها ببعض وكما يعبر عنها في البناء المعرفي وتتحقق وجوديًّا في أشكالها اللسانية؛ كأن تعرّف التركيب في اللغة بأنه مجموعة الكلمات التي تتألف فيما بينها لتؤدي معنى وصف المفاهيم بالشكل اللساني الذي تتزيا به فيما إذا كانت مصطلحاً أو جملة أو تعبيراً لمعرفته في اللغة الواحدة، نحو تعريف الفعل بأنه ما دل على حدث مرتبط بزمن محدد، وتعريف المصدر بأنه الكلمة التي تدل على حدث غير مقترن بزمان محدد .
وهذا الأمر يتطلب من العاملين في حقل المصطلحات الوعي التام بالمفاهيم، وما يحددها من أصناف وخصائص ووظائف وعلاقات؛ ذلك أن لكل مفهوم بيئته التي ينتمي إليها ويتحدد مساره وفقها. ويرى ساجر أن "المفاهيم تتميز في كونها تنطوي على علاقات تتشكل بوساطة علاقات مجاورة… وأن المفاهيم الجديدة يمكن أن تتشكل عن طريق ربطها بمفاهيم أخرى" . كما أن العلاقات بين موضوعات العالم الواقعي متعددة ومتنوعة، فجزء هام من تشكل المفهوم "يكمن في اختيار العلاقات الخاصة بين خصائص المفاهيم، وكذلك بين المفاهيم وحتى الأشياء ؛ ذلك أن العلاقات بين المفاهيم تمثل مجموعة تحتية لعلاقات محتملة وفي بيئة معرفية مقسمة إلى حقول موضوعية خاصة فإن المفاهيم يرتبط بعضها ببعض سواء أكانت منتمية للمجموعات التحتية ذاتها أم لغيرها. كما أن مفاهيم حقول الموضوعات ذاتها تكون مترابطة إما بطبيعتها الخاصة، وإما بروابط الحياة الواقعية للموضوعات التي تمثلها " .
من هنا تحتاج المفاهيم المختلفة إلى عمليات تنظيم توفر على الباحثين الجهد والعناء، وتسهِّل عليهم ربط المفاهيم الجديدة والطارئة بالمفاهيم الواضحة والمستقرة وتحديد المواقع المناسبة للمفاهيم الجديدة. وهذا ما قامت نظرية المفاهيم لتحقيقه.