الخلاف في كتابة (إذا) (إذن) ليس خلاف كتابة فقط بل هو مرتبط بالوقف عليها فمن يقف عليها باﻷلف كتبها باﻷلف وذلك هو المكتوب في القرآن وبها يكون الوقف فيه أيضا ( الرسم القرآني لايقاس عليه لكن النطق القرآني هو اﻷفصح).. ومن يقف عليها بالنون كتبها بالنون.. واﻷمر فيه سعة فيجوز الوجهان في ذلك.
والنَّحويون قد اختلفوا في رَسْمِ ( إِذَنْ ) بالنُّونِ أو بالتَّنوينِ ، والوقفِ عليها على الآراء الآتية :
الرأي الأول : وهو كتابتها بالألف ،
ومن حججهم :
1 . أنّها تشبهُ النونَ الخفيفةَ والتنوينَ ، في نحو : ﴿ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِية ﴾ .
2 . أنّها تُشْبِهُ نونَ ( لَدُن ) التي تُبْدَلُ أَلِفاً .
3 . أنّ الوقفَ عليها يكونُ بالألفِ .
4 . أنَّ رَسْمَ المصاحِفِ على كَتْبِها بالألف .
قال به ابنُ قتيبة ، وابن مالك في التسهيل ، وابن هشام .
ونُسِبَ هذا الرأيُ إلى المازنيّ ، كما نَقَلَهُ عنه أبو حيان في شرح التسهيل ، ونَقَلَهُ عنه أيضاً المالقيُّ. وفي نِسبته إليه اضطرابٌ سيأتي بيانُه.
قال الرُّمانيُّ: وهو الاختيارُ عند البصريين .
الرأي الثاني : وهو كتابتها بالنون ،
ومن حججهم :
1 . أنّ النونَ فيها أصليّةٌ كنونِ ( عَنْ ) و ( مَنْ ) و ( أَنْ ) .
2 . أنّها في الأصلِ مركّبةٌ من ( إِذْ ) و ( أَنْ ) ، ونُونُ ( أَنْ ) لا تُبْدَلُ . وهو قولٌ عن الخليلِ .
3 . أنّها حرفٌ ، والحروفُ لا يدخلها التنوينُ ،وهذه حُجَّةٌ قويَّة ؛ لأنّها حرفُ جوابٍ وجزاءٍ .
قال به المبرّدُ ، ونُسِبَ إليهِ أنّه قالَ : ( أَشتهي أنْ أكوي يَدَ مَنْ يكتب ( إِذَنْ ) بالألف ) .
وقال به أيضاً ابنُ درستويه ، والزَّنجانيّ وابنُ عُصفور .
ونُسبَ هذا الرأي أيضاً إلى المازنيِّ كما نَقَلَهُ عنه الرَّضي ، والمراديّ ، وابنُ هشام .
قال المرادي : وفي نِسبةِ هذا الرَّأي للمازنيّ نظرٌ ؛ لأنّه إذا كان يرى الوقفَ عليها بالنُّونِ كما نُقِلَ عنه فلا ينبغي أنْ يكتبها بالألفِ .
قال الرُّمانيّ : وهو الاختيار عند الكوفيين .
الرأي الثالث : أنّها إذا أُلغيت عن العملِ كُتِبَت بالألفِ ؛ لضعفِها . وإذا أُعملت ونَصَبتِ الفِعْلَ بعدَها كُتبت بالنونِ ؛ لقُوَّتِها .
وهو رأيُ الفرّاء.
الرأي الرابع : أنّها إنْ وُصلت في الكلامِ كُتِبَتْ بالنُّونِ ، عَمِلَت أم لم تَعْمَل ، كسائِرِ الحروف ، وإذا وُقِفَ عليها كُتِبَتْ بالألِفِ ؛ لأنّها إذ ذاك مُشَبَّهَةٌ بالأسماءِ المنقوصة في عَدَدِ حروفِها ، وأنّ النُّونَ فيها كالتنوينِ ، وأنّها لا تَعْمَلُ في الوقفِ مُطْلَقاً .
وهو رأيُ المالقيّ واختيارُه .
والمتأمّل في عبارة الزّنجاني يجد أنّه لم يُخَطِّئْ كتابَتَها بالألف ، بل أجازَ الوجهين ، وألزم من يريدُ كتابتها بالألف أنْ يُنوِّنَ بالشَّكْلِ .
وقد وجدتُ الزّنجانيّ كَتَبَها بِخَطِّ يَدِهِ في ( الكافي ) غيرَ مَرَّةٍ بالألف ( إذاً ) ، ووَضَعَ لها تنويناً ، عِلْماً بأنّه قال : (( لكن الأَوْلى أن تُكْتَبَ بالنون ... )) ، فوافَقَ الكوفيين في رأيِهِ ، ووافَقَ البصريين في استخدامِهِ ، ولعلَّ سبب ذلك أنّه أراد مُجاراةَ كُتَّابِ عَصْرِهِ آنذاك ، إذ لاحظْتُ أنّه - في مسائل فصل الهجاء - يلتزمُ الكتابةَ الشّائعةَ المشهورةَ .
والله أعلم