وهذه النصوص تعطينا في الكلمة أربع لهجات :
الأولى : الحضض بضـاضين الثانية : الحظظ بظاءين
الثالثة : الحضظ بضاد بعدها ظاء الرابعة : الحضذ بضاد بعدها ذال
وقد روي البيت باللهجتين الثانية والثالثة . والذي أراه أخذاً من نصوص اللغويين أن الكلمة بضاضين وبظاءين لهجتان مشهورتان ، وأما الضـاد وبعدها الظاء فلهجة قليلة يدل على ذلك قول شمر : لم أسمع الضـاد مع الظاء إلا في هذا" " ، وأما اللهجة الرابعة فنادرة .
3. ضنيـن وظنيـن .
في قوله تعالى : ( وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) " " .
قرئ بالضـاد والظاء في ( ضنين ) " "
1 ـ فقـد قرأ عبد الله بن مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وعائشة ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن جبير ، وعروة بن جندب ، ومجاهد ، وغيرهم من السبعة وابن كثير ( بظنين بالظاء ) . وقرأ عثمان ، وابن عباس أيضاً ، والحسن ، وأبو رجاء ، والأعرج ، وأبو جعفر ، وجماعة غيرهم ، وباقي السبعة بالضـاد " " .
2 ـ وجاء في معاني القرآن للفراء وحدثني قيس بن الربيع عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال : أنتم تقرءون ( بضنين ) ببخيل ونحن نقرأ ( بظنين) بمتهم، وقرأ عاصم وأهل الحجاز وزيد بن ثابت ( بضنين) وهو حسن" "
3 ـ ويقول الطبري وبالضـاد خطوط المصاحف كلها " " .
4 ـ وفي الكشاف وهو في مصحف عبد الله بالظاء وفي مصحف أبيّ بالضاد" "
5 ـوجاء في المصاحـف القديمة لجفري أن ظنيناً جاء بالظاء في مصاحف ابن عباس ، وعائشة ، وورد عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤه الظنين بالظاء " " .
6 ـ وقد ورد أن ( المكتوب في مصحف الإمام بالضـاد ) " " وقد ورد أيضاً : ( وهو رسم الإمام وسائر المصاحف العثمانية ) " " .
وهذا يفسر قول الطبري من أن المقصود بالمصاحف كلها : المصاحف العثمانية وتفيد النصوص التي عرضناها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما ويؤكد ذلك الزمخشري " " ، والقراءات الواردة بهما متواترة " " .
وتفيد النصوص السابقة أيضاً أن بعض القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما .
وإذا رجعنا بالقراء إلى البيئات التي انتسبوا إليها أو عاشوا فيها مدة طويلة فإننا نستطيع أن نقول : إن النطق بالضـاد والظاء ينسب إلى البيئة الحجازية الغربية ، وإلى بيئة البدو في وسط الجزيرة وشرقها . وكان يقطن بيئة البدو هذه قيس وتميم وأسد " " . وقد ورد النطق بالظاء عن الكسائي وأبي عمرو .
وكان الكسائي ربيباً لبني أسد وينسب أبو عمرو ابن العلاء إلى بني تميم " " . وجاء النطق بالظاء عن ابن كثير وهو مكي " " ، وعلى هذا فالنطق بالظاء وارد في البيئة الحجازية في مكة وفي البيئة الشرقية في تميم وأسـد .
وورد النطق بالضـاد عن نافع وهو مدني " " ، وجاء عن ابن عامر وهو شامي تميمي " "
وورد عن حمزة الكوفي وكان مولى لآل عكرمة " " ، وعكرمة تؤول إلى قيس " " . وجاء عن عاصم بن أبي النجود وهو من بني أسـد " " .
وعلى هذا فالنطق بالضـاد وارد في بيئة الحجاز في المدينة وفي بيئة البدو الشرقية في تميم وقيس وأسـد .
وإذا رجعنا إلى من اتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه وجدنا النطق بالظاء لدى عائشة وروته عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وجاء النطق بالظاء عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وابن الزبير وهؤلاء جميعاً من البيئة الحجازية . وجاء النطق بالضـاد عن عثمان رضي الله عنه وهو قرشي " " .
وجاء النطق بالضـاد والظاء معاً عن عبد الله بن عباس وزيد بن ثابت وهما من بيئة الحجاز فالأول ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، والثاني من كتاب الوحيّ ، وإذا كان النطق بالضـاد والظاء نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا غرابة أن ينسب إليهما .
وإذا كان ظنين بمعنى متهم ، وضنين بمعنى بخيل فالمعنيان واردان في بيئة الحجاز ، فالمعنى الأول لهذيل ، والثاني لقريش " " .
ويرجح الدكتور أنيس رأي ابن جرير الطبري الذي يقول : ( وأولى القراءتين في ذلك بالصواب ما عليه خطوط مصاحـف المسلمين متفقة ، وإن اختلفت قراءتهم به ، وذلك بضنين بالضـاد لأن ذلك كله كذلك في خطوطها ) " " .
ويخلص الدكتور أنيس إلى أن القراءة بالظاء إنما كانت على أساس لهجة بعض العرب القدماء ممن كانوا ينطقون بالضـاد ظاء " " . ونقول كما قررنا سابقاً إن النطق بالضـاد والظاء وارد في البيئة الحجازية الغربية والبيئة الشرقية ، وإذا كان النطق بالضـاد ظاء لهجة قديمة كما يرى الدكتور أنيس فقد بقي هذا النطق مع أهل هذه اللهجة سواء من بقي في منطقة البدو منهم أو انتقل إلى بيئة الحضـر .
وكلام ابن جـرير سبق تفسيره والقراءتان ثابتتان متواترتان وليس ثم داع لتفضيل النطق بالضـاد على النطق بالظاء .
4. عـض وعـظ
يقول البطليوسي : العظ والعض : شدة الحرب وشدة الزمان ولا تستعمل الظاء في غيرهما ، قـال الفـرزدق :
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف " "
ويقـول ابن بري : ( عضه القتب وعضه الدهر والحرب وهي عـضوض )
قال المخبل السعـدي :
غداة جني على بنيّ حربا وكيف يداي بالحرب العضوض " "
وجاء في اللسان : ( العظ : الشدة في الحرب ، وقد عظته الحرب بمعنى عضته وعظـه الزمان لغة في عضـه ) " " .
وهنا نلاحظ أن النطق بالضـاد هو الشائع المنتشر والنطق بالظاء محصور في عدد قليل ، وقول صاحب اللسان : وعظه الزمان لغة في عضه يشهد لما قلنا والفرزدق تميمي " " ، والمخبل السعدي تميمي أيضـاً " "
5. فاظـت نفسه وفاضـت .
يقول الفراء : ( أهل الحجاز وطئ يقولون فاظت نفسه وقضاعة وتميم وقيس يقولون فاضت نفسه ، مثل فاضت دمعته ) " " ، ويقول أبو زيد وأبو عبيدة : ( فاظت نفسه ، بالظاء لغة قيس وبالضـاد لغة تميم ) " "
وروى المازني عن أبي زيد أن العرب تقول : ( فاظت نفسه بالظاء إلا بني ضبة فإنهم يقولونه بالضـاد ) " " ، ويقوي هذه الرواية ما ورد عن أبي حاتم ، قال : سمعت أبا زيد يقول : ( بنوا ضبة وحدهم يقولون فاضت نفسه ) " " .
وجاء في الغريب المصنف : ( فاظت نفسه تفيظ : مات . وناس من تميم يقولون فاضت نفسه تفيض ) " " ، وورد عن أبي عبيدة : ( كل العرب تقول : فاضت نفسه بالضـاد إلا بني ضبة فإنهم يقولون فاظت نفسه بالظاء ) " " .