تفسير المحدثين لاختلاف القدامى في تحديد نقطة إنتاج الضـاد:
يقـدم الدكتـور كمال محمد بشـر أحـد احتمالين لاختلاف القدامى في تحديـد نقطـة الإنتـاج .
الأول : أنهم أخفقـوا في تحديد الموضع الدقيق لنطـق الضـاد ويستبعد هذا الاحتمـال ، لأن الشواهـد الكثيـرة الواردة عـنهم تناقضـه " " .
ونؤيده في ذلك ، لبراعتهم في ملاحظتهم الذاتية والتي بسببها حددوا لنا مواطن إنتاج الأصوات تحديداً لا يختلف كثيراً عما أرتآه المحدثون من علماء الأصوات .
الثاني : أن سيبويه وغيره من علماء العربية والقراء يتكلمون عن ضـاد غير الضـاد التي نعرفها ونمارسها نطقاً اليوم في جمهورية مصر العربية ، ويعزز وجهته التي ارتضاها بالنص المشهور الذي ساقه سيبويه متضمناً الإشارة إلى موضع نطق هذا الصوت وهو : ( لولا الإطباق لصارت الطاء دالاً . . . . ولخرجت الضـاد من الكلام ، لأنه ليس شئ من موضعها غيرها ) " " ، إذ أنه نسب الضـاد إلى موضع لا يشترك معها فيه غيرها عـلى حين أن الضـاد الحالية تخرج من النقطة التي تخرج منها التاء ، والدال ، والطاء " " .
ونقـول إن هذه الضـاد يعـود اختلافهم في تحديد نقطة إنتاجها إلى اختلاف الناطقيـن بها وقـد سبـق أن أوضحنـا ذلك .
والضـاد القديمة والتي يجب النطق بها في القرآن الكريم وهي الفصيحة تلزم الناطق أن يخفض اللسان حتى لا يلتصق بسقف الحنك ملصقاً كلتا الحافتين مع كلا الجانبين من الأضراس العليا مع امتداد الصوت من أول الحافة إلى منتهاها" " ، بحيث لا ينقطع الصـوت عند التصاق الحافة بالأضراس مع شـدة
الضغـط وقـوة الجهـر . وقـد حـاول بعـض القـراء تطبيـق ذلك ،مثل الشيخ عـبد الفتاح القاضي وتلاميـذه " " .
الضـاد والظاء في النطق السامي:
يقول ابن جني : ( واعلم أن الضـاد للعرب خاصة ولا يوجد من كلام من كلام العجم إلا في القليل " " ، ويتفق معه في ذلك ابن الجزري " " ، ويجعلها الفيروزابادي للعرب خاصة" " . وبالنسبة للظاء يخصها ابن الجزري بلغة العرب فيقول : الحروف التسعة والعشرون المشهورة اشتركت لغات العرب ولغات العجم في استعمالها إلا الظاء فإنها للعرب خاصة " " ، ويوافقه في ذلك الفيروزابادي " ". وقد أجمع الباحثون في مقارنة اللغات على أن القاف والطاء والصاد شائعة في كل اللغات السامية ، وبالتالي فهي موجـودة في السامية الأم ، وأما الضـاد فهذه بلا شك من خصوصيـات العربيـة الفصحى " " .
ومن ثم كان الحق مع الفيروزابادي حين جعل الضـاد للعرب خاصة . وسميت العربية لهذا لغة الضـاد ، وأشار إلى هذا المتنبي في شعـره فقـال :
لا بقومي شرفت بل شرفـو بي وبنفـسي فخـرت لا بجـدودي
وبهم فخر كل من نطق الضـاد وعوذ الجاني وغوث الطريد" "
ويذهب الدكتور حسن ظاظا إلى أن الظاء من مستحدثات العربية الفصحى في بعض ما كان في الأصل صاداً : فكلمة الظل بالعربية كانت بالصاد في البابلية الآشورية ، والبربرية ، والحبشية . ولكنها صـارت طاءً في الآرامية والسريانية ووردت بالصاد أحياناً وبالظاء أحياناً في النقـوش اليمنية القديمـة وهـذا القـول مـردود للآتـي :
أ.أن ورود كلمـات قليلة بالصـاد والظاء والطاء في اللغات السامية لا يكفي دليـلاً على أن الظـاء من مستحدثات العربيـة .
ب.ليس هناك دليل على أن هذه اللغات أقدم من العربية بل العكس هو الصحيح حيث أثبت رجالات علم اللغة المقارن في أوربا أن العربيـة أقـدم صـورة حيـة " " للغـات الساميـة إن لم تكن الأم لهـذه اللغـات وهذا باعـتراف الباحـث نفسـه " " .
ت.من الثابت باعـتراف الباحـث وجـود الظاء في النقوش اليمنية القديمة ، وليس هي المهد الأصلي للغات السامية في القول الراجح . وعلى هذا تكون الظاء أصلية ثم انتقلت إلى صاد أو إلى طاء في هذه اللغات ، لأنهم لا يستطيعـون النطـق بهـا .
ث.ومما يؤيد ما قلناه ما ذكـره الدكتـور محمود فهمي حجازي من أن صوتي الضـاد والظاء تحولا ليصيرا مع الظاء صوتاً واحداً هو الصاد في الحبشية ، والعبرية ، والآرامية ، والآشورية البابلية وعلى هذا فالظاء ليست مستحدثة .
ويذهب بعض الباحثين من المستشرقين ، مثل : بروكلمان ، وسيجال " "، وبروشتاين إلى أن الضـاد في السامية الأم كانت تنطق صوتاً مزدوجاً مكوناً من قاف وسين ( قساد ) .
وحجتهم في ذلك أننا لو أخذنا كلمة شائعة في كل اللغات السامية وتشتمل على حرف الضـاد ، مثل ( أرض ) لوجدناها في العبرية ( أرص ) وفي البابلية الآشورية ( أريستو ) وبتفخيم السين أحياناً ، وفي الحبشية ( أرد ) وفي الآرامية ( أرعا ) أو ( أرقا ) واستخلصوا من ذلك أنها لابد أن تكون صوتاً من أقصى الحنك الرخو عند منطقة اللهاة بدليل أنها تحولت إلى عين وإلى قاف في الآرامية يتبعه مباشرة صوت أسناني فكان هذان الصوتان هما عند أولئك القاف والسين وقد تأثروا في ذلك بنطق اليهود الإشكنازيين " " لحرف الصاد صوتاً مزدوجاً مكوناً من تاء وسين " " .
وهذا الكلام إذا ناقشناه فإننا نستطيع أن نقـول الأتي :
أولاً : أنها نطقت في بعض اللغات صاداً أو سيناً ، أو دالاً وهذه الأصوات من طرف اللسان ، فإذا افترضوا أنها مركبة من قاف وسين فلم لا تكون مركبة من السين ومن الصاد ، أو من السين ومن الدال وهي قريبة منها في المخرج ؟
ثانيا : أن اليهود الإشكنازيين حين نطقوا الصاد صوتاً مزدوجاً نطقوه مكوناً من صوتين متقاربين في المخرج وفي الصفة ، وإذا نظرنا إلى القاف والسين اللذين يمثلان الضـاد نطقاً نجد القاف من أقصى الحنك اللين بينما نجد السين من طرف اللسان والسين مهموسة والقاف كانت قديماً مجهورة حسب وصـف علمـاء العربية القدامى لهـا " " فكيف يستساغ تركيب صوت من صوتين متباعـدين في المخـرج وفي الصفـة .
ويرجح الدكتور حسـن ظاظا أن الضـاد كانت عـندهم صوتاً مركباً بشكل أخـر هـو : اعتماده على نقطة خروج لسانية من نوع الياء ، مع تفخيم يصل الإطباق فيه مع الجهر إلى تحويل هذا المخرج إلى مزيج مع صوت حلقي " ".
ويستأنس لذلك بأن النبط والآراميين بعامة ينطقـون مقابل هذه الضـاد في لغتهم عيناً ، بل لقد نطق العرب الضـاد في بعض الكلمات بنطقهم الفصيح ثم تحولت عند الآراميين إلى عين ، وجاء من جديد إلى العرب بنطقه الجديد " " وضـرب مثلاً على ذلك بالبيعـة . والضـأن :
وبالنسبة للكلمة الأولى أوضح العلاقة التشبيهية بينها وبين البيضة ، ولما كانت البيعة هي المعبد الصغير للنصارى واليهود ، ولما كانت هذه المعابد قد انتشـرت في مناطق من دنيا الساميين تفشت فيها الآرامية ودان أهلها بالمسيحية فقد نطقت البيضة عند هؤلاء بالعين الحلقية بيعة وعادت إلى العربية
وبالنسبة للكلمة الثانية وهي : الضأن فهي في العربية تعني جنس الغنم وتنطـق في العبرية بالصاد ، وفي الآرامية بالعين الحلقية ( عانا ) وقـد عـادت إلى العربيـة ، مع تغيير طفيف . فقـد صـارت عانة بمعنى القطيع من الحمـر الوحشيـة" " .