تحديات تواجهها لغتنا العربية (1)
تنعكس المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع العربي حاليا انعكاساً واضحا على اللغة العربية السائدة الآن،وليس هذا بغريب فاللغة – في أي مجتمع- هي وعاء ثقافته التي تتكون بدورها من كل ما يشتمله المجتمع من أفكار ومثل وقيم وإبداعات.
والأصل أن اللغة القومية – أية لغة – هي أداة تواصل اجتماعي محايدة، ترتقي بارتقاء أهلها وتخضع للسيطرة عندما يخضع أهلها للسيطرة. بمعنى أن العامل الحاسم الذي يحدد (أو يهدد!!) مستقبل اللغة القومية ليس سماتها اللغوية الخاصة من نحو وصرف ومفردات، وإنما: تلك المنظومة الثقافية والاقتصادية والسياسية التي تنتمي إليها اللغة.
ولنتذكر في هذا السياق مكانة اللغة العربية كوعاء للعلوم الحديثة عندما كانت السيادة السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية لأهل اللغة العربية قديما.
واللغة العربية هي إحدى اللغات الحية التي تمتاز بثباتها ورسوخها عبر التاريخ وفي ظل التغيرات المعاصرة وتمر بالعربية في وقتنا المعاصر بأزمات نتيجة تأثرها بالوضع السياسي والاجتماعي العام المنتشر في وطننا العربي والنزاعات بين الدول المتجاورة والنزاعات الداخلية وبروز العصابات القبلية، إلا أنها لغة واحدة طيلة هذه القرون،
وإذا أردنا النظر إلى هذه الإشكالية في تعليم اللغات الأجنبية وتعلمها من منظور رؤية عصرية لوجدنا أن السبب الرئيس يكمن في ذلك التطور العلمي والتكنولوجي في كافة مناحي الحياة وأنشطتها ولاسيَّما في مجال الاتصالات والمعلومات واستخداماتها الحياتية، وهو الأمر الذي يتطلب بالضرورة حرص الجميع على تعلم لغة أجنبية باعتبارها لغة العلم والتطور الفكري والثقافي والحضاري في القرن الحادي والعشرين.
ولذلك، فإن مصير اللغة العربية مرهون بدورنا نحن العرب في الحفاظ عليها أو التفريط فيها. ودورنا في التصدي لكل تحدٍّ يواجهها.
ومن أهم التحديات التي تُمتحَن بها اللغة العربية:
1 - سيطرة العامية:
يمكن تلخيص مظاهر سيطرة اللهجات العامية على العربية الفصحى في مواقف حياتية متعددة هي::
سيطرة اللهجات العامية على أنماط التواصل اليومي بالبيت والشارع.
سيطرة اللهجات العامية على أنماط التواصل في قاعات المحاضرات بالجامعات والفصول الدراسية بالمدارس.
سيطرة اللهجات العامية على أنماط التواصل في البرامج التلفزيونية والإذاعية والأفلام والأغاني
سيطرة اللهجات العامية على معظم أنماط التواصل حتى في ذلك المحافل الرسمية.
شيوع استخدام اللهجات العامية في بعض الأعمال الأدبية.
2- انحدار مستوى تدريس اللغة العربية:
فرغم الجهود المتفانية التي يبذلها مدرسو اللغة العربية، ما تزال مكانتها بين المواد الدراسية مختلفة عما يليق بها من صدارة وتقدم، وقد يرجع ذلك إلى عوامل كثيرة منها اختلاف مشارب المدرسين أنفسهم وتعدد مصادر تخريجهم، ومنها كثرة أفرع المادة وتوزيع جهد المعلم بين تلك الأفرع من ناحية، والأنشطة المدرسية كالإذاعة والصحافة والرحلات وتدريس التربية الدينية من ناحية أخرى.
وفي هذا السياق، يطيب لوسائل الإعلام من حين لآخر أن تُقحم أنفها في قضايا علمية شائكة (مثل قضية: ضعف معلمي اللغة العربية!!) فلا تبلغ منها إلا بمقدار ما تبلبل العقول، وتثير الشكوك، وتحير النفوس. فمن ذلك ما يتسرب أحياناً من مقولات معقدة مثل ضعف إعداد المعلمين، وبخاصة معلمو اللغة العربية.
والأنكى أن هذه التهويمات الإعلامية الجوفاء تسربت في وقت من الأوقات إلى دهاليز مؤسسات رسمية حكومية تبنتها بغير تمحيص، وتلقتها كحقائق – ورتبت عليها مواقف وتصريحات أساءت للمختصين.
ومنشأ الأزمة أن " ضعف المعلمين " كمصطلح يحتمل أحد وجهين فهو: إما أن يكون ضعف أداء، أي ضعفاً مهنياً في فنيات التعليم ومهاراته وأساليبه. أو أن يكون ضعفاً تكوينياً في صميم المادة العلمية التي يقوم المعلم التي يقوم المعلم بتدريسها كأن يعجز مثلاً عن فهم مسائل في النحو أو الرياضيات أو الفيزياء أو الجغرافية.
ولأن الكليات المنوط بها – رسمياً – إعداد المعلمين، هي كليات التربية فإن إطلاق الاتهامات الإعلامية بضعف المعلمين سرعان ما يتناول كليات التربية ويعلقها على ما أسميه مقاصل " الردح " الإعلامي القاتلة!! ويتجاهل الإعلام بهذا المسلك حقيقيتين أساسيتين هما:
الأولى: أن الحكومة دأبت منذ سنوات طويلة على عدم احترام مهنة التدريس كمهنة لها أصولها فاتخذت تعيين الخريجين المختلفين معلمين وسيلة للفكاك من كابوس البطالة الذي يقض مضاجع الحكومة ويسمم أوقاتها ويهددها بالزوال بين الحين والآخر، فإذا دخل كل من تخرج في الجامعة إلى مهنة التدريس وشاع مصطلح " ضعف المعلمين " وتسرب في وسائل الإعلام، ألقيت الاتهامات على كليات التربية، وتم غض الطرف عن خطأ الحكومة في إلباس عباءة (المعلم) لمن لم يعد لارتدائها، وإقحام غير المختصين في محراب هذه المهنة فيجنون على أنفسهم وعلى قرنائهم من المختصين. وتنجو الحكومة ببأسها وقهرها من الألسنة الإعلامية الحداد، ويحمل وزرها التربويون وحدهم بلا جناية جنوها، وبغير إثم اكتسبوه.
والحقيقة الثانية: أن القائمين على إعداد المعلم تخصيصاً هم أساتذة الكليات المتخصصة كالآداب والعلوم والزراعة والتجارة والهندسة. وإن كان الكلام عن ضعف المعلمين عادة لا يتسع لمعلمي التعليم الفني. بل ينصب في الأغلب على التخصصات الأكاديمية لا المهنية مثل اللغات والرياضيات والعلوم.
فإذا أونس ضعف في معلم اللغة العربية مثلاً، فالأجدر بمن يتناول شأن هذا الضعف بالحديث، أن يبدأ بالبحث عن مكمن هذا الضعف: أهو ضعف في الأداء المهني بمعنى القصور عن أساليب التعليم وفنياته؟ أم هو ضعف في التكوين العلمي بمعنى القصور عن فهم مادة التخصص ذاتها؟ فإن كان الضعف من النوع الأول فتلام كليات التربية وإن كان الثاني فتلام كليات الآداب.
----------------------
تحديات تواجهها لغتنا العربية (2)
الكليات المنوط بها – رسمياً – إعداد المعلمين، هي كليات التربية فإن إطلاق الاتهامات الإعلامية بضعف المعلمين سرعان ما يتناول كليات التربية ويعلقها على ما أسميه مقاصل « الردح « الإعلامي القاتلة!!
ويتجاهل الإعلام بهذا المسلك حقيقيتين أساسيتين هما:
الأولى: أن الحكومة دأبت منذ سنوات طويلة على عدم احترام مهنة التدريس كمهنة لها أصولها فاتخذت تعيين الخريجين المختلفين معلمين وسيلة للفكاك من كابوس البطالة الذي يقض مضاجع الحكومة ويسمم أوقاتها ويهددها بالزوال بين الحين والآخر، فإذا دخل كل من تخرج في الجامعة إلى مهنة التدريس وشاع مصطلح « ضعف المعلمين « وتسرب في وسائل الإعلام، ألقيت الاتهامات على كليات التربية، وتم غض الطرف عن خطأ الحكومة في إلباس عباءة (المعلم) لمن لم يعد لارتدائها، وإقحام غير المختصين في محراب هذه المهنة فيجنون على أنفسهم وعلى قرنائهم من المختصين. وتنجو الحكومة ببأسها وقهرها من الألسنة الإعلامية الحداد، ويحمل وزرها التربويون وحدهم بلا جناية جنوها، وبغير إثم اكتسبوه.
والحقيقة الثانية: أن القائمين على إعداد المعلم تخصيصاً هم أساتذة الكليات المتخصصة كالآداب والعلوم والزراعة والتجارة والهندسة. وإن كان الكلام عن ضعف المعلمين عادة لا يتسع لمعلمي التعليم الفني. بل ينصب في الأغلب على التخصصات الأكاديمية لا المهنية مثل اللغات والرياضيات والعلوم. فإذا أونس ضعف في معلم اللغة العربية مثلاً، فالأجدر بمن يتناول شأن هذا الضعف بالحديث، أن يبدأ بالبحث عن مكمن هذا الضعف: أهو ضعف في الأداء المهني بمعنى القصور عن أساليب التعليم وفنياته؟ أم هو ضعف في التكوين العلمي بمعنى القصور عن فهم مادة التخصص ذاتها؟ فإن كان الضعف من النوع الأول فتلام كليات التربية وإن كان الثاني فتلام كليات الآداب. والواقع يشهد بأن ضعف خريجي الجامعات ليس مقصوراً على معلمي اللغة العربية، بل إن هذه الظاهرة تدخل ضمن ما يسميه الفقهاء " عموم البلوى " ويستدلون بشيوعه لتيسير الأحكام الفقهية. ففي كل عام تقام مسابقات لتعيين مذيعين جدد أو لتعيين دبلوماسيين جدد وما أن ينعقد الامتحان للمتسابقين حتى تطفح الصحافة بما حدث من مهازل وتكشف عن مستوى مخزٍ للخريجين الجدد في ثقافتهم العامة [ الثقافة التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ] ويضرب الصحفيون أمثلة بما تفتحت عنه بعض القرائح من فضائح. أما معلمو اللغة العربية فإن ضعفهم المقصود لا يتعدى أخطاء النطق أو الكتابة وهي، وإن كانت لا تغتفر لهم، مسؤولية أقسام اللغة العربية التي تتولى الجانب الأكاديمي في إعداد هؤلاء المعلمين، فالإنصاف يقتضي أن ترد الأمور إلى نصابها، وأن ينسب الجهل لأهله، وأن يعزى الخطأ إلى من تسبب فيه.
ومنذ أعوام استقرت لوائح كليات التربية على أن يكون توزيع ساعات الدراسة فيها بنسب معينة هي:
75% للإعداد الأكاديمي (مقررات التخصص)
20 % للإعداد المهني (المقررات التربوية)
5% للإعداد الثقافي (كالحاسوب واللغات الأجنبية وغيرها) فإذا تأملنا في تفصيل الـ %75 فسنجدها في حالة معلمي اللغة العربية مقسمة بين دروس النحو والصرف واللغة والبلاغة والنقد والعروض والأدب وتاريخه، والدراسات الإسلامية، والتاريخ الإسلامي.
فالطالب يتخرج في كليات التربية وقد درس اثنتي عشرة ساعة على الأقل أو ست عشرة ساعة على الأكثر في النحو الصرف – دون علوم اللغة – وهذا الوقت يساوي أو يقارب كثيراً ما يدرسه نظيره خريج الآداب أو دار العلوم. فلا يكون للمقررات التربوية أثر في ضعف الخريج إلا بمقدار ما يكون للمقررات الإضافية التي يدرسها خريجو الآداب أو دار العلوم من أثر. أما ما للنحو هنا، فهو ما للنحو هناك أو مع تفاوت يسير جداً، هذه واحدة.
والثانية، أن بعض الكليات التي تعاني من فقدان التقاليد الجامعية الأصيلة قد تكل أمر تدريس مقرر أو أكثر إلى غير متخصص فتكون النتيجة ضعفاً حقيقياً لدى الخريج أياً ما كان اسم الكلية التي تخرج فيها.
والثالثة: أن بعض الكليات لا تتوفر لها الإدارة الواعية القادرة على متابعة ما يدرس الطلاب، وتدع العلاقة بين الطلاب وأساتذتهم تسير دون رقابة حقيقية، فتتكرر المأساة، يباع الكتاب أولاً ثم تلغى المحاضرات أو تؤجل أو يُعتذر عنها، أو يُحذف ربع الكتاب أو نصفه أو ثلاثة أرباعه – حسب نتائج المبيعات – ويخفف المنهج، ثم تخفف الأسئلة ثم يخفف التصحيح، ثم " تلعلع " النتائج شاهدة بعبقرية هذه الدفعة أو تلك!!
والرابعة: أن بعض من يوكل إليهم تدريس النحو والصرف لا يهتمون بسؤال الطلاب عما سبق لهم درسه في الأعوام الماضية، وقد يحدث – وحدث فعلاً – أن يكرر الأساتذة تدريس ما طاب لهم من الدروس مع أن الطلاب سبق لهم دراستها. والطلاب في هذه الحالات يسكتون سكوتاً مريباً لأنهم سعداء بأنهم لن يبذلوا جهداً جديداً في استيعاب دروس جديدة. وقد أتيح لي أن أسمع من خريجين عدة أنهم أنهوا دراساتهم – وبعضهم من الآداب وبعضهم من التربية – وحصلوا على الليسانس ولم يكن ضمن ما درسوا من النحو الصرف: (لا النداء ولا التمييز – ولا الإضافة ولا الحال ولا الاستثناء ولا إسناد الأفعال إلى الضمائر) فكيف نتصور مستوى هؤلاء؟
وهنا قد يسأل سائل متفائل: فأين توصيف المقررات الذي تضعه الأقسام وتتضمنه أدلة الكليات وكتبها التذكارية؟ وأين نصوص اللوائح؟ ولمثل هذا السائل المتفائل أقول: هل قرأت يا سيدي اللوائح؟ إن اللوائح لا تحدد إلا أسماء المقررات دون توصيفها. ولولا أن أسماء مقررات تاريخ الأدب تضيف العصر إلى المقرر فيقال مثلاً: تاريخ الأدب الجاهلي ونصوصه، تاريخ الأدب الإسلامي والأموي، تاريخ الأدب العباسي.. إلخ. لولا هذا التحديد الملزم لفوجئنا تخريج متخرج بعد أربع سنوات ولا يعرف من الأدب إلا شعر شوقي وحافظ.