{إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}
السائل (محمد عبدالله أحمد): أعلم أن في قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}
على قراءة تشديد (إنّ) أقوال كثيرة في إعرابها، ولا أستطيع الترجيح بينها، فهل تتفضلون ببيان ذلك؟
الفتوى 156: إجابتُك حقّ معلوم لا تَفَضُّلَ فيها أيّها السائل، وتجدها مبسوطة كل البسط في كتابي (توجيه مشكل القراءات) وسأقيد لك هنا موجز ما بسط هناك، فقد بلغت أقوال التوجيه فيه أحد عشر.
أولها: أن تكون ((إنّ)) بمعنى نَعْم، وردّ بأن هذا المعنى لم يثبت.
الثاني: أن يكون اسم ((إنّ)) ضمير القصة، أي: إن القصة ذان لساحران، واعترض عليه بأنه لو كان كذلك، لظهر ذلك الضمير، وبأن دخول اللام في مثل هذا ممتنع.
الثالث: أن يكون اسم ((إنّ)) ضميرَ الشأن المحذوف، وأعلَّ بأنّ الحذف لا يسوغ إلا في الشعر.
الرابع: أن تكون ((إنّ)) بمعنى ((ما)) واللام بمعنى ((إلا)) وهي دعوى ضعيفة أهملها العلماء.
الخامس: أنه على تقدير: إنه هذان لهما ساحران، واللام على هذا التقدير داخلة على المبتدأ لا على الخبر، في تفصيل طويل. وضعَّفه ابن جنّي وآخرون من دونه.
السادس: أن تكون ألف {هَذَانِ} هي ألف ((هذا)) وحذفت ألف التثنية لاجتماعها مع ألف (هذا) لالتقاء الساكنين، وهو مجرّد دعوى لا دليل عليها.
السابع: أنّ أصله ((هذين)) فحذفت الياء وبقيت ألف ((هذا)) وهي دعوى لا برهان لها.
الثامن: مثل الذي قبله، إلا أنّ الأصل هو الألف مكان الياء قبل النصب، والألف الموجودة هي ألف (هذا) المفرد، وهو كالذي قبله في البطلان.
التاسع: أن المثنى فرع المفرد، وجعل المثنّى كالمفرد في تقدير الإعراب، لأنه فرع عليه، وهو قول نصره ابن هشام، وقال به ابن تيمية، وهو قول ذو دليل، غير أنه لا يشفي.
العاشر: أن الألف في {هَذَانِ} تشبه الألف في (فعلان) وهو قول متكلّف عار عن الحجة.
وإنما القول الأظهر هو القول الحادي عشر: وهو الذي يؤيده العقل والنقل وأصول القواعد، وهو أنه على لغة إلزام المثنى الألف، التي يتكلم بها بنو الحارث بن كعب، وخثعم، وكنانة، وعَذْرة، وزبيد وغيرهم، ولولا أن المبرّد طعن في هذه اللغة وأنكر صحتها لما كثر الاختلاف والتأويل، غير أنّ المبرّد محجوج بنقل الأئمة الثقات، الذي نقلوا ذلك عنهم، ونقلوا كلامهم، ومن ذلك قول الشاعر:
إن أباها وأبا أباها * قد بلغا في المجد غايتاها