mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > مقالات مختارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس الاصيل
عضو فعال

شمس الاصيل غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2082
تاريخ التسجيل : Sep 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 146
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي ** أهمية اللغة العربية** للعلامة محمد الحسن بن الددو الشنقيطي (مسابقه)

كُتب : [ 10-27-2014 - 08:36 PM ]


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد فإن من ألطاف الله تعالى ونعمته ورحمته أن جعل للناس لسانا يتفاهمون به، فإن الناس يحتاج بعضهم لبعض ولا يمكن أن يقوم أحد منهم بحاجته دون بعض، ولا يمكن أن يستقل منهم إنسان بقضاء أموره ولا بأداء مهماته إلا إذا وجد من يساعده على ذلك،
ومن هنا احتاجوا إلى التفاهم فيما بينهم والتعارف، فجعل الله لهم وسائل للتعارف ومن أعظمها الأنساب حيث قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا وجعل لهم وسائل للتفاهم وأعظمها اللغات ولهذا ربط الله بين الألوان واللغات وبين خلق السماوات والأرض في قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} فالبشر لا يمكن أن يتفاهموا إلا عن طريق وسائل الحس، إلا عن طريق الحواس الخمس، لأن وسائل العلم لدى الإنسان ثلاثة، هي العقل والروح والحس، فالعقل لا يمكن أن يتفاهم الناس عن طريقه لأنه من الأمور المعنوية غير الحسية، والأرواح كذلك يمكن بها التعارف لكن لا يمكن بها التفاهم، ولهذا حصل التعارف بينها في عالم الذر كما صح عن النبيr فيما أخرجه البخاري تعليقا في الصحيح وأخرجه مسلم مسندا أن رسول الله r قال: «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» لكن التفاهم إنما يتم عن طريق إحدى هذه الحواس، وهذه الحواس مدركاتها هي المسموعات والمبصرات والملموسات والمشمومات والمذوقات، وقد جعل الله تعالى أصناف الحيوان تتفاهم عن طريق هذه الوسائل، فمن الحيوانات ما يتفاهم عن طريق إفراز رائحة يحصل بها التفاهم والتعارف بفطرة الله لها على ذلك، كالنحل وغيره من الحيوانات، ومنها ما يمكن تفاهمه عن طريق السمع وما يمكن تفاهمه عن طريق البصر بالإشارات والحركات وما يمكن تفاهمه عن طريق اللمس، لكن الذوق لا يمكن أن يحصل التفاهم عن طريقه لأن الطعوم محصورة وقد صرح العلماء بأن أنواع الطعوم خمسة هي الحلاوة والمرارة والمزية والملحية والتفاهة، فهذه خمس هي أصل الطعوم كلها، أما المرئيات والمشاهدات وكذلك المسموعات فهي كثيرة جدا يمكن التفاهم عن طريقها، وبهذا تخلص لنا جارحتان للتفاهم فيما بين الإنسان، فالتفاهم بين بني آدم لا يتم إلا عن طريق السمع أو عن طريق البصر، فبقي التوازن بين هاتين الحاستين، لكنه جعل الزمن أيضا مقسوما بين ليل ونهار، وقد محا الله آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، وبذلك ازدادت نسبة العميان في البشر بوجود الليل، فكان إذا التفاهم عن طريق السمع أقوى وأوسع من التفاهم عن طريق البصر، ومن هنا جعل الله هذه اللغات هي أساس التفاهم بين الناس، وقد علم آدم الأسماء كلها كما أخبر بذلك في كتابه: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}،

إننا في بحثنا في أهمية أي شيء ننظر فيه من ناحية الحكم الشرعي ثم من ناحية الفائدة والمصلحة للبشرية، فلنبدأ أولا بحكم الشرع في لغة العرب وتعلمها، فنقول إن الله سبحانه وتعالى قد فرض على كل من آمن به تعلم جزء من العربية، وبهذا تكون العربية فرض عين على كل إنسان بقدر ما يقيم به ألفاظ الفاتحة وبقدر ما يقيم به التكبير والتسميع والسلام في الصلاة فهذا القدر من العربية فرض عين على كل مسلم، ولا يسع مسلما جهله، وهذا القدر اختلف الناس في تحديده، لأن الله تعالى يقول في كتابه {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}والناس تتباين رؤاهم في تحديد هذا القدر ، وكذلك ألفاظ الأذكار التي تجب مرة في العمر كالهيللة والاستغفار والتسبيح والتحميد وغير ذلك، فيجب عليه أن يتعلم معانيها بالعربية، وهذا القول هو الراجح فكبار علماء السلف، فرأوا أنه يجب على الإنسان المسلم أن يتعلم معاني هذه الكلمات لأنه لو قال: لا إله إلا الله دون أن يفقه معناها فيمكن أن تلقن هذه الكلمة لأي إنسان ولا يلزم بمقتضياتها،
ومن هنا فلا يمكن أن يشهد الشاهد بما لا يعلمه ولا يفهمه، لا بد أن يكون الإنسان فاهما لما يشهد به حتى تقبل شهادته على ذلك، والله تعالى جعل هذه الأمة شهداء على الناس كما قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
وبعضها يعرف في بعض المناطق دون بعض، والقرآن الكريم قد اختير من خير هذه الكلمات والمفردات، واختار الله له أفضل التعبيرات، فلذلك فتارة يأتي التعبير بلغة حمير لغة أهل اليمن وتارة بلغة أهل نجد وتارة بلغة أهل الحجاز يختار من كل لغة أحسنها وأفصحها وأدقها معنى وأحسنها ذوقا حتى يتكامل ذلك ويكون جميعا من اللغة العربية المختارة، والذين يزعمون أن القرآن جاء بلغة قبيلة واحدة من العرب يغلطون في هذا ويرد عليهم الاعتراض وقد جاء أحد النحويين من أهل اليمن وكان في مجلس الخليفة هارون الرشيد، فأخبره أن القرآن نزل بلغتهم وبدأ يسرد بعض الكلمات التي لا يعرفها قريش وهي في القرآن من لغة أهل اليمن ويذكر شواهدها فلما أطال كان بحضرته أحد القرشيين، فقال: أسمعت ما يقول هذا اليماني قال: لا أدري ما يقول، غير أن الله تعالى يقول فيه كتابه: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} ولم يقل: جعلوا شناترهم في صناراتهم، وهذه لغة أهل اليمن، الشناتر الأصابع والصنارات الآذان، فالله تعالى يختار من الكلمات ألطفها وأقربها للذوق الصحيح السليم، سواء كان من لغة أهل اليمن أو من لغة أهل الحجاز أو من لغة أهل نجد أو غيرهم، ومن لم يعرف مفردات اللغة لم يحل له الكلام في التفسير ولا التفهم فيه ولا التدبر في كثير من الكلمات، بل إن كثيرا من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتورعون من الكلام في بعض الكلمات التي جاءت في القرآن إذا لم تكن من لغتهم ولم يعرفوا دلالاتها ومدلولاتها، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه قال: «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم» وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في مجلسه فأتته امرأة من أهل اليمن تستعديه على زوجها، فقالت: يا أمير المؤمنين إن بعلي عبد حقي وترك الوصيد رهوا ولي عليه مهيمن فهل لي عليه من مسيطر؟ فقال: لم أفهم ما تقولين، فقال ابن عباس: كلمات كلهن في كتاب الله، إن بعلي أي زوجي، { وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا } عبد حقي أي تركه وضيعه { إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } أي التاركين لعبادة ذلك الولد أو لعبادته، وترك الوصيد رهوا، الوصيد الباب { وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } رهوا أي مفتوحا {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} ولي عليه مهيمن أي شاهد { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} فهل لي عليه من مسيطر أي حاكم{ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}، فاستشهد له ابن عباس على الكلمات التي أطلقتها هذه المرأة وأنها كلها في القرآن ففهم عمر دلالاتها وأعداها على زوجها، ونظير هذا ما حصل لابن عباس رضي الله عنهما مع نافع بن الأزرق أمير الأزارقة من الخوارج، فإنه أتاه من العراق يسأله عن تفسير كلمات من مفردات اللغة العربية في القرآن، فأطال عليه وأكثر واشتهرت هذه المسائل فيما بعد بمسائل ابن الأزرق، وهي تربو على مائتي مسألة من المفردات القرآنية، منها مثلا قول: { أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} قال: ما معنى غير ممنون قال: غير مقطوع ولذلك فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوصى بديوان العرب وحفظه، وكان يتعهد أشعار العرب ويستمع إليها، ولهذا فإن حسان بن ثابت كان ينشد بعض أشعاره في المسجد فكان عمر إذا أنشد حسان شيئا من شعره في هجاء المشركين أو في مدح الرسول وأصحابه أذن له فإذا ذكر شيئا من أشعاره في الخمر وأمور الجاهلية خرج عمر، فمر به وهو ينشد شيئا من أشعاره في أولاد جفنة من قصيدته اللامية التي يقول فيها:

حتى أتى على القصيدة فغضب عمر من إنشادها، وكان جَبَلَةُ بن الأيهم إذ ذاك قد تنصر وهرب إلى الروم وأرسل بهدية إلى حسان فامتدحه حسان بأبيات

فطرب عمر لهذه الأبيات وأخبر أن ما كساه زهير هذا الرجل لا يخلق ولا يبلى، وكذلك سأل عمر أحد الشعراء عن أشعر الناس فجرى على عادة العرب أن يفضلوا من كان بينه وبينهم قرابة ليفخروا بشعره، فقال: لا بل أشعر العرب من يقول: من ومن، أو قائل: من ومن يقصد به زهير بن أبي سلمى في حكمه التي قال في آخر معلقته الميمية، ومن لم يعرف مفردات هذه اللغة فكثيرا ما يلتبس عليه الكلام ولا يفهمه وبالأخص في زماننا هذا الذي تداخلت فيه اللغات والحضارات، ولا أزال أعجب من بعض المثقفين الذين يحاولون ترجمة القرآن إلى لغات أخرى وهم لا يتقنون مفردات اللغة العربية فيقعون في أخطاء عجيبة، ترجم أحدهم القرآن بالفرنسية وهو من المتبجحين بالمهارة في اللغات، لكنه قال في قول الله تعالى: { وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ}فسر حافِّين بحافِين بأن معناها بلا نعال، وكذلك آخر حاول ترجمة القرآن إلى الإنجليزية فترجم قول الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} قال ما معناه: لا تجعل يدك مربوطة إلى عنقك ولا تبسطها بسطا شديدا حتى تنخلع، فلم يفهم هذه المفردات ومن هنا وقع في هذا الغلط البالغ، ونظير هذا كثير جدا، فكثيرا ما يقع الإنسان في إشكال وهو يتدبر آية من القرآن أو يتفهم حديثا فيخطئ في فهمه خطأ بالغا، ولهذا فإن الأولين لم يكن لديهم النقاط التي تميز الحروف وإنما كانوا يميزونها بفطرتهم وذوقهم إذا قرأ الإنسان قرأ على السليقة فلم يخطئ، ولذلك يقال بأن الشافعي رحمه الله عندما أراد أن يحفظ القرآن وقد سمعه مرة واحدة، أراد أن يراجعه حفظه في المرة الواحدة فأراد أن يراجعه فأخطأ في كلمات في نقاط الحروف فقط، فقرأ قول الله تعالى: { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه} قرأها يعنيه، وهذا مناسب للذوق وهو نفس المعنى لكنه غير موافق للرواية فكان ذلك خطأ، ونحن اليوم قد فسدت أذواقنا اللغوية فلم يعد أحد منا يستطيع أن يتكل على الحروف على أشكال الحروف دون النقاط، بل منذ وضع الحجاج نقاط الحروف واستعان في ذلك بأبي الأسود الدؤلي اجتهد الناس في ضبط هذه النقاط والاعتماد عليها في التفريق بين الحروف، ولذلك اشتهر في المحدثين بعض المصحفين، واشتهرت رواياتهم بالتصحيف، حتى إن رجلا قرأ حديثا فيه:
أفي كل عام أنت عازم غزوةمورثة مالا وفي الحي رفعة
تشد لأقصاها عزيم عزائكالما ضاع فيها من قروء نسائكا
والذي يضيع هو الأطهار لا الحيض، واستدل كذلك بقول الراجز:
يا رب ذي ضغن علي قارض
له قروء كقروء الحائض
فالقروء هنا للحيض لا للأطهار، ونظير هذا كثير جدا في الكلمات القرآنية أو كلمات السنة التي يكون الاختلاف في فهم دلالاتها سببا للاختلاف في مسائل فقهية، ويكون ذلك راجعا إلى أحد علوم اللغة المذكورة، ثم العلم الرابع من هذه العلوم هو علم المعاني الذي يتم به التعبير على الوجه الصحيح من التقديم والتأخير والحذف والإثبات وغير ذلك مما يحتاج إليه المعبر في كلامه، ولا يمكن أن يفهم الإنسان سرد الكلام ولا تفصيل الجمل إلا إذا كان عارفا بعلم المعاني، ثم العلم الذي بعده هو علم البيان الذي يقصد به التعبير بأساليب متنوعة عن معنى واحد كالحقيقة والمجاز والكناية والتصريح وأنواع التشبيه، فهذا العلم من لم يتقنه لا يمكن أن يفهم كثيرا من دلالات الألفاظ من الكتاب والسنة، ثم بعد هذا علم البديع الذي يدرك به الإعجاز في القرآن، فإن كثيرا من الناس يؤمنون بسبب إعجاز القرآن اللفظي، حتى إن أعرابيا قرأ عليه قارئ قول الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} فلما وصل إلى قوله: {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} خر ساجدا، لإعجاز هذه الألفاظ في ترتيبها ودقتها في وصف المطر، وتهيئته وإنزال الغيث منه، وكذلك فإن كثيرا من الذين آمنوا برسول الله r في بداية عهده، إنما كان إعجازهم بهذا القرآن تحديا بالألفاظ نفسها والسياق، ولذلك قال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت سجع الكهان وشعر الشعراء وخطب البلغاء فما سمعت شيئا كهذا القرآن، وقد بين الله سبحانه وتعالى هذا النوع من الإعجاز فيه وأرشد إليه في عدد كبير من الآيات، ثم بعد هذا من هذه العلوم علم الاشتقاق الذي تفهم به العلاقة بين ألفاظ اللغة، وتجعل به اللغة سلالات متقاربة، وهذا العلم كذلك معين على أوجه التدبر المختلفة، ومعين على الاستنباط لكثير من الأحكام من الآيات ومن الأحاديث، ثم بعد هذا علم آخر من علوم اللغة العربية وهو علم آداب العرب وأشعارها، ولا يمكن أن يستدل لأي معنى من معاني القرآن أو السنة إلا من خلال هذا العلم، فإن الاستدلال بدلالات الألفاظ إنما تكون على هذا الوجه، ومن أشعار العرب تؤخذ وتعرف، ولذلك أوصى عمر بحفظ ديوان العرب، وكذلك من هذه العلوم اللغوية المهمة علم التاريخ الذي يعرف به طريقة التأريخ لأية حادثة، فتاريخ العرب يبدأ بالليالي لسبقها على الأيام، ويعبر عنه بعبارة مناسبة سواء كان في أول الشهر أو في آخره، ومن لم يتقن ذلك لم يستطع الاستدلال بالتاريخ، والتاريخ ضرب من ضروب الاستدلال بالقرآن ولهذا رد الله تعالى على اليهود والنصارى حين زعموا أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، فقال الله تعالى: { وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} فبداية اليهودية نزول التوراة، وبداية النصرانية نزول الإنجيل، وإبراهيم ما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده، فهذه الدعوى باطلة، ومثل هذا ما استدل به الخطيب البغدادي حين جاء اليهود بوثيقة يزعمون فيها أن النبي أسقط عنهم الجزية، وهي وثيقة قد كتبوها في عصور سابقة، ووضعوا عليها الزيت ووضعوها في الشمس أو سخنوها على النار حتى أصبحت قديمة، وأخرجوها بأيام أحد خلفاء بني العباس، فلما عرضت هذه الوثيقة على الخطيب البغدادي بصق عليها وقال: هذه مزورة مكذوبة على رسول الله ، فقيل: من أين لك ذلك؟ فقال: ذكر من شهودها سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان، وما جمعهما الإسلام، أسلم معاوية عام الفتح ومات سعد أيام غزوة بني قريظة وقد جرح بالأحزاب وغزوة بني قريظة كانت في نهاية العام الخامس من الهجرة والفتح كان في العام الثامن من الهجرة، فما جمعهما الإسلام فكيف يستشهدان على شهادة واحدة، ومثل هذا ما حصل للحاكم أبي عبد الله أحمد بين البيع حين سمع شيخا بنيسابور يحدث فيحدث عن هشام بن عمار، فسأله فقال: متى دخلت مصر؟ قال: سنة ثمانين،
فقال: إن هذا الشيخ لقي هشاما بعد موته بإحدى عشرة سنة، فنظير هذا مما يحتاج الناس إليه في إثبات العلم ولا يمكن الاستغناء عنه، ثم من علوم العربية المفيدة كذلك علم العروض وعلم القوافي، إذ بهما إقامة الشعر، والشعر أهميته واضحة سواء كانت في التاريخ الماضي، ولذلك علقت المعلقات على الكعبة، أو كانت في صدر الإسلام ولهذا أمر النبي حسان أن يهجو قريشا وأخبره أن هجاءه أشد عليهم من وقع النبل، وأمر أبا بكر أن يعينه على ذلك، ولهذا حين وصل إليهم قول حسان رضي الله عنه:


وإن كرام الأصل من آل هاشم
بنو بنت مخزوم ووالدك العبد

إن الحفاظ على هذه اللغة العربية بالإضافة إلى أنه مما يتعبد الله به ويبتغى به وجهه هو كذلك من التسنن بسنة النبي وخلفائه الراشدين وأصحابه المهديين والتابعين وأتباعهم، وهو كذلك مما يرفع الله به الدرجات ويزيد به المنازل، والناس محتاجون إليه، ولا يمكن أن يستغنى عنه، ولهذا يجب على الآباء أن يعلموا أولادهم هذه اللغة، وأن يعلموهم محبتها، ويجب على أساتذة اللغة العربية أن لا يكونوا من الفتانين وأن يحببوا هذه اللغة العربية إلى من يدرسها، وأن يحدثوا لديهم ذوقا لغويا يقتضي منهم محبة لهذه اللغة العربية وعناية بها وتركيزا عليها، وكذلك على الأمهات أن يشاركن في تعليم الأولاد وتحبيب هذه اللغة إليهم، وعلى الكبار كذلك أن يدرسوها وأن يتدبروها وأن يعلموا أنهم لا يمكن أن يفهموا القرآن ولا السنة إذا إذا كان لديهم رصيد من هذه اللغة، وأن يفهموا كذلك أن قيمهم وتاريخهم ومجدهم مرتبط بهذه اللغة، إن الحفاظ على هذه اللغة لا يمكن أن يكون من واجبات نظام أو دولة فقط، بل لا بد أن يكون من واجبات الأفراد والأمة بكاملها، وأن تعتني بذلك وأن يقع التعاون عليه، وأن لا يبقى أحد يستطيع المشاركة فيه إلا قدم مشاركته، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يزيدنا علما، وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

اللهم وفقنا لما يرضيك عنا وخذ بنواصينا إلى الخير أجمعين اللهم استرنا بسترك الجميل، اللهم ألهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أنفسنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
ترجمة العلامة الّلغوي الفقيه: أحمد بن محمد حامد محمد الحسني الشنقيطي. طاهر نجم الدين مشاركات مفتوحة 1 01-01-2015 06:44 AM
اللغة العـربية، خصائصها وجمالياتها بقلم الدكتور محمد الجاغوب (مسابقه) شمس الاصيل مقالات مختارة 0 10-27-2014 08:38 PM
أهمية اللغة العربية في المحافظة على الهوية وتوطين المعرفة (مسابقه) شمس الاصيل مقالات مختارة 2 10-27-2014 10:10 AM


الساعة الآن 05:54 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by