أيها الكاتبُ ...
مَرَّتْ بِكَ الخَمْسونَ وزِيادَةٌ، واقْتَرَبَتْ بِكَ سَفينةُ العُمرِ من السِّتّينَ، بأيّامِها ولَياليها، فكُنْتَ خَزّاناً لِما تَلْتَقِطُه حَواسُّكَ ويَخْفقُ بِه قَلْبُكَ
وتَنْفَعِلُ بِه مَشاعِرُكَ مِنْ مَشاهِدِ الحَياةِ ممّا في الأرضِ مِن بَشَرٍ وحَيَوانٍ وَنَباتٍ وجَمادٍ، وممّا في السَّماءِ مِن نُجومٍ وأقْمارٍ، وممّا في
الكُتُبِ من حُروفٍ وكَلِماتٍ وصُوَرٍ، وممّا في النّاسِ من عَوالِمَ وطاقاتٍ وعَجائِبَ،كَمْ طَرَقَ سَمْعَكَ من صوتٍ وكَمْ أثارَ كلُّ صوتٍ في نَفْسِكَ
من مَشاعِرِ الاطْمِئنانِ والنّشْوَةِ أو الانْقِباضِ والعَذابِ. كَيْفَ لهذه الحَواسِّ أن تَنْقُلَكَ إلى صُوَرِ الذِّكْرى وتَحْمِلَكَ إلى المَوارِدِ والمَثاراتِ القَديمَةِ،
وكَمْ خُطوة خَطَتْها قَدَماكَ وإلى أيْنَ، ثُمّ كَيْفَ تَنْقُلُ إلى النّاسِ حَصادَ سِنيكَ نَقْلاً صَحيحاً صَريحاً ولا تترُكُ وَطْأةَ رَنينِ السّجْعِ والقافِيَةِ تجْثمُ
عَلَيْكَ، وبَريقِ الكَلِمَة وفَصاحَةِ القَوْلِ تَسْتبِدُّ بعِبارَتِكَ فيَحْجُبُ مَبْناكَ مَعْناكَ، فكَيْفَ إذا غَلَبَ لفظُك مَعْناكَ، إذَنْ لَنَضَبَتْ مياهُكَ ولَخارَتْ عَزيمتُك
ولانْثَنَيْتَ عَن المَسيرِ، وقَد كُنتَ بالأمسِ لا تَخْشى عَوائقَ الطّريقِ. فَهلاّ عُدْتَ إلى القارئِ بوَجْهٍ صَبوحٍ وفِكْرٍ غَضٍّ طَرِيٍّ، وألِفْتَ صُحْبَتَه وغَدَوْتَ
أمامَه عارِيَ القَلْبِ مَكْشوفَ النّفْسِ والوجْدانِ؟