و مِمّا وَرَدَ فيهِ السُّؤالُ مُفَسِّراً الإِضْمارَ أَوِ الْحَذْفَ في الْجَوابِ ، فَظَهَرَ السُّؤالُ كَأَنَّهُ كَلامٌ سابِقٌ أَوْ دَليلٌ مِنَ الْحالِ ، ما حَدَّثَ بِهِ أَبو الْخَطّابِ الأَخْفشُ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ الْعَرَبِ وقيلَ لَهُ : ''لِمَ أَفْسَدْتُمْ مَكانَكُمْ هذا ؟'' فَقالَ : ''الصِّبْيانَ بِأَبي'' ، كَأَنَّهُ حَذِرَ أَنْ يُلامَ فَقالَ : ''لُمِ الصِّبْيانَ !'' » . فَعِبارَةُ الْجَوابِ [ الصِّبْيانَ بِأَبي ] لا يَفْهَمُ لَها الْمُخاطَبُ مَعْنىً إِلاّ إِذا رَتَّبَها عَلى سُؤالٍ سابِقٍ مُوَطِّئٍ ، أَيْ إِذا أَوْرَدَها في تَرْتيبِ الْكَلامِ بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْمُتَكَلِّمِ . وأَمّا النّاظِرُ النَّحْوِيُّ ، فَإِنَّهُ لا يُعْرِبُ وَجْهَ النَّصْبِ ، إِلاّ بِتَقَديرِ ناصِبٍ يُمْليهِ سِياقُ الْحالِ، ويُرَجِّحُهُ .
و مِمّا يُفْتَرَضُ الْكَلامُ فيهِ جَواباً مِنَ الْمُخاطَبِ عَنْ سُؤالٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ فَيَكونُ الْخِطابُ مُنَزَّلاً بَيْنَهُما قَوْلُهُ ''مَرَرْتُ بِرَجُلَيْنِ مُسْلِمٍ و كافِرٍ'' جَمَعْتَ الاسْمَ و فَرَّقْتَ النَّعْتَ ، وإِنْ شِئْتَ كانَ الْمُسْلِمُ و الْكافِرُ بَدَلاً، كَأَنَّهُ أَجابَ مَنْ قالَ ''بِأَيِّ ضَرْبٍ مَرَرْتَ؟'' وإِنْ شاءَ رَفَعَ كَأَنَّهُ أَجابَ مَنْ قالَ ''فَما هُما؟'' فَالْكَلامُ عَلى هذا وإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ الْمُخاطَبُ، لأَنَّهُ إِنَّما يَجْري كَلامُهُ عَلى قَدْرِ مَسْأَلَتِكَ عِنْدَهُ لَوْ سَأَلْتَهُ » .
و’’افْتِراضُ الْكَلامِ جَواباً،، هُوَ تَقْديرُ ’’بِنْيَةٍ ذِهْنِيَّةٍ،، ماثِلَةٍ خَلْفَ ’’الْبِنْيَةِ اللَّفْظِيَّةِ،، و كاشِفَةٍ عَنْ نِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ و قَصْدِهِ إِلى جِهَةٍ في الْمَعْنى . و مِمّا جاءَ في هذا الْمَعْنى أَيْضاً قَوْلُهُ: « و قَدْ يَجوزُ أَنْ تَقولَ ''مَرَرْتُ بِقَوْمِكَ، الْكِرامَ'' إِذا جَعَلْتَ الْمُخاطَبَ كَأَنَّهُ قَدْ عَرَفَهُمْ، كَما قالَ ''مَرَرْتُ بِرَجُلٍ زَيْدٌ'' فَتُنَزِّلُهُ مَنْزِلَةَ مَنْ قالَ لَكَ : ''مَنْ هُوَ ؟'' و إِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ...»