أبو عقيل لَبيد بن ربيعة بن مالك العامِري من عامر بن صعصعة من قبيلة هوازن .(توفي 41 هـ / 661م)
قدم على النبيّ صلى الله عليه وسلم سنة وفدَ قومُه بنو جعفر بن كلاب ، فأسلم وحسُن إسلامه ، وهو معدود في فحول الشعراء المجودين ، صحابيٌّ وأحدُ الشعراءِ الفرسانِ الأشرافِ في الجاهلية .
عمُّه مُلاعِبُ الأسِنَّةِ ، وأبوه ربيعةُ بنُ مالك والمُكنَّى بـ"ربيعة المُقْتِرين" لكرمه. من أهل عالية نجد، مدح بعض ملوك الغساسنة مثل: عمرو بن جبلة وجبلة بن الحارث. أدرك الإسلام، ووفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلما، ولذا يعد من الصحابة، ومن المؤلفة قلوبهم. وترك الشعر فلم يقل في الإسلام إلا بيتاً واحداً. سكن الكوفة وعاش عمراً طويلاً. وهو أحد أصحاب المعلقات
قال ابن قتيبة لم يقل شعرا في الإسلام إلا بيتا واحدا ، هو قوله :
الحمدُ للهِ إذ لم يأتِني أجلي
حتى كساني من الإسلامِ سربالا
وقيل : بل هو قوله :
ما عاتبَ المرءَ الكريمَ كنفسِه
والمرءُ يصلحُه الجليسُ الصالحُ
وكتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى عاملِه بالكوفة المغيرةَ بنِ شعبةَ : أن أستنشدْ مَن عندك من شعراءِ مِصْرِك ما قالوه في الإسلام ، فأرسل إلى الأغلب العجلي أن أنشدني ، فقال :
لقد طلبتَ هيّنا موجودا
أ رَجَزا تريدُ أم قصيدا؟
ثم أرسل إلى لبيد : أن أنشدني ، فقال : إن شئت ما عُفي عنه "يعني الجاهلية" ، قال : لا ، ما قلت في الإسلام ، فانطلق إلى بيته فكتب سورةَ البقرةِ في صحيفةٍ ثم أتى بها ، فقال : أبدلني اللهُ هذه في الإسلام مكانَ الشعر . فكتب بذلك المغيرة إلى عمر ، فنقص من عطاءِ الأغلبِ خمسمائة وزادها في عطاءِ لبيدٍ ، فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة. فكتب الأغلب إلى عمر : يا أميرَ المؤمنين تنفص عطائي أنْ أطعتُك ؟! فردّ عليه خمسمائة ، وأقرّ لبيدًا على الألفين والخمسمائة، فلما كان زمن معاوية - رضي الله عنه- وأراد أن يجعل عطايا الناس ألفين قال له : هذان الفَودان فما هذه العلاوة؟ فقال له لبيد : أموتُ ويبقى لك الفَودانِ والعلاوةُ ، وإنما أنا هامة اليومِ أو غدٍ ، فرقّ له وترك عطاءه على حاله . فمات بعد ذلك بيسير ولم يقبضها.
وفي "الاستيعاب " ذكر المبرد وغيرُه : أنّ لبيدًا كان شريفا في الجاهلية والإسلام ، وكان نذر ألّا تهُبَّ الصَّبا إلا نحر وأطعم ، وأن الصَّبا هبّت يوما وهو بالكوفة مقتِر مملِق ، فعلم بذلك الوليدُ بن عقبةَ بن أبي مُعَيط - وكان أميرا عليها لعثمان - فخطب الناس فقال : إنكم قد عرفتم نذرَ أبي عقيل ، وما وكّدَ على نفسِه ، فأعينوا أخاكم ، ثم نزل فبعث إليه بمائةِ ناقةٍ ، وبعث الناسُ إليه ، فقضى نذرَه ، وكتب إليه الوليد :
أرى الجزّار يشحذُ شفرتَيه
إذا هبّت رياحُ أبي عقيل
أغرُّ الوجهِ أبيضُ عامريٌّ
طويلُ الباعِ كالسيفِ الصقيلِ
وفي ابنُ الجعفري بحَلْفَتَيه
على العلّاتِ والمالِ القليلِ
بنحرِ الكُومِ إذ سُحبتْ عليه
ذيولُ صَبًا تَجاوَبُ بالأصيلِ
فقال لبيد لابنته : أجيبيه ، فقد رأيتِني وما أعيا بجواب شاعر ! فأنشأتْ تقول :
إذا هبّتْ رياحُ أبي عقيل
دعونا عند هبّتها الوليدا
أشمَّ الأنف أصيدَ عبشميّا
أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركبا
عليها من بني حامٍ قُعودا
أبا وهبٍ جزاك الله خيرا
نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعُدْ إنّ الكريم له معادٌ
وظنّي بابن أروى أن يعودا
فقال لها لبيد : قد أحسنتِ لولا أنك استزدْتِه! فقالت : والله ما استزدتُه إلا لأنه ملك ، ولو كان سوقة لم أفعل.
وقالت عائشة - رضي الله عنها - : رحم الله لبيدا حيث يقول :
ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافِهم
وبقيتُ في خَلْفٍ كجلدِ الأجربِ
لا ينفعون ولا يُرَجّى خيرُهم
ويعابُ قائلُهم وإنْ لم يَشْغَبِ
قالت رضي الله عنها : فكيف لو أدرك زماننا !
ومطلع معلقة لبيد:
عفـتِ الـديـارُ مـحـلُّـهـا فـمُـقـامُـهَــا
بـمـنًـى تـأبَّـدَ غَـوْلُــهـا فَـرِجَــامُـهَــا