سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

82-أ.د. علي مدكور، ورأيه في أسباب النهوض باللغة العربية على مستوى تغيير النفوس، وعلى المستوى التعليمي:
أ-على مستوى تغيير النفوس:
لابد من تغيير الذهنية، وتعريب العقل العربي، عن طريق التعليم والتعلم باللغة العربية في جميع مراحل التعليم؛ لأن ذلك هو الأصل الذي لابد من العودة إليه، ويستند ذلك على المنطق العلمي والبحثي الذي نوُجزه فيما يأتي:
1-إن اللغة ليست مجرد وسيلة أو أداة أو وعاء، إنها الرحم الذي يصنع الفكر والولاء والانتماء والثقافة والهوية والشخصية والوطن... إن اللغة وطن.
2-إن التعليم والتعلم بغير اللغة الأم يضيع مفاتيح الفكر، ويغلق أبواب الإبداع، فالتعليم بغير لساننا لا يمكن أن يكون ترجمانًا صادقًا لفكرنا وخيالنا ووجداننا.
3-إن العقل متكون في جوهره من تقاليد اللسان، فإذا انفصل العقل عن اللسان فإن ذلك يؤدي إلى تردي القوة العقلية وإلى التردي الفكري والعلمي.
4-من الثابت علميًّا أن قيام العضو بوظيفته ينشط العضو، بل ينشئه؛ ولذا فإن إقصاء اللغة العربية عن أداء دورها في تعليم العلوم يزيدها قصورًا عن أداء هذا الدور، ويبقيها دائمًا خارج السباق، وهذا إضرار بها، وإضرار بالعلم ذاته، وإضرار بمستوى الأمة في نهضتها العلمية والمعرفية والحضارية.
5-إن ادعاء أن اللغة العربية لا تفي بمطالب التعبير عن العلوم التطبيقية، وأنها قاصرة عن ملاحقة التطور العلمي في هذه المجالات يتناقض مع الحقيقة العلمية في هذا المجال، وهي أنه لا توجد لغة قاصرة، وإنما أهلها هم القاصرون أو المقصِّرون، وهذه من ادعاءات المستعمرين للبلاد العربية قديمًا، وقد دحضتها الحقائق العلمية منذ زمن طويل.
ب-على المستوى التعليمي:
1-اللغة تحيا في البيت والمدرسة، وفي الحقل والمصنع، وفي السوق والمتجر، وفي الجامعة ومراكز البحوث، وفي الصحف والمجلات، وفي المسرح والسينما وبرامج التليفزيون، وفي كل مجال من مجالات الحياة الاجتماعية، وهي تحيا وتتطور، وتخلق وتبتكر، وتسير مع الزمن، وتسد حاجات العصر ومتطلبات الحياة.
2-عمل المجامع أن تتابع هذه المسيرة، وتترقب خطاها، وتلاحظ وتسجل، تقر ما استقام من الألفاظ والأساليب والتراكيب، وترفض ما اعوجَّ، توصي وتأمر، توصي وتلزم، فيجب أن يكون لرأيها اعتبار، ولتوصياتها تقدير؛ لأن الأمر يرتبط بالهوية والشخصية والأمن القومي.
3-وجوب تأخير تعليم أية لغة أجنبية بجانب اللغة العربية في التعليم الأساسي حتى نهاية المرحلة الابتدائية، وذلك في جميع المدارس الحكومية والخاصة والدولية التي يتعلم فيها أبناءُ المصريين.
4-التركيز على تعليم اللغة الوظيفية، وعلى تعليم اللغة تعليمًا وظيفيًّا، بالتكيف مع المجتمع ومتطلباته، ومع اللغة المستعملة في مواقع العمل، ووصل لغة المدرسة بلغة الحياة.
5-النظر إلى اللغة العربية بوصفها وحدة تتكامل فيها الفنون اللغوية، لا بوصفها فروعًا أو جزرًا منعزلة لا يجمع شتاتها جامع.
6-الدخول بالعربية إلى مجال الحاسوبية، وإلى تعريب نظم التشغيل، وإلى الترجمة منها وإليها؛ حيث إن النظام الاشتقاقي في اللغة العربية بينه وبين البرمجة الحاسوبية والمنطق الحاسوبي من الصلات ما يكفي لإلهاب خيال المتعلمين وجذبهم إلى دراسة العربية والنحو العربي.
7-تعريب نظم التشغيل للحاسوب؛ وذلك لضرورة توفير ثنائية لغوية متوازنة بين الإنجليزية –أو غيرها– وبين العربية، بحيث يتم تحويل البرامج الحاسوبية من الإنجليزية إلى العربية مباشرة، وبذلك يتاح هذا الرصيد الضخم من المعلومات والمعارف الموجودة في اللغات الأخرى، إلى الناشئة والشباب العربي مباشرة.
8-تصميم لغات برمجة عربية: لقد أصبحنا في حاجة ملحة إلى إعادة النظر في مناهج تنظيرنا اللغوية؛ وذلك بهدف بلورة أساليب متقدمة لصياغة قواعد النحو والصرف، وذلك تمهيدًا لتطويع اللغة العربية لمطالب المعالجة الآلية، ولا نقصد بذلك اختزال قواعد اللغة العربية أو تعديلها، بل توافر البنى الأساسية اللازمة لمعالجتها آليًّا.
9-إعادة تصميم مناهج اللغات في منظومة واحدة، وأن يكون لتعليم اللغات قسم واحد لا أقسام متعددة، وأن يقوم تعليم اللغات على التكامل بدلًا من التنافس والتناحر.
10-زيادة درجات اللغة العربية في المراحل المختلفة عناية بها وزيادة عدد الحصص المخصصة لها في الجداول الرسمية.
11-العناية بالمعلم وطرائق التدريس، فقد أثبت البحث العلمي والواقع العملي أن المعلم كان ولا يزال وسيظل– هو الذي يصنع الفارق في نجاح منظومة التربية والتعليم أو إخفاقها.
12-الإبقاء على النظامين التتابعي والتكاملي في إعداد المعلمين الأكفاء وإعادة هيكلة النظام التكاملي، بحيث يتكامل فيه الإعداد الأكاديمي التخصصي مع الإعداد التربوي والثقافي.
13-الاهتمام بالإعداد الثقافي والتخصصي والتربوي لكل المعلمين بعامة، ولمعلمي اللغة العربية بخاصة، وتدريبهم دوريًّا أثناء العمل لتجديد معارفهم ومهاراتهم، وجعل المدرسة وحدة تدريبية.
14-قصر القبول بكليات التربية على من لديهم الاستعدادات والقدرات ليكونوا معلمين مهرة، وبذلك يسهمون في تحويل التربية والتعليم إلى مهنة لها أصولها وقوانينها وقواعدها وأخلاقياتها الباقية.
15-تعيين أوائل الكليات المختلفة ممن لديهم الرغبة والاستعدادات والقدرات معلمين للتعليم الابتدائي، بعد إعدادهم تربويًّا ومهنيًّا، وتقديم الرعاية الملائمة والمقابل المادي والمعنوي المتميز لهم، وبذلك يسهمون في تغيير نظرة المجتمع وثقافته نحو مهنة التعليم عامة، ومعلم التعليم الابتدائي خاصة.
16-وضع شهادة دولية للغة العربية مصمَّمة ومنفَّذة على المستوى القومي للأمة العربية، بحيث تلزم كل العرب في شتى أقطارهم أن يطلبوا من غير العرب الساعين لآفاق العلاقات العربية الحصول على شهادة اللغة العربية الدولية؛ لتيسير العلاقات، وتسهيل المصالح المشتركة.
17-إن هذا المشروع ضرورة عصرية للدفع بلغتنا الفصيحة إلى ميدان السباق الدولي للغات الحية؛ فشهادة اللغة العربية الدولية تتيح فرصة كبيرة لتوطين العربية في أجهزة الحاسوب، وفي شبكة المعلومات الدولية، وتعين في تعريب برامج التشغيل، وفي المشاركة الفعالة في النشاط الكوني.
المصدر: اللغة العربية وتحديات النهوض، بحث مقدم إلى مؤتمر: اللغة العربية وتحديات البقاء، ص 122-124.
إعداد: د. مصطفى يوسف