الشمقمقية : شرح مختصر من شرح الشيخ الحسني ( 20)
نواصل اختصارنا لشرح الشيخ عبد الله كنون الحسني - رحم الله والديّ ورحمه - لأرجوزة (الشمقمقية) يقول الناظم مواصلا مدحه للسلطان :
240 – فصار فيء العدل في زمانه *** منتشرا مثل انتشار الشّرَقِ
241 – وشاد ركن الدين بالسيف وقد *** حاز بتقواه رضى الموفق
((الفيء الظل عند الزوال يسمى فيا لرجوعه من جانب إلى جانب. قال ابن السكيت : الظل ما نسخته الشمس. والفيء : ما نسخ الشمس. ومنتشرا : أي ممتدا. الشرق : الشمس. قوله : وشاد ركن الدين : أي رفعه وعلاه. وحاز : أي حوى وحصل. والموفِق بالكسر : اسم فاعل من التوفيق،وهو الهادية،والله هو الموفق.))
242 – وقد رقى في ملكه معَارِجاً *** لم يكُ غيره إليها يرتق
243 – وردّ أرواح المكارم إلى *** أجسادها بعد ذهاب الرمق
244 – والسعد قد ألقى عصى تَسْياره *** بقصره وخصه بمعشق
((رقى : أي علا،وهو بالفتح في المعاني وبالكسر في المحسوسات. ومعارج : أي رتبا عالية،وهو جمع معراج،والكلام على الاستعارة. وقوله : والسعد قد ألقى عصى تسياره هو كناية عن الإقامة لديه،وهو من قول الشاعر :
فألقت عصاها واستقر بها النوى *** كما قر عينا بالإياب المسافر
والمعشق : مصدر ميمي))
245 – يا ملكا ألوية النصر على *** نظيره في غربنا لم تخفق
246 - طاب القريض بكم وازدان لي *** وجاش صدري بالفريد المونق
(( قوله : يا ملكا بالنصب : لأنه من قبيل المشبه بالمضاف. وألوية النصر : أي أعلامه. ونظيره : أي مثله. ولم تخفق : لم تضطرب،وهو بضم الفاء وكسرها. وقوله : وازدان : أصله ازتان،من الزين،ضد الشين،فأبدلت التاء فيه دالا وهو مطاوع زين!! فمعنى أزدان لي زينته فتزين. وجاش : أي فاض. والفريد : الدر المنظوم أو كباره،واستعاره للشعر النفيس. والمونق : المعجب.))
247 – لولاك كنت للمديح تاركا *** لعدم الباعث والمشوق
248 – ترك الغزال ظِلّه وواصل *** للراء وابن تولب للملق
(( لولا : حرف امتناع لوجود،أي امتناع تركي للقريض من أجل وجودك. والقريض : الشعر. ولعدم الباعث : علة في تركه للشعر. والباعث : السبب الحامل للمرء على إتيان الشيء. والمشوق : المغري المميل،والباعث عند الشعراء هو ما ذكره الغزي :
قالوا تركت الشعر قلت ضرورة * باب الدواعي والبواعث مغلق /
خلت الديار فلا كريم يرتجى *منه النوال ولا مليح يعشق
قوله ترك الغزال ظله : هو مفعول مطلق لتاركا،ومعناه من المثل ترك ظبي ظله،وذلك أن الغزال يكون مستظلا في كناسه وقت الحر فيأتي الصائد ليثيره،فينفر ولا يعود إليه،يضرب لمن يخرج من مقام خفض ورخاء إلى مقام بؤس وشقاء. وأما واصل : فهو ابن عطاء شيخ المعتزلة وخطيبهم،وكان يلثغ بالراء :أي يبدلها غينا،فكان يتخلص منها ويتلطف في تجنبها فلا تقع في كلامه أصلا،وذلك لاقتداره على تصريف الكلام وتمكنه من ناصية اللغة،فمن ثم ضرب المثل بتركه للراء. وأما ابن تولب : فهو النمر بن تولب العكلي الصحابي،وكان من الشعراء المخضرمين وذوي الجاه والمجادلة،إلا أنه لم يمدح أحدا ولا هجاه ترفعا منه وتأبيا،فهذا معنى قول الناظم ترك ابن تولب للملق،لأن مدح الشعراء كثيرا ما يكون باعثه الملق.))
249 – وكنت في تركي له كابن أبي *** ربيعة الناذر عتق الهُنْبُق
(( كان عمر بن أبي ربيعة لما تنسك في آخر عمره ترك الشعر وحلف أنه لا يقول بيتا من الشعر إلا أعتق رقبة،فنظر ذات يوم رجلا يكلم امرأة في الطواف فعاب عليه ذلك،فقال : إنها ابنة عمي. فقال : ذلك أشنع لأمرك،فقال : إني أحبها وقد خطبتها إلى عمي فأبى عليّ إلا بصداق أربعمائة دينار ثم أنه شكا إليه كلفه بها،فرق له ابن أبي ربيعة ومضى إلى عمه،فكفل له الصداق وتزوجها الرجل،فانصرف عمر إلى بيته وهو يحدث نفسه،فجعلت جارية له تكلمه فلا يرد عليها،فقالت له : إن لك لأمرا،فقال :
تقول ولديتي لما رأتني *** طربت وكنت قد أقصرت حينا
أراك اليوم أحدثت شوقا *** وهاج لك الهوى داء دفينا
فقلت شكا إلي أخ محب *** كبعض زماننا إذ تعلمينا
في أبيات أخرى ضمنها هذه الحكاية،أعتق بعدها رقبة لكل بيت،فهذا معنى قول الناظم: الناذر عتق الهنبق. أي الملتزم. والهنبق : الغلام.))
250 – ومذ بك الرحمن منّ لم يزل *** فكري في بحر الثنا ذا غرق
((مَنّ : أي أنعم. وبك متعلق به. وذا غرق : أي غارقا. وفي بحر الثنا : استعارة،وهو متعلق بغرق،وهذا البيت من معنى ما قبله،فهو توكيد لقوله لولاك.))
251 – لا زلت بدرا في بروج السعد *** تنسخ بنورك ظلام الغسق
252 - ولا برحت بالأماني ظافرا *** ومدركا لما تشا من أنق
253 - بجاه جدك الرسول المصطفى *** خير الأنام الصادق المُصدق
254 - وسورة الفتح وطه والضحى *** وآية الكرسي وآي الفلق
(( هذا دعاء الختام الذي جرت عادة الشعراء به.
فقوله : لازلت بدرا : أي أبقاك الله مثل البدر. والبروج : جمع برج : وهو منازل الكواكب في السماء. قال تعالى : "والسماء ذات البروج".تنسخ : أي تمحو. والغسق : أول ظلمة الليل،وقد غسق الليل من باب جلس : أظلم. قوله : ولا برحت : مثل لازلت. وظافرا بالأماني: أي فائزا بها ومحرزا لها. ولما تشا : أصله المد فخفف. والأنق : الفرح والسرور.))
إلى للقاء في الحلقة القادمة .. إذا أذن الله.
أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني