من أعلام اللغة المعاصرين
يستضيء هذا الرِّواقُ بأحد أعلام العربية المعاصرين وعلمائها الشاهدين على تاريخها، نجتني من سيرته رُطبًا جنيًّا، ونقتطف من محاورته أفكارًا ورؤًى تنير دروب السالكين مهادَ العربيةِ، وتضيء آفاق الباحثين عن لآلئها بين الأصداف، وتقدم جزءًا من حق هؤلاء العلماء علينا، وتُزْخِرُ المكتبة العربية بإشراقات من حياة هؤلاء السادة وآثارهم الساطعة وسِيَرِهم الناصعة، فهم الذين جَلَوا بكلامهم الأبصارَ الكَليلةَ، وشَحَذوا بمنطقهم الأذهانَ العَليلة، فنبَّهوا القلوبَ مِنْ رَقْدتها، ونقلوها مِن سوء عادتها، فداوَوها من العيِّ الفاضح، ونهجوا لها الطريق الواضح.
(17) أ.د مصطفى جواد - رحمه الله-
أستاذ اللغة العربية وعضو المجمع العلمي العراقي والمصري والسوري والمغربي والأردني
[IMG]
[/IMG]
تتلألأ نجومُ اللغة في سماء العربية فتشِعُّ ضياءً وتتوهَّجُ إشراقًا فتُظهر لك كل جديد، والدكتور مصطفى جواد نجم في سماء العربية لغة وأدبًا، دائمًا يهديك جديده في خِلْعة من البهاء، ويأخذ بيديك إلى نظرته الوليدة في سلاسة وعذوبة وحجة ناصعة وبيان دامغ، حتى تصدر طريقته ونبغ فيها، وصارت سيرته مثلًا للعالم الرئيس الرَّيِّضِ في علمه وبابته، فأحببنا أن نأخذ منها بقبس نستضيء به في حوالك الليالي ، ونتلمس منها الهدى في بلوغ المعالي.
*تخرجه العلمي ومسيرته العملية:
وُلِد مصطفى بن جواد بن مصطفى بن إبراهيم البياتي، بمحلة شعبية اسمها القشلة (عقد القشل) في الجانب الشرقي من بغداد عام 1904 لأبوين تركمانيين من عشيرة صارايلو وهي من البيات . كان والده خيّاطا يدعى "جواد مصطفى إبراهيم" وأصل أسرته من دلتاوه، قضاء الخالص في محافظة ديالى (لواء ديالى سابقا) لذلك كان يوقع مقالاته وقصائده المُبَكِّرة باسم "مصطفى جواد الدلتاوي" ثم حذف هذه النسبة بعد ذلك، وأنتقل مع والدهِ إلى دلتاوه وعمل بالفلاحة في صباه ثم عاد إلى بغداد وأكمل دراسته الابتدائية هناك.
درس العلوم الابتدائية في دلتاوه حيث تعلم في الكتاتيب القرآن والقراءة والكتابة ثم في المدارس فأصبح قارئاً للقرآن الكريم وحافظاً له. وبعد وفاة والده جواد في دلتاوه في أوائل الحرب العالمية الأولى، عاد ابنه مصطفى إلى بغداد مسقط رأسه بعد الاحتلال البريطاني وأكمل بقية دراسته الابتدائية في المدرسة الجعفرية. حيث كان شقيقه "كاظم بن جواد" من أدباء بغداد في التراث الكلاسيكي وهو الذي أسهم ببناء قاعدة العشق اللغوي في شقيقهِ الأصغر. اذ كلّفه شقيقه بدراسة النحو ومعاني الكلمات وأعطاه قاموساً في شرح مفردات العربية وأوصاه بأن يدرخ (يحفظ) عشرين مفردة في اليوم الواحد، ودرخ أكثر من عشرين حتى نشأت فيه حافظة مؤدرخة. كما كان لشقيقه صلة تعارف مع مدير المدرسة الجعفرية الشيخ "شكر البغدادي" (1855-1938) الذي بدوره ألزم التلميذ مصطفى جواد بحفظ الأجرومية في النحو فحفظها في ثلاثة أيام. دُهِش الشيخ شكر وأهداه كتاب "شرح قطر الندى" فأتقن مضامينه أمام الشيخ. وشاع أمره بين طلاب المدرسة الجعفرية لذا أُطلِق عليه لقب "العلّامة النحوي الصغير". وانتقل لاحقا إلى مدرسة باب الشيخ.
أكمل دراسته خلال الفترة (1921-1924) في دار المعلمين العالية عام 1924، وفي هذه الدار وجد اثنين من أساتذته يعتنيان بموهبته وهما "طه الراوي" (1890-1946) حيث أهداه كتاب المتنبي لما وجده يحفظ له قصيدة طويلة بساعة واحدة بصوت شعري سليم بأوزانه، وأستاذه الآخر ساطع الحصري حيث أهداه قلما فضيا بعد أن وجد قابلية تلميذه تتجاوز مساحة عمره إلى أقصى الحدود، وكان أساتذته يقولون له: "أنت أفضل من أستاذ!" فهو يكمل عجز البيت الشعري إذا توقف عن ذكره، ويحلل القصيدة ويتصيد الأخطاء ويشخص المنحول بقدرة استقرائية غير مستعارة من أحد.
حصل على بعثة لتطوير دراساته في باريس فقضي سنة كاملة في القاهرة لتعلم الفرنسية وهناك التقى رواد الثقافة طه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد حسن الزيات وباحثهم وجادلهم في أخطائهم ولم يذعنوا لأنهم كما يقول مصطفى جواد "مدارس وقدرات" ولا يجوز انتقادهم. سافر إلى فرنسا خلال الفترة (1934-1939) وأكمل دراسة الماجستير والدكتوراه في جامعة السوربون في الأدب العربي فنالها عن أطروحته "الناصر لدين الله الخليفة العباسي". نشبت الحرب العالمية الثانية فعاد إلى بغداد سنة 1939 قبل أن يناقش الرسالة وعاد معه الدكتور ناجي معروف، والدكتور "سليم النعيمي"، وهما مثله كانوا بانتظار مناقشة الرسالة.
أفاد ذاكرته التراثية في باريس من ملازمته لمجلس الميرزا "محمد القزويني" ومكتبته التراثية فنسخ منها عشرات المحفوظات العربية النادرة، وعشرات مثلها من المكتبة الوطنية الفرنسية، ومهمة النسخ هذه ساعدته على اتساع خياله التراثي وإرجاع الفرع الذي قرأه في الكتب الحديثة إلى الأصل الذي هو في الكتب الأولى وهذه المراجعة والمذاكرة مع الذات تمهد له الطريق لاكتشاف المزيد من حقائق اللغة التراثية وتجعل ذهنه ذهنا مقارنا حيوي التخريج.
* المناصب والوظائف:
بعد تخرجه من دار المعلمين العالية، مارس مهنة التعليم في المدارس مدة تسع سنوات (1924-1933) متنقلاً بين البصرة والناصرية وديالى والكاظمية، حيث تم تعيينه معلماً للمدارس الابتدائية.
ولقد عمل مدرساً في معهدهِ الذي تخرج منهُ وفي كلية التربية التي ورثت المعهد بعد تأسيس جامعة بغداد. في عام 1962، انتدب للتدريس في معهد الدراسات الإسلامية العليا وعُيِّن عميدا للمعهد المذكور بعد عام.
تم تعيينه كاتباً للتحرير في وزارة المعارف ونقل بعد ذلك معلمًا في المدرسة المأمونية ببغداد، ومنها نقل إلى المدرسة المتوسطة الشرقية ببغداد. تعرف خلال هذه المدة على الأب أنستاس الكرملي فلازمه وكتب في مجلته "لغة العرب". كما شغل منصب المشرف على الأساتذة الخصوصيين الذين أشرفوا على تدريس وتثقيف الملك فيصل الثاني ملك العراق. وهو أحد الأصدقاء المقربين للسيد رشيد عالي الكيلاني وكان على صلة طيبة به خصوصا أنهما بالأصل من لواء ديالى.
*ملامح شخصيته:
التركمان شريحة مثقفة واعية من الشعب العراقي الأصيل صاحب أقدم الحضارات الإنسانية على الأرض، حضارة وادي النهرين . قدموا خدمة جليلة للعراق وفي كافة المجالات الحياتية وخصوصًا علوم اللغة والفقه والفلسفة والثقافة والفنون منها، فكما كان للتركمان علماء وفلاسفة وعباقرة من أمثال الفارابي والبيروني وغيرهما من القادة العظام الذين دافعوا عن حياض الوطن العراقي الغالي، من أمثال البطل عمر علي ومصطفى راغب باشا وغازي الداغستاني وعبدالله عبدالرحمن ويالجين عمر عادل وعصمت صابر. كذلك كان للتركمان أدباء وكتاب ولغويين كثيرين خدموا اللغة العربية بنتاجاتهم الثقافية الإبداعية ومؤلفاتهم الكتابية واللغوية. فكان للتركمان شعراء وكتاب كثيرون ألفوا قصائدهم وكتبوا قصصهم وكتاباتهم بالعربية أيضًا إضافة إلى لغتهم الأم التركمانية، وفنانون كبار احترفوا فن الخط العربي وأبدعوا فيها أكثر من الخطاطين العرب أنفسهم، وقراء المقامات العراقية المشهورين والموسيقيين. فهناك المئات من أمثال عماد الدين نسيمي البغدادي وفضولي وهجري ده ده وخضر لطفي ومحمد صادق وشاكر صابر ضابط والملا طه كركوكلي ورشيد كوله رضا وعز الدين نعمت ومحمد عزة الخطاط.
مصطفى جواد واحد من أولئك المثقفين الأصلاء، أنه من عمالقة اللغة العربية البارزين في العراق خدموا اللغة العربية وأسسوا قواعدها. فالمرحوم مصطفى جواد كان ولا زال رمزًا تركمانيًّا خالدًا خدم العراق وشعبه طيلة حياته فكان معلمًا ومربيًا ورائدًا وأديبًا وفنانًا وفيلسوفًا وعبقريًّا، وكان رجلا بكل معنى الكلمة وللتركمان حق بالافتخار به. فبالرغم من كونه تركمانيًّا علم العرب لغتهم وقال كلمته المشهورة " جئت لأعلم العرب لغتهم" فرحمه الله كان موضع فخرنا واعتزازنا. وسيبقى كذلك للأجيال التركمانية القادمة.
عرف العراقيون الذين عاصروا الفقيد مصطفى جواد رحمه الله من خلال برنامجه الإذاعي المشهور (قل ولا تقل). ذلك البرنامج اللغوي الشيق والذي كان يتابعه الصغار والكبار. ذلك البرنامج الذي كان فيه المرحوم يبسط اللغة العربية للمستمع العام وللمختص اللغوي وبحرفة الكتابة في آن واحد. فكان من أبرز أعلام اللغة العربية في القرن العشرين. وكان عضوا نشيطًا في المجاميع اللغوية والمجالس الثقافية ومحققًا لغويًّا ومؤرخًا ثقة في نتاجاته ودراساته في شتى اختصاصات اللغة العربية وتاريخها. وكما كان من رافعي مشاعل النهضة الأدبية وموسوعة معارف في اللغة والبلاغة.
*الكتب و البحوث العلمية المنشورة :
كتب الكثير من الأبحاث والكتب عن اللغة العربية وكيفية تحديثها وتبسيطها. ولهُ العديد من المؤلفات المشتركة ومقالات ودراسات منشورة لم تجمع بعد، كما واصل النشر والكتابة والبحث والتنقيب والتخصص في اللغة وتاريخها فألف وحقق ما يثريها ويعمق من معرفتها والتمعن بها، باذلا جهوده في الإحاطة بها رغم معاناته من مرض القلب وقام بتدريس اللغة لأكثر من خمس وأربعين سنة، ترك خلفه كنزا ثمينا من آثاره ومؤلفاته المختلفة في شتى ميادين المعرفة بلغت مجموعها 46 أثرا، نصفها مطبوع ونصفها الآخر ما زال مخطوطا، وأشهر المخطوط كتابه الكبير "أصول التاريخ والادب" ويقع في 24 مجلد ومازالت موجودة لدى ولده المهندس جواد مصطفى جواد. وله العديد من المؤلفات المشتركة ومقالات ودراسات منشورة لم تجمع بعد وكتب مترجمة عن الفرنسية. بلغت كتبه المطبوعة عشرين كتابا بين تأليف وتحقيق ونقد، وبلغت كتبه الخطية أكثر من عشرة كتب. ونقد شعره مرارا لأنه شعر علماء يغلب فيه المنطق على الوجدان، أما مقالاته في المجلات فتقدر بألف مقالة تتركز في علم التحقيق وعلم المخطوطات والتاريخ والآثار العباسية والنقد اللغوي. بالإضافة لكونه من عباقرة اللغة العربية وموسوعة معارف في البلاغة والسير والأخبار والآثار، كان مؤرخ معروفا، وله مصادر تاريخية موثوقة يرجع إليها الباحثين والمهتمين في شؤون التاريخ. فكانت حياته الثقافية حافلة بالإبداعات في البحث والتنقيب والتخصص في اللغة وتاريخها فألف وحقق ما يثريها ويعمق من معرفتها والتمعن بها، باذلا جهوده في الإحاطة بها وتدريسها لأكثر من خمس وأربعين سنة. ومن مؤلفاته:
1-الحوادث الجامعة" أول كتاب صدر له (1932)
2-سيدات البلاط العباسي." (1950)
3-المباحث اللغوية في العراق" (1960)
4-سيرة أبي جعفر النقيب" (1950)
5-خارطة بغداد قديما وحديثا" (مع الدكتور أحمد سوسة وأحمد حامد الصراف)
6-دليل خارطة بغداد" (مع الدكتور أحمد سوسة)
7-دليل الجمهورية العراقية" لسنة (1960) (مع محمود فهمي درويش وأحمد سوسة)
8-الأساس في الأدب" (مع أحمد بهجت الأثري وكمال إبراهيم)
9-دراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة والرسم" (1968)
10-قل ولا تقل" (1969)
11-قصة الأمير خلف" (مترجمة عن الفرنسية)
12-رحلة أبي طالب خان" الرحالة الهندي المسلم للعراق وأوروبا عام 1799 (طبع سنة 1970)
13-دليل خارطة بغداد المفصل" (مع الدكتور أحمد سوسة) مطبعة المجمع العلمي العراقي (1958)
14-جاوانية القبيلة الكردية المنسية" المجمع العلمي العراقي
15-رسائل في النحو واللغة" آخر كتاب طبعه (1969)
16-مستدرك على المعجمات العربية" كتاب خطي
17-الشعور المنسجم" ديوان شعر
18-الضائع في معجم الأدباء" أعادت دار المدى بدمشق نشر الكتاب بتقديم الدكتور عناد غزوان، تلميذه الوفي له ولدراسة الأدب واللغة والنقد الأدبي، بحثا وتدريسا واهتماما وسهرا على ما غرسه العلامة بنفوس محبي لغتهم وتراثها الإنساني.
*شغفه باللغة العربية:
لما اكتشف المفتشون أنه أكثر قابلية منهم في طرق التدريس (وبفصحى لا مثيل لها) توجه إلى تدريس المتوسطة، وخلال تسع سنوات في التعليم قرأ المطولات في الشعر والتاريخ والتراث، وكانت مكتبته ترافقه حيثما حل، وفي هذه الحقبة ذاتها نشر أبحاثه اللغوية في الدوريات المحلية والعربية ولا سيما تلك الصادرة في مصر ولبنان، وطبع كتابين في التحقيق التراثي. أخذ يتردد أثناء عطلاته على مجالس بغداد ويدخل معارك أدبية حول فنه الذي ما فارقه (التصحيح اللغوي) الذي ألزمه بأن يدرخ كثيرا ويعلل الدرخ ويقرنه بمزيد من الأسانيد والشواهد مما أتاح لذاكرته بأن تتوسع بخزن المتراكم طبقة فوق طبقة.
خلال سنة 1925 تعرف على العلّامة اللغوي الأب أنستاس الكرملي وكان للكرملي مجلس أدب ولغة في الكنيسة اللاتينية يؤمه أدباء الدرجة الأولى في بغداد، وفي جلسته الأولى أثار مصطفى جواد معركة حامية حول العامية والفصحى، وكان يبزهم في الأدلة والبراهين، فمال إليه الكرملي منذ لحظته الأولى قائلا: "أريدك يا أخ اللغة أن تحضر مجلسي كل أسبوع". عند حضوره في الأسبوع الثاني كلفه الكرملي بأن يهندم مكتبته على التنظيم العصري وكانت من خيرة مكتبات بغداد، فنظمها وجعل لها فهارس وأخرج منها العابث والمكرر، ثم اقترح عليه الكرملي الكتابة في مجلته الشهيرة لغة العرب، فكتب أبحاثا لغوية ونقدا في التراث اللغوي وزاوية خاصة بـ"التصويبات اللغوية" وهذه جعلته على اللأسنة بين أخذ ورد وجدل وانتقاد وكانت معاركه تسمع في القاهرة وبلاد الشام، وهذه وحدها جعلته يمتد في الذاكرة اللغوية وجعلته أيضا أن يكون سيدا في إرجاع ما يشاع بأنه فصحى إلى العامية وبالعكس وكان الكرملي مثله سيدا في اللغة العربية ومثله تعرض لخصومات جيرانه التي أرادت أن تبطش به لولا دفاع مصطفى جواد عن جواهره وإنجازاته في لغة العرب، وكتب مقالة بحق الكرملي في مجلة السياسة المصرية في الثلاثينيات كان بها ينهي خصومة الكرملي، وهو القائل على قبره:
"ياسائرا، ووجيب القلب صاحبه ... لنا ببغداد من بين القسوس أب
أب عزيز وذو علم ومعرفة ... قضى السنين بشوق العلم يكتسب"
من إنجازاته اللغوية
إعداد قواعد جديدة في النحو العربي كبدائل لقواعد نحوية قديمة.
إعداد قواعد وقوانين جديدة في تحقيق المخطوطات التراثية.
إنزال الفصحى إلى العامة بأسلوبه السلس ذي الجرس الأنيس.
تنبيه أساتذة الجامعات إلى اعتماد لغة سليمة في أبحاثهم.
تعليم الباحثين طريقة الاستناد إلى الشواهد شعرا ونثرا وسواء كانت الشواهد من القرن الأول الهجري أم من العصر الحديث، وبذلك حررهم من الجمود الفكري.