المناسبة بين المعاني وأثرها في عطف الجمل
د. الحسن المثنى عمر الفاروق
وقف علماء العربية عند الجمل وعلاقاتها المختلفة وتلاحم المعاني بينها فكلما اشتد التعلق كان وصل الكلام أشد لزوماً وأكثر اتساعاً وأوفر حظاً. وكلما قل التعلق كان قطع الكلام والاكتفاء به أشد لزوماً وأقرب مجالاً.
وكان لعلماء البلاغة والبيان القدح المعلى في تناول هذه القضية فقد أفردوا لها الأبواب والمباحث وقد استهدفوا من ذلك البحث في المناسبات بين المعاني وتحديد صلاتها ومجالات التقائها ولم فصلت هذه المعاني عن تلك ؟ ولم وصلت ؟ وما هو نوع الصلات ؟ وما هو حدها ؟ وما هي مكانتها ؟ ونظروا في لحمة النسب بين الكلمات المفردة وأتبعوا ذلك بتدبر أعطاف الجملة وعلاقاتها بجاراتها من الجمل الأخرى ، وتناولوا مقاطع الكلام ومفاصله عند منتهى أجزاء معانيه وتأملوا في هذه المقاطع وحاولوا أن يحددوا الخيوط التي تجمعها ودققوا فيها.
وقد بدا تتبع البلاغيين للحمة النسب بين الكلمات في الجملة مبكراً في ملاحظاتهم على بعض الشعر والنثر وفي نقدهم لبعض الشعراء ، فوصْفُ الكلام بالجودة والسبك والمتانة لا يتأتى إلا بجودة التآخي بين الكلمات داخل الجملة الواحدة ، وقد نبهوا إلى ضرورة المناسبة التي تسوغ ذكر اللفظ مع غيره واقترانه به ، والنحو العربي يعترف بهذه المناسبة فلا يقبل أن نقول: حرارة الشمس ومرارة الأرنب وألف باذنجانة. فهو مع صحة إعرابه إلا أنه غير مقبول ولذلك يرى بعض الباحثين انطلاقاً من هذا المبدأ « أن الذين يزعمون أن النحو لا يعنيه في هذا إلا أن تضبط حركات الأواخر ، لا يفهمون النحو الذي يعرفه علماء هذه الأمة هو النحو الذي يبحث منطق اللسان ويحلل ضروب العلاقات بين كلماته ويشرح سليقة الأمة المنعكسة في هذا البناء الإعرابي المعجب » (1).
وقد بدا هذا الإحساس بوجوب التآخي بين الكلمات باكراً في تراثنا الشعري عند النقاد ، فقد تحدثوا عن الكلمة المتمكنة والكلمة القلقة النابية ، ومن ذلك ما يروى عن أنه اجتمع النصيب وذو الرمة والكميت « فأنشدهما الكميت قصيدته: (هَلْ أَنْتَ عَنْ طَلَبِ الأَيْفَاعِ مُنْقَلِبُ) حتى بلغ قوله:
أمْ هَـلْ ظَعَائِنُ بالـعَلْيَاءِ نافعةٌ وإنْ تَكَامَلَ فيها الأنسُ والشّنَبُ
عقد نصيب واحدة ، فقال له الكميت: ماذا تحصي؟ فقال: خطأك ، باعدت في القول، ما الأنس من الشنب؟ ألا قلت كما قال ذو الرمة:
لَمْيَاءُ في شفتيها حُـوّةٌ لَعَــسٌ وفي اللّثاتِ وفي أنـــيابِها شَنَبُ
فانكسر الكميت » ( 2).
وقد تجاوزوا هذا الأمر ـ أعني تمكن الكلمات في الجملة ـ إلى ضرورة مراعاة التآخي بين الجمل السابقة والجمل اللاحقة ، لأن الكلام في تداعياته المختلفة يفضي من كلمة إلي جملة تتعلق بها لنلج إلى جملة أخرى ذات علاقة بسابقتها ، وهكذا يتفرع ويتداخل الكلام ويفضي بعضه إلى بعض ، وقد نظر البيانيون أيضاً إلى وجوب التآخي بين الجمل ذات الصلة فتلفق وتضم إلى بعضها في لحمة نسب تحقق المعاني التي يومئ إليها المتحدث ، فيدرك منها المتلقي العلاقات الكامنة بين أجزاء الكلام المختلفة من خلال هذا التلاحم والتآخي. كما ينظرون إلى وجوب المباعدة بين بعض الجمل وقطعها عن سابقاتها حرصاً منهم أيضاً على المعنى والإفادة المرتجاة من خلال هذه الجمل .
ومن هنا بدا موقفهم متسقاً مع ما يقوم به علماء النحو والقراءات في بحوثهم حول العلاقات بين الجمل القرآنية المختلفة وضرورة وصل بعضها وفصل الآخر لتحدث الإفادة ويتم الإفهام ويتضح القصد.
وقد تناول علماء البلاغة قضية العلاقات بين الجمل عطفاً وتركاً للعطف تحت مسمى (الفصل والوصل). فالوصل في اللغة خلاف الفصل: « اتصل الشيء بالشيء لم ينقطع. ووصل الشيء إلى الشيء وصولاً وتواصلاً انتهى إليه وبلغه » .( 3) جاء في القاموس المحيط: « وصل الشيء بالشيء ووصلة بالكسرة والضمة: بلغه وانتهى إليه واتصل:لم ينقطع».(4 )
أما الفصل فقد جاء في لسان العرب: « الفصل بون ما بين الشيئين».(5 ) وفي القاموس: « الفصل الحاجز ما بين الشيئين » ( 6).
وقد تناول البلاغيون هذه المصطلحات مرتبطة بالكلام ، لأن الكلام: إما أن يتصل بعضه ببعض أو ينقطع فيكون هناك حاجز بين أجزائه ، وهو ما عرف عندهم بقضية الفصل والوصل ، يقول السكاكي: « اعلم أن تمييز مواضع العطف من غير موضعه في الجمل كنحو أن تذكر معطوفاً بعضها على بعض تارة ومتروكاً العطف بينها تارة أخرى هو الأصل في هذا الفن» (7 ) فهم ينظرون إلى القضية ـ إذن ـ من خلال العلاقات الآنفة الذكر حيث تشتد هذه العلاقة فيقتضي الأمر معها الوصل وتخف مما يقتضي الأمر معها الفصل ، غير أن الوصل عندهم في هذا الباب يتم بواسطة أداة تصل ما بين طرفي الكلام ولذلك نجدهم يعرفون الوصل بقولهم: « الوصل هو عطف جملة على جملة أخرى ، والفصل ترك العطف » .( 8) ويقول القزويني: « الوصل عطف بعض الجمل على بعض والفصل تركه » .(9 ) ويقول صاحب الطراز: « أما الفصل فهو في لسان علماء البيان عبارة عن ترك الواو العاطف بين الجملتين ».( 10)
فالذي يلاحظ من هذه النصوص أنهم جميعاً اتفقوا على تعريف الفصل والوصل وجعلوه محدداً بجملتين ، جملة سابقة وأخرى لاحقة. وقد وصف علماء البلاغة هذا الفن بالأهمية وبالدقة في مكانه من العلوم وأنه لا يتأتى إلا لمن سلم طبعه وصفت قريحته: « واعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد أخرى ، من أسرار البلاغة ومما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلص وإلا قوم طبعوا على البلاغة وأوتوا فناً من المعرفة في ذوق الكلام هم به أفراد وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حداً للبلاغة فقد جاء عن بعضهم أنه سئل عنها فقال: معرفة الفصل من الوصل ذلك لغموض مسلكه وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلا كمل لسائر معاني البلاغة ».( 11) وقد وصفه السكاكي بقوله:« وإنها لمحك البلاغة ، ومنتقد البصيرة ومضمار النظار ومتفاضل الأنظار، ومعيار قدر الفهم ومسبار غور الخاطر ومنجم صوابه وخطائه ».( 12)وقد ذكر عن أبي العباس السفاح قوله لكاتبه:« قف عند مقاطع الكلام وحدوده وإياك أن تخلط المرعي بالمهمل» (13).
وقد نسب أيضاً إلى الأحنف بن قيس ، قوله: « ما رأيت رجلاً تكلم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام ولا عرف حدوده ، إلا عمرو بن العاص (رضي الله عنه) كان إذا تكلم تفقد مقاطع الكلام وأعطى حق المقام وغاص في استخراج المعنى بألطف مخرج حتى كان يقف عند المقطع وقوفاً يحول بينه وبين تبعيته من الألفاظ » (14 ).
بهذا المفهوم تصدى علماء البلاغة لقضية عطف الجمل وترك العطف تحت مسمى (الوصل والفصل) ، مدققين في تغير المعاني تبعاً لمواضع الفصل والوصل منبهين إلى وجوب فصل بعض الجمل عن بعضها حيث يؤدي ذلك خلاف المعنى المراد كما ينبهون إلى ضرورة وصل بعض آخر من الجمل حين يتطلب المعنى ذلك.