- يرجى الانتباه أن هذه المحاورة هي من اعمال افلاطون و بذلك يكون كلام سقراط هو كلام افلاطون ، و ربما باقي الشخصيات الاخرى ايضا .
- و بناء على رأي دارسي فلسفة أفلاطون إنه لا يعطي نتائج مسلمة و لكن مناقشة و حوار و اسئلة بدون اجابة ، لايقاظ روح البحث و التفكير .
- معرفة العرب بهذه المحاورة خاصة يأتي من : فهذا ابن النديم يورد ثبتا بها ، نقلا عن اسحق بن حنين الذي ينقله عن ثاون ، يرد فيه اسم المحاورة : "قول سماه قراطوليس"
أما القفطي في كتابه : إخبار العلماء بأخبار الحكماء ، فيذكر رواية ثاون التي تضمنت اسم المحاورة : "كتاب قراطلس"
أما ابن أبي أصيبعة ، فيزودنا ببعض المعلومات الهامة، فهو يذكر قائمة بكتب أفلاطون، ويذكر هذه المحاورة ضمنها تحت اسم "كتاب قراطلس" ثم يذكر في موضع أخر عند كلامه عن جالينوس أن له "كتاب جوامع كتب أفلاطون" و ينقل وصفه عن حنين بن اسحق فيقول : من كتب أفلاطون و هي : كتاب أقراطليس في الأسماء ...
ويذكر ابن أبي أصيبعة أن ما أورده نقلا عن حنين بن اسحق من أسماء كتب جالينوس "قد نقل إلى اللغة العربية"
هذه المعلومات التاريخية تدعم القول بمعرفة العرب بمحاورة كراتيليوس برغم أننا لا نجد أحدا من المؤرخين أكد أن لها ترجمة عربية باستثناء ما ذكره ابن أبي أصيبعة آنفا، ولكن الوصف الأدق للمحاورة نجده في رسالة الفارابي التي عنوانها : فلسفة أفلاطون و أجزاؤها و مراتب أجزائها من أولها إلى أخرها ، و التي نشرها فرانز روزنثال و فلستر عام 1934 م ، و أعاد نشرها عبد الرحمن بدوي في كتابه : أفلاطون في الإسلام ، عام 1973 م
و الحق أن دراسة أثر هذه المحاورة في فلسفة اللغة و الفكر اللغوي عند العرب يمكن أن يكون موضوع بحث مستقل ، خاصة بعد أن أصبح نص المحاورة ميسورا باللسان العربي .
لقد أشار الأستاذ بول كراوس إلى وجود تشابه بين ما ورد عند جابر بن حيان في كتابه : ميزان الحروف ، و ما ورد في محاورة كراتيليوس ، و أظهر أن هناك مبادئ مشتركة يقوم عليها الكتابان .
-----------------------------------------------
"هرموجينس : أود أن أعلمك يا سقراط ، بأن صديقنا كراتيليوس كان يناقش موضوع الأسماء ، و هو يقول إنها طبيعية و ليست اصطلاحية - و لا يشذ عن ذلك أي قدر من النطق الإنساني الذي اتفق الناس على استخدامه – و أنه يوجد فيها حقيقة – أو صواب هما كذلك بالنسبة لليوانانيين و لغيرهم من البرابرة ."
- يذكر سقراط في المحاورة أنه كان فقيرا و لم يستطع حضور دورة في اللغة و النحو و أنه لو كان حضرها لاستطاع أن يجاوب عن سؤال : حقيقة و صواب الأسماء ، و هذا فيه أن اجابة هذا السؤال هي من مجال علم اللغة و ليس من مجال الفلسفة و المنطق ، و هذا اعتراف حسن من سقراط . و يعترف ايضا بصعوبة هذا النوع من المعرفة . (ص 92)
و في هذا النص السابق بعض الإشارات التي تمس أصل اللغة و أصل اللسان :
› أن الأسماء هي أصل اللسان .
› أن مفهوم (الطبيعية) هو الذي يقابل مفهوم (الإصطلاحية) .
› أن مفهوم الجمع الإنساني هو المعيار الذي يحدد ماهية اللسان ، و ماهية الطبيعية ، و ليس الاصطلاحات الفردية أو حتى الخاصة بعلم معين أو فن معين .
› أن مفهوم الحقيقة أو الصواب ملازم لما اتفق عليه الناس في استخدامهم لما يظهر فيه من مناسبة في ماهية الشيء و اسمه الذي اطلق عليه .
›أن هذا المفهوم كله لا يرتبط بلسان عن لسان ، بل هو متحقق في كل الألسنة سواء .
›› و بقليل من التدبر يظهر مغزى استخدام (الطبيعية) في التوصيف للأسماء ، فقد لاحظوا مناسبة ما بين الاسم و ما بين المسمى ، و هذه الملاحظة التي تكون على اطراد و حكمة لا يمكن الوقوف عليها إلا بعد الوقوف على الجذر الأصلي للإسم و ما يردفه في المعنى العام و يقوم مقامه في أداء المعنى ، و لكن جاء الظن من افرادات هذه الاسماء المترادفة ببعض المعاني الخاصة التي تنفرد بها زائدة عن المعنى الأصلي الذي هو متشابه مع غيره فيه ، فإذا ما لاحظوها في اسم قرنوه بالمسمى الخاص به ، فسهل عليهم من ذلك الركون إلى المعاني التي تتشابه ما بين المسمى و ما بين اسمه ، لأن كل مسمى مهما كان تتعدد صفاته و مميزاته التي تتشابه مع مسمى غيره ، و لن يغلب الإنسان من وجود مناسبة ما ، ما بين الإسم و ما بين مسماه في أحد جوانبه الصفاتية .
و منشأ هذا الظن اللغوي اللساني الخاص بطبيعية الاسم و التسمية و المسمي منبعة هو اعتقادهم بقانون الطبيعة الذي يحكم كل ما هو موجود ، و لا يخضع للأهواء الشخصية و لا يتوقف على نظرة الشخص لما في الكون هل يتغير باستمرار ، أو هل هو ثابت ، أو هل هو متساوي لكل الناس في نفس اللحظة ، فكل هذه مذاهب عقلية لتفسير نظرية المعرفة و علاقاتها بالطبيعة الكونية ، و على ذلك فتجد دائما و ابدا منطلقه في الاستدلال يكون من (ما هو موجود) بالخارج لعقيدته أنه ما وجد أصلا إلا بقانون الطبيعية ، و لا يتغير إلا بقانون الطبيعة ، و لا يزول إلا بقانون الطبيعة ، و كما جرى قانون الطبيعة على ذلك الخارج كله لأنه موجود فبالتالي الشخص نفسه بما أنه موجود و اسمه الذي سماه هو ايضا موجود لأنه أصوات و الأصوات فعل و الفعل من الموجود ، و مسماه موجود على مقتضى قانون الطبيعة فيجب أن تكون تسميته على قانون الطبيعة و ليس على الهوى و النظرة الشخصية ، لأن الطبيعة لا تخضع للاهواء البشرية .
و لأن هذه النظرة تجعل الإنسان منظور إليه و كأنه أداة في يد الطبيعة لا حول له و لا قوة ، فقد يهوى شيئا و لا تلبيه له الطبيعة إلا من خلال قانونها و أحكامها ، بل و على هذه النظرة في الاسماء تجلت قوة الطبيعة في تيسير الإنسان على قانونها حتى و هو لا يشعر بذلك ، فعدم الشعور هو الحرية ، و ليس من الانصاف أننا نجعل ما لا نشعر به كمن نشعر به .