mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > واحة الأدب

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي جوانب من شاعرية الخنساء

كُتب : [ 11-23-2016 - 02:06 PM ]


جوانب من شاعرية الخنساء


الباحثة: فرح الشويخ

تمهيد:

لاريب أن للشاعر العربي مكانته المرموقة في القبيلة العربية فهو لسانها المعبر عنها، والناطق بأمجادها وبطولتها، وشعره مستودع حكمتها وديوان أخبارها، وهو الذي يذيع أحسابها ومحامدها، ويهجو خصومها وأعداءها، ولم تكن المرأة العربية كذلك إلا أحيانا قليلة، كالخنساء التي احتفى بها العرب جميعهم وحملت لواء شواعر العربية منذ الجاهلية إلى الآن. وهي أيضا "المرأة التي فرضت نفسها على المجتمع العربي يومئذ، كما فرضت نفسها على تاريخ الأدب العربي، على نحو لم تظفر به شاعرة قبلها ولا بعدها" (1) ، وأجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قط قبلها ولا بعدها أشعر منها(2).

وهي الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر واسمها تماضر(3).

وقد كانت الخنساء من شواعر العرب المعترف لهن بالتقدم وجعلها ابن سلام الجمحي الثانيةَ في طبقة أصحاب المراثي بعد متمم بن نويرة (4)، وقد قدمت على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم مع قومها من بني سليم، فأسلمت معهم، فذكروا أنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يستنشدها ويعجبه شعرها، وكانت تنشده، وهو يقول: «هيه يا خناس» ، ويومئ بيده(5). وبَلغ من وَجدها على أخويها صخر ومعاوية أنها عميت من البكاء.

وقد اشتهرت الخنساء أيما اشتهار بالرثاء حتى صار مجرد اسمها عند العرب يضرب في مناحة الأقوام وبكاء الإخوان الكرام، قال أبو زيد: "والخنساء أذهب في عمود الرثاء"(6)،

وقال أحد الشعراء:

واستوف عمر الدهر في نعمة///دون مداها موقف الحشر

مصيبة الحاسد في مكثها/// مصيبة الخنساء في صخر(7)

وقال آخر:

إذا كُسِرَ الرَّغيفُ بَكَى عليه/// بُكَا الخنساء إذْ فُجِعَتْ بِصَخْرِ(8)

شاعرية الخنساء في ميزان النقاد والأدباء:

شهد الشعراء والأدباء والنقاد معا بشاعرية الخنساء، وجعلوا منزلتها عالية بين الشعراء بصفة عامة، وشواعر العربية بصفة خاصة، سواء الجاهليون منهم أو الإسلاميون، فمن الجاهليين النابغة الذبياني- وكان بمنزلة الناقد في العصر الجاهلي- وهو القائل لما أنشدتهُ الخنساء شعرها في سوق عكاظ قصيدتها التي تقول في مطلعها:

ما هاج حزنك أم بالعين عوار///أم ذرفت أم خلت من أهلها الدار(9)

"لولا أن أبا بصير – يعني به الأعشى- أنشدني لقلت إنك أشعر الجن والإنس".

وجرير يقول عندما سُئِل مَنْ أشعر الناس؟ قال: أنا لولا هذه الفاعلة – يعني الخنساء- قيل له: فبم فضلتك؟ قال بقولها:

إن الزمان وما تفنى عجائبه///أبقى لنا ذنبا واستؤصل الراس

أبقى لنا كل مجهول وفجعنا///بالحالمين فهم هام وأمـــــــراس

إن الجديدين في طول اختلافهما///لا يفسدان ولكن يفسد الناس(10)

أما المبرد فذكر الخنساء وليلى الأخيلية فقال:" وكانت الخنساء وليلى بائنتين في أشعارهما، متقدمتين لأكثر الفحول، ورب امرأة تتقدم في صناعة، وقلما يكون ذلك "(11).

ويقول ابن طيفور:" وأشعر النساء في الجاهلية والإسلام خنساء، وهي تماضر بنت عمرو بن الشريد السلمية، ولها أشعار مشهورة وأخبار مذكورة"(12).

وقد كان القدماء يرون أن الخنساء كانت تقول في أول أمرها البيتين أو الثلاثة حتى قتل شقيقها معاوية بن عمرو، وقتل أخوها لأبيها صخر، وكان أحبهما إليها، لأنه كان حليما جوادا محبوبا في العشيرة، كان غزا بني أسد فطعنه أبو ثور الأسدي طعنة مرض منها حولا، ثم مات، فلما قتل أخواها أكثرت من الشعر(13).

وتبعهم المحدثون في ذلك فالرافعي يقول في تاريخ آداب العربية :" وما شعرت الخنساء حتى كثرت مصائبها؛ وكانت قبل ذلك كغيرها من النساء: تقول البيتين والثلاثة، حتى قتل أخوها صخر «...» فأجادت وأطالت؛ لأنها أصبحت مصروفة الهم إلى نوع من الحب في نوع من الشعر"(14)، وتقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن:" مات صخر... وسجل التاريخ الأدبي للعرب مولد شاعرة قدر لها أن تشغل المكان الأول بين شواعر العربية"(15).

وإن كنا نذهب إلى غير ذلك فيما يتعلق بشاعريتها التي تفتقت في شبيبتها ونراها تقول في ردها خِطبة دريد بن الصمة أبياتا جميلة وإن لم تكن أجمل شعرها، ولم تكن بعدُ قد فجعت بمصيبتها تلك والقصيدة كالتالي:

لئن لم أؤت من نفسي نصيبا /// لقد أودى الزمان إذا بصخرِ

أتكرهني هبلت على دريد /// وقد أصفحت سيد آل بدرِ؟

أيوعدني حجية كل يوم /// بما آلى معاوية بن عمرِو

وهم أكفاؤنا في كل خير/// وهم أكفاؤنا في كل شرِّ

معاذ الله يرضعني حبركى/// قصير الشبر من جشم بن بكرِ

يرى شرفا ومكرمة أتاها /// إذا أغدى الجليس جريم تمرِ

لئن أصبحت في جشم هديا /// إذاً أصبحت في ذل وفقرِ

قُبَيِّلَةٌ إذا سمعوا بذعر /// تخفّى جمعهم في كل جُحرِ(16)

وقد ذكرت الدكتورة عائشة بنت الشاطئ أنها مقطوعة من ستة أبيات في «أنيس الجلساء» والصحيح أنها في ثمانية أبيات كما أثبتناها أعلاه من الكتاب نفسه.

وإن كانت الأبيات في الحقيقة –كما تقول السيدة عائشة بنت الشاطئ- ليس فيها ما يلفت، إلا أن تكون على قصرها شاهدة بموهبة مواتية في فجر الشباب، وهي بعدُ تلقي ضوءا على شخصية الفتاة(17).

وكذلك قولها في السباق بين أبيها وأخيها صخر وقد قيل لها: إن مدحت أخاك فلقد هجوت أباك، ومطلع القصيدة:

جارى أباه فأقبلا وهما///يَتَعَاوران مُلاءة الحُضْرِ

حتى إذا نَزَتِ القلوب معا///لَزَّت هناك العُذْرَ بِالعُذْرِ

وعَلَا هُتَافُ الناس أيُّهما///قال المُجِيبُ هناك لا أَدْرِي(18)

وهذه القصيدة أيضا قالتها قبل وفاة أخويها، وهي الأخرى لا تدخل في إطار الرثاء الذي اشتهرت به، غير أن ما يميز شعرها بعد وفاة أخويها هو غلبة العاطفة الصادقة وبعض الأحاسيس الخاصة التي طبعت شعرها منذ فجيعتها، وهو الشيء الذي زاد من عمق شاعريتها، والأصح أن مصيبتها في الحقيقة جعلتها تنحصر في غرض شعري واحد لا تكاد تخرج عنه حتى يعاود عيناها القذى، وكذلك السهود، تقول الخنساء:

أبت عيني وعاودها قذاها/// بعوار فما تقضي كراها(19)

والقصيدة من محاسن شعرها، وقولها أيضا:

أبت عيني وعاودت السهودا///وبت الليل مكتئبا عميدَا

لذكرى معشر ولّوا وخلّوا///علينا من خلافتهم فقودَا(20)

وقد كانت السيدة عائشة بنت الشاطئ – رحمها الله – قد تنبهت إلى هذه الملاحظة حول شعر الخنساء حيث تقول:" اشتهار شاعرتنا الجاهلية الأولى بالرثاء واتجاهها بكل طاقتها الشعرية إليه بعد فجيعتها في صخر، ربما كان مبررا لرأي النقاد في مجالها الفني، ومعطيا بعض العذر لهم، إذا هم قصروه على الرثاء، وإن تكن الدراسة الناقدة – غير المتأثرة بسيطرة الفكرة- تهتدي إلى روائع من شعرها في غير الرثاء" (21)، وسيطرة الفكرة والتسليم بها دون مناقشتها مناقشة بناءة أهم ما ابتلينا به في دراساتنا النقدية والأدبية العربية؟!.

الأغراض الشعرية في شعر الخنساء:

حكمت الخنساء على نفسها بأن لا تخرج عن إطار الرثاء إلا نادرا، ورسمت لنفسها مسار شاعريتها ، فلم يثنها تغير الزمن أو بعد العهد بمصيبتها عن مناحتها وهي القائلة في أخيها صخر:

وسوف أبكيك ما ناحت مطوقة///وما أضاءت نجوم الليل للساري(22)

ولم يثنها أيضا ظهور الإسلام عن ذلك، وكذلك لقاؤها بنبي الهدى محمد [صلى الله عليه وسلم]، الذي استنشدها شعرها فأنشدته ، ومع ما في الموقف من عظمة لم تجد قريحة الخنساء بالبيت أو البيتين في مدح خير الورى والأنام وهي التي جادت من قبل على صخر بأشعار جليلة خلدت اسمها بين شعراء الأدب العربي وشواعره ؟!

وهي التي بخلت أيضا على زوجها ورفيق دربها مرداس السلمي بعد وفاته ورثتْه ابنتها عمرة بأشعار كثيرة ذكرها أبو تمام في حماسته في باب الرثاء، وهي التي بخلت أيضا على أبناءها الثلاثة الذين استشهدوا في معركة القادسية واكتفت بقولتها الشهيرة:" الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته" (23)، والعبارة لا تشفي غليل الغرباء فكيف تشفي صدر أم ثكلى. فهل فقدانها لصخر هو فقدان للسند المادي للخنساء في نفس الوقت ؟ تقول الخنساء:

ذكر صخر إذا ذكرت نداه///عيل صبري برزئه ثم باحا(24)

وقد ذهب المبرد في تعليقه على بعض أشعارها في رثاء معاوية إلى أنها قالت هذا الشعر في معاوية أخيها قبل أن يصاب صخر أخوها، فلما أصيب صخر نَسيت به من كان قبله(25). والصحيح أنها رثت معاوية أيضا بأشعار أخرى بعد وفاة صخر في قصيدتها التي مطلعها:

تعرقني الدهر نهسا وحزا///وأوجعني الدهر قرعا وغمزا

ولكن الأشهر أن رثاءها كان في أخيها صخر.

قال ابن رشيق في العمدة: "والنساء أشجى الناس قلوبا عند المصيبة، وأشدهم جزعا على هالك، لما ركب الله – عز وجل- في طبعهن من الخور وضعف العزيمة. وعلى شدة الجزع يُبنى الرثاء" (26)، وقال الحصري:" ومن أحسن المراثي ما خلط فيه مدح بتفجع على المرثي، فإذا وقع ذلك بكلام صحيح، ولهجة معربة، ونظام غير متفاوت، فهو الغاية من كلام المخلوقين"(27)، والجزع والتفجع ظاهران أشد الظهور في شعر الخنساء.

والرثاء هو المجال الفسيح الذي تطلقت فيه عواطف المرأة؛ لأنه نوع من النواح والبكاء، وإن المرأة لتلجأ إلى دموعها أول ما تلجأ إذا حزبها الدهر أو كربها القضاء، وإنها لتلتذ الحزن وتستديمه، وتوالي البكاء فتستطيله، وفاء وحسرة، أو ضعفا ورقة، ثم تنفس عن نفسها إن كانت شاعرة بمقطوعات تسكب فيها لوعتها وحرقتها"(28)، ومن ثم كان للرثاء في شعرهن خصائص تميزه عن الرثاء في شعر الرجال خاصة فيما يتعلق بجانب العاطفة وجانب المعاني والأخيلة.

لعل الخنساء قد حصرت في غرض الرثاء حتى جعل البعض يعتقد أن الخنساء لم تقل في غرض آخر غير الرثاء، والمطلع على ديوانها يلمس نماذج من قصائدها التي خرجت فيها عن نطاق الرثاء وإن كانت غالبا ما تحن إلى العودة إليه فتراها تعود إليه وتروي ظمأها بالبيت أو البيتين داخل القصيدة نفسها في غير الرثاء.

تقول الخنساء في تحريض قومها أن يطلبوا بدم صخر أخيها:

أبني سليم إن لقيتم فقعسا///في محبس ضنك إلى وعر(29)

وقولها أيضا تحرض بني سليم وعامرا على غطفان لقتلهم معاوية في القصيدة التي مطلعها:

لا شيء يبقى غير وجه مليكنا///ولست أرى حيا على الدهر خالدا

ألا إن يوم ابن الشريد ورهطه///أباد جفانا والقدور الرواكدا(30)

والقصيدة في عشرة أبيات في أنيس الجلساء.

وقولها تمدح بني عامر لقتلهم هاشم بن حرملة:

سلم على قيس وأصحاب عامر/// بما فعلوا بالجزع إن كنت شاكرا(31)

وقد حصر بعض المحدثين نبوغ المرأة في الرثاء وحده حيث يقول:" ولا ينفي هذا أن الأنثى قد تعبر عن الحزن؛ لأن الحزن لا يناقض استعداد الشخصية للتسليم، والاستناد إلى غيرها، ولهذا كانت الشاعرة الكبرى التي نبغت في العربية باكية راثية وهي الخنساء"(32). وهو كلام يقدح في شاعرية المرأة العربية ويحصرها في حيز ضيق، وما هكذا كانت شواعر العربية التي خاضت في جل الأغراض الشعرية كباقي الشعراء إلا ما شذ عن ذلك واختص بالرجال كالقول في الحماسة ووصف المعارك والحروب وأهوالها مما لا سبيل إلى التطرق إليه، والصحيح أن رثاءهن تميَّز بمميزات خاصة حتى أصبح لصيقا بالنساء شديد الصلة بهن، يقول أحمد الحوفي في حديثه عن إجادة النساء للرثاء:" لأنه – أي الرثاء- وثيق الصلة بنفوسهن وميلهن، فهن رقيقات الشعور، ضعيفات الاحتمال، سريعات الانفعال، فياضات العيون، لا يطقن فقد الأحباب، وهن أشد حزنا وأحد لوعة من الرجال"(33).

العاطفة في شعر الخنساء:

بلغت الخنساء أقصى مراتب الشهرة برثائها الحزين ونشيجها المؤلم، ولوعتها التي لا تنقضي، وجالت في أعماق النفس تجتلي الضعف الإنساني أمام الموت الهائل، مستسلمة حينا، ورافضة في أكثر الأحيان، تمجد القوة والنصر، وتبتغي الحياة فلا تلقى إلا دمارا وهلاكا وموتا زؤاما.

وقد ملأت الدنيا انتحابا ودموعا وعويلا، وحفرت أشعارها حفرا في قلب كل موتور حزين، وعبرت بأشعارها الرقيقة أصدق تعبير عن مرارة الثكل، وألم الموت، وصورت التجربة الإنسانية المؤلمة أدق تصوير، فكان شعرها خالدا نحسه، ونتجاوب معه، وننفعل به(34).

من هنا كانت العاطفة المحرك الأساسي لشعر الخنساء سواء على مستوى المعاني أو على مستوى الأخيلة، وهي أيضا التي تقود الفكرة وتوجهها؛ لذلك غالبا ما نجدها تكرر بعض الصور الفنية في شعرها، وإنما ذاك لأن عاطفتها تدور في سياق واحد وهو مصابها المفجع في مفقوديها وفي أخويها صخر ومعاوية خاصة، ونجد القدماء يشيرون إلى أن مصابها في مفقوديها يشكل نقطة تحول في مسار شاعرة العرب الأولى.

والمرأة العربية - كما قال عبد الله عفيفي - أحمل الناس لنازلة وأصبرهم على ملمة، إلا إذا انتزع الموت منها أليفا حميما أو عزيزا عظيما. فهي تسير في شعاب من الأحزان طلقة العنان بل إنها لتضاعف أحزانها، وتؤرث ضرام حشاها، بما تنهجه يومذاك من خطة وتشتمل عليه من عادة. على أن نساء العرب في مواقف الحزن طبقات بعضها فوق بعض. فهنالك المتجملة المؤتزرة بالصبر، التي تشتفي بالبكاء، وتكتفي بالرثاء. ثم تأتي بعد هذه الصالقة والشاقة والحالقة(35)، وهكذا كانت الخنساء، فهي التي رثت بشعرها وشقت صدارها وحلقت رأسها، ولم يجد الصبر منفذا إلى قلبها الذي غلبت عليه العاطفة المتألمة.

وهذه العاطفة المتألمة أيضا والصادقة هي التي توجه معانيها وأخيلتها والتي غالبا ما تخرج عن طابع الأنوثة الحي في قلب الشاعرة إلى طابع الرجولة الخشن والذي تعبر عنه في شعرها الفياض، وقد تنبه القدماء إلى هذه الخاصية في شعر الخنساء، فقد كان بشار يقول: ما قالت امرأة شعرا إلا ظهر الضعف فيه، فقيل له: أو كذلك كانت الخنساء، قال: تلك فاقت الرجال (36).

معانيها:

قال ابن رشيق في عمدته:" وسبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع بين الحسرة مخلوطا بالتلهف والأسف والاستعظام، إن كان الميت ملكا أو رئيسا كبيرا"(37). وصخر سيد العشيرة والبطل عند الخنساء لا محالة، ومكانه في قلبها مكان السيد والملك والرئيس في عشيرته وهي القائلة فيه:

أعيني جودا بالدموع على صخر/// على البطل المقدام والسيد الغمر(38)

وقد أحسنت الخنساء ما شاءت في عرض هذا التفجع وتحويله إلى صور فنية رائعة ومعانٍ جليلة تصور عمق الأسى والحزن في نفسها، وقد قيل قديما: إن التأسي يسهل المصاعب، ويهون المصائب(39)، ولا هكذا كانت الخنساء، فما سهلت مصاعبها ولا هان مصابها على أخويها.

ولم تكن حالتها النفسية لتخرج بها عن معاني تلك الحالة، لذا جاءت مجمل معانيها مليئة بعبارات الحزن والفجيعة والأسى الذي يتجاوز بعض الأحيان حده المألوف، ويدخل في الغلو المبالغ فيه، وذهب البعض إلى أنها تعْمد إلى ذلك لكي تغطي به ضعف المعاني أحيانا.

غير أنني أرى أن الخنساء شاعرة الفطرة والعاطفة بامتياز. أما معانيها فلا سبيل إلى تجددها لأنها تدور في فلك واحد وهو الرثاء، وهو الذي يدور بدوره حول مفقودين محددين أبت الخنساء أن لا تتعدى سواهم في الرثاء؛ فتارة تقول القصيدة في رثاء أخيها صخر، وتارة في معاوية وتارة فيهما معا، كما في القصيدة التي مطلعها:

تعرقني الدهر نهسا وحزا///وأوجعني الدهر قرعا وغمزا(40)

فهي وإن خرجت عن هذا الغرض فإنها تدخل في غرض الحض على طلب الثأر من مقتل مرثييها كقولها في تحريض بني سليم وعامر على غطفان لقتلهم معاوية، أو مدح الثائرين لإخوانها .

ومن جيد معانيها قولها في أخيها صخر:

يذكرني طلوع الشمس صخراً ///وأذكره لكل غروب شمس(41)

ويقال: إنها أرادت بطلوع الشمس وقت الغارة، وبغروب الشمس وقت الأضياف(42)، وقد سئل الأصمعي عن قول الخنساء فقالوا له: لماذا أنها خصت الشمس دون القمر والكواكب فقال: لكونه كان يركب عند طلوع الشمس يشن الغارات وعند غروبها يجلس مع الضيفان، فذكرته بهذا مدحًا لأنه كان يغير على أعدائه ويتقيد بضيفه(43)، وهو من جيد المعاني. ومن معانيها الدقيقة أيضا قولها:

لم تره جارة يمشي بساحتها///لريبة حين يخلي بيته الجار(44)

وقد جعل الحاتمي قولها:

فلولا كثرة الباكين حولي///على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن/// أعزي النفس عنه بالتأسي(45)

أشرد مَثلٍ قيل في التأسي، وقد جعلت العذر في تركها قتل نفسها كثرة الباكين حولها(46).


تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن في تعليقها على مقطوعات من شعرها:" وأخص ما تتميز به هذه المقطوعات، النزعة التأملية، ومن ثم كثرت فيها الحِكَمُ دون تكلف أو اصطناع. وقلما تخلو مقطوعة من تعبير عن مشاعر إنسانية، ووجدان مرهف، ولوعة صادقة تثير الشجن"(47).

من أمثالها السائرة أيضا والتي استشهد بها الثعالبي قولها:

ومن ظنّ أنْ سيُلاقي الحروبَ///بِأَنْ لا يُصابَ فقَدْ ظَنَّ عَجْزَا(48)

وقد جعل اليوسي -رحمه الله - في محاضراته قولها:

وإن صخراً لتأتمُّ الهداة به///كأنه علم في رأسه نار

أمدحَ بيت قالته العرب (49).

ومن جيد معانيها التي تحمل نفسا حكميا قولها:

فَإِن تَصبِرِ النَفسُ تلقَ السُرورَ///وَإِن تَجزَعِ النَفسُ أَشقى لَها(50)

فصبر النفس عندها يعقبه السرور وجزعها لا سبيل له إلا الشقاء، وهو من معانيها النادرة التي تحث فيها على الصبر الذي أبت إلا أن تهجره وتقيم النوح والبكاء بدله في جل شعرها الذي تخاطب فيه عينها أو نفسها، ويجوز أن يكون هذا البيت ملخص تجربة شاعرة العرب الأولى في النوح والبكاء على مفقودِيها الذين سخرت لهم مجمل شعرها.

وقد أكثر الأدباء والبلغاء من الاستشهاد بمعانيها في شعرها لطرافتها ودقتها معا.


رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
ومضة شاعرية وليست شعرية ،، عبدالحليم الطيطي واحة الأدب 0 12-11-2019 02:53 PM
جوانب الدرس التصريفي للفظ (آية) مصطفى شعبان البحوث و المقالات 4 05-06-2017 06:18 AM
جوانب من شاعرية الخنساء (الحلقة الثانية) شمس البحوث و المقالات 2 02-27-2017 12:34 PM
أهم جوانب نظرية ابن جني في كتاب الخصائص‏ شمس البحوث و المقالات 0 02-28-2016 08:43 PM
بكاء الخنساء بين الجاهلية والإسلام شمس البحوث و المقالات 0 01-20-2016 05:30 PM


الساعة الآن 10:14 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by