mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > الألفاظ والأساليب > المصطلحات والأساليب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي مصطلح ((التناصّ))

كُتب : [ 05-05-2016 - 01:43 PM ]


مفهوم التناص: المصطلح والإشكالية
مليكة فريحي - الجزائر

اختلفت الدّراسات النقدية العربية في تحديد مفهوم التناص، وإعطاء الجذور التأصيلية له، فهناك من يرى أنه مولود غربي ولا يمكن أن ينسب لغيره، وأما البعض الآخر فخرج عن حيز هذه الفكرة، وفتح الشهية للمعركة النقدية، من خلال العودة إلى جذور الثقافة العربية، رغبة في إيصال مفهوم التناص إلى نسبه الحقيقي، وأن ظهوره إلى الساحة الغربية لم يكن إلا عن طريق التبني، بحيث أعطت المحاولات النقدية التي احتكت بالموروث العربي القديم بوادر للتنقيب عنه، ومدى احتواء الوعي العربي على تجاوب العناصر الثلاثة للاتصال، والمتمثلة في المرسل والرسالة والمرسل إليه، وقد دخلت فيه عدة مفاهيم من السرقات، ووقع الحافر على الحافر، والحفظ الجيد، وتوارد الخواطر، وانصب ذلك على الجانب الشعري كموضوع للدراسة.

برزت عن هذا الحديث الرؤى المعارضة مؤكدة أن التناصية ظهرت بوادرها في الحقل الروائي، أما معيار النقد القديم فانصب اهتمامه على معالجة التجربة الشعرية ومدى تناقلها بين الشعراء، وتظهر هذه العلاقة من خلال البيت الواحد أو القصيدة، فرغم أن معالجة النقد العربي القديم كانت جزئية في معالجة هذا الموضوع والحكم عليه، من خلال تجزئة النصوص في التناول الجزئي، وذلك باعتبار أن القصيدة العربية، كانت أبياتًا شعرية، والحكم أن التحليل كان جزئيا وليست كليا، ووصفها بمحاولة التوصل اللاهثة إلى النص. وتاليا، المفهوم القديم كان مجرد تحليل جزئي للنصوص في إطار علاقة أحادية.
ولكن مفهوم التناص جاء بنتائج أوسع وأشمل من خلال البحث في النص النثري، فعلى اختلاف مادة الدراسة إلا أن التجربة أعطت صفة البداية للتناص في النقد العربي القديم والتأصيل لهذا المصطلح وساقت المفهوم إلى موطنه الأصلي، فيكفي وجود إرهاصات أشارت إليه وأبرزت سيولة التقاطع الحاصل بين عدة مفاهيم.

أولا: التناص لدى الغرب

يعتبر التناص (Inte****uality) جينية الفكر النقدي المعاصر الذي حملته الستينيات، فهو من مبادئ وأدوات المقاربة النقدية، بواسطتها يمكن قراءة النص في ضوء استنطاق التأويلات من علاماته، التي تقوم بطرح إشكالية الإنتاجية، فمن خلالها يفرز العمل الفني في علاقته بالأعمال الأخرى، نتيجة تحويل النص إلى مجموعة نصوص سابقة، ويكون بذلك مفهوم التناص العام في تذويب عدة مفاهيم لهذا المصطلح بعد أن أضحى جدال الفكر النقدي الحديث.

فالتناص هو تشكيل نص جديد من نصوص سابقة وخلاصة لنصوص تماهت فيما بينها فلم يبق منها إلاّ الأثر، ولا يمكن إلا للقارئ النموذجي أن يكتشف الأصل، فهو الدّخول في علاقة مع نصوص بطرق مختلفة "يتفاعل بواسطتها النص مع الماضي والحاضر والمستقبل وتفاعله مع القراء والنصوص الأخرى"[1].

هذه العملية الإنتاجية التي يقوم بها كل نص بتحويله إلى عدة نصوص تعرض أسئلة تستحق أجوبة، فأين الناص من النص إذا كان هو صاحب النص وليس صاحبه في عملية تناقضية بين الإثبات والنفي، باعتبار أن النص عالم معقد ولا يرافق صاحبه إلا في عملية المخاض.

ويتساءل عبد الملك مرتاض في هذا الصدد:

"ألم يأن أن يعتقد كل من يعنيه أمر الأدب بمفهومه المعاصر أن النص الأدبي ذو وجود شرعي مستقل عن مؤلفه إلى حد بعيد على الرغم من أنه ينتمي إليه؟ فالنص الأدبي، بالقياس إلى مبدعه يشبه النطفة التي تقذف في الرحم فينشأ عنها وجود بيولوجي، لكن الوليد على شرعيته البيولوجية والوراثية لا يحمل بالضرورة كل خصائص أبيه النفسية والجسدية والفكرية، إنه يستقل بشخصيته عن الأب، مهما حاول الأب أن ينشئه على بعض ما يجب ويشق في الغالب لنفسه طريقا خاصًّا به"[2].
إذن تربط الشرعية البيولوجية المؤلف بنصه على الرغم من أن علاقته تفرض استقلال كل من المبدع وإنتاجه الفكري، والتي تؤول إلى رفض المؤلف كما جاءت به البنيوية الصورية، من خلال آلياتها المطبقة لدراسة أي نص، وذلك بعزل سياقه بما فيه المؤلف والاهتمام بنسقه وقراءة النص من الداخل، بدراسة العلائق اللغوية التي تنتج بتقاطع عدة نصوص، فالدّراسة التزامنية جعلت من النص وثيقة وصف تقاطعاتها اللّغوية دي سوسير، وقد ضرب لنا نقطة الالتقاء بين كل من لعبة الشطرنج وأفكارها والنص والعلامات التي يفرزها.
إن مصطلح التناص بما فيه من عملية لغوية تفرض إلغاء صاحبها، فوجوده إذا كان مرتبطًا بالستينات على يد جوليا كريستيفا تقودنا إرهاصاته إلى النزعة التأسيسية التي جاءت بها فكرة موت المؤلف، "فمسألة رفض المؤلف ابتدأت إرهاصاتها قبل تأسيس النزعة البنيوية وازدهارها في الأعوام الستين من القرن العشرين، ولعل أهم من ألح عليها في أكثر من مقولة، هو الشاعر الفرنسي فاليري (1945-1871) الذي كان يزعم أن "المؤلف تفصيل لا معنى له". ولقد ذهب هذا المذهب فيما بعد، جملة من المنظرين الفرنسيين منهم: جيرار جينات، ورولان بارث، وميشال فوكو، وكلود ليفي ستراوس"[3].

يقوم هذا الطرح بوصف المؤلف واسطة بين الصيغة اللفظية للنص والواقع الفني الذي قذف بهما من نصوص سابقة تحتاج فترة لتحقيق التماهي والتمازج في سلسلة من التحولات نتيجة الحوار الواقع بين عدة كتابات، ففكرة التناص يمكن تأصيل بذورها عند فاليري، الشاعر الفرنسي، الذي يرى أن المؤلف ليس له معنى داخل النص.

يشير عبد الملك مرتاض أيضا إلى مشكلة الكتابة الأدبية ويجعل أسئلتها في خاتمة مقال يتحدث فيه عن المشكلة نفسها، وكأنه بذلك يريد للمشكلة أن تظل مفتوحة على المناقشة والإثراء، فهو حين يتسائل قائلا: فهل الكتابة انبثاق عن صميم الذات؟ أم هي إبداع متولد عن أشتات الغير؟ أم هي مزيج من هذا وذاك، يتساءل عن صفاء النص وعدم حضور الآخرين بين ثنايا السطور، مادام ذلك الحضور يشكل ما يدعوه النقد المعاصر بالتناص بدل التناصية "لأنها العملية التي تقع أثناء الفعل لكتابي دون أن يعبأ بها المبدع أو يعبأ بسبل تسربها من اللاوعي إلى الحضور الإبداعي"[4].

يتكون نتيجة لذلك تصور يطرح عدة تساؤلات، منها موقع المؤلف من نصه، وهل لكاتب النص السيادة على نصه أم أن حضور الآخرين هم الذين لهم النص الأول؟ وهو لا يصاحب نصه إلا في مرحلة المخاض، مما يخلق ذلك توليد دلالي يتسرب بطريقة غير شعورية تلتمس في النص الإبداعي حيث تقوم العملية التوليدية الإنتاجية بتفاعل عدة نصوص سابقة التي تأخذ صفة الفحولة، باستثناء النزر القليل من الكتابات العربية الجادة التي لم تسهم في مناقشة جدية لمقولة موت الإنسان، التي كان لها الأثر القوي في دعوة بارث الصحيحة لموته، فالكتابة المحايدة والبيضاء في حد ذاتها تعمل على إقصاء كل صوت، وكل أصل والأصل – هنا - يقصد به القضاء على الأبوة النصية التي شرعت سلطتها في الزوال في باستكشاف مبدأ الحوارية في الرواية المتعددة الأصوات كما ذهب ذلك ميخائيل ياختين(1995-1975) وتطور على يد جوليا كريستيفا وبارث نفسه.

تؤول جينية فكرة التناص إلى البنيوية الصورية التي ألغت صاحب النص، فالمهم هو تعالي النص، الذي يظهر من خلال العلاقة الخفية والجلية التي تربطه بالنصوص الأخرى، أي أن مسار مقاربة النص يقوم على طريق التواجد اللغوي كما حدده دي سوسور في مستوى التشابه مع لعبة الشطرنج، التي يتم فيها اللعب بتوظيف أحجارها، "فالناتج النصي يكون حصيلة لسلسلة من التحولات النصية السابقة التي تنصهر وتتمازج فيما بينها التي يظن المبدع أنه صاحبها لكنها تتسلل إليه بطرق لا شعورية فهي عملية كيميائية تتم في ذهن المؤلف"[5].

كما يشير البحث عن التناصية أنها "سوى ذلك الحوار الواقع بين الكتابات المختلفة التي تقع للكاتب قبل أو أثناء كتابته، لأن الكاتب لا يكتب انطلاقا من عدم، واستعماله للغة مشتركة تتقاطع فيها نصوص لا تعد ولا تحصى تشكل محفوظة الذي يؤسس ثقافته، ويهذب ذوقه، ويخلق دراية لسانه، ففي ذلك الزخم الطامي من النصوص تتشكل ملكته، مستفيدة من اجتهادات سابقيه، والكاتب - حينها - لا يكتب جديدا،وإن ظن أنه يبدع ويجدد لأنه يغترف من المشترك العام للغة والأفكار والأذواق"[6].

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-05-2016 - 01:50 PM ]


تنعى كل التعاريف السابقة إلى أن تصب في مفهوم واحد للمصطلح، من خلاله يمكن لأي تعريف أن يكون عطف بيان للآخر، فسواء كان المصطلح تناصا أم حوارا، تداخلا أم تعالي أم تماهي أم نظير نصي، فهو تقاطع لنصوص اختمرت في الشبكة الذهنية للمبدع، فهذه الاختراقات تتم بصفة لا شعورية تكون جلية أو خفية يستقرئها القارئ النموذجي، الذي يستطيع أن يكتشف ما وراء السطور، وهذا الذي سماه مايكل ريفاتير "بالقارئ الخارق وسماه نقاد آخرون القاريء المطلع أو القارئ الكفء"[7]، فالقارئ الذي توكل له مهمة البحث بين ثنايا السطّور يختلف عن القراء العاديين، فهو يقبل على النص بمعرفة مسبقة، التي تكسبه القيم التأويلية التي تظهر من خلال روافد النص، وذلك بربطه بالنصوص الأخرى، ومعرفة جينية الفكرة التي يكون المبدع بصدد التعريف بها، في طريقة يتفاعل بها مع الماضي والحاضر والمستقبل.

وتاليا تعتبر إشكالية موت المؤلف كانت فكرة لميلاد التناص إلى درجة كبيرة فالاستغناء عنه والاكتفاء بما وراء السطور يجعل مهمته تنتهي بمجرد الانتهاء من هذا النص: "فهو يقدم إلي نص، هذا النص يضجرني، لكأنه يثغثغ، وثغثغه النص، لا تعدو كونها لا رغوة اللغة التي تتشكل تحت مجرد الحاجة إلى الكتابة، ونحن هنا لسنا في الانحراف بل في الطلب، إن الكاتب ليتخذ حين يكتب نصه لغة الرضيع، لغة آمرة آلية، خالية من العواطف كأنها دفق من الطقطقات (هذه الصويتات اللّبنّية التي وضعها اليسوعي المدهش، فان جينيكن (بين الكتابة واللغة)، إنها حركات مص غير ذي الموضوع، حركة حالة فمية غير متمايزة، مقطوعة الصلة بالحلة الفمية التي تنتج لذائد فن الطبخ ولذائد اللغة"[8].

وفي هذا دلالة واضحة أن محتوى النص ليس ملك مبدعه، وإنما هو امتصاص لنصوص سابقة يكون فيها صاحب النص غائبًا، فيخلق التفاعل النصي بإقامة علاقة مع نصوص سابقة، وشبهها بدفق من الطقطقات تحدث نتيجة الرغبة في الكتابة، تتفاعل فيها بنيات نصية سابقة مع بنية النص المدروس ترصده العملية النقدية، من خلال وضع خارطة النص المدروس، التي يظهر فيها نسوج النصوص السابقة وبصماتها.

تبقى فكرة الحوارية التي تجسدت عند باختين، مساهمة في إحلال مصطلح التناص 1967 على يد جوليا كريستيفا، "التي اعتمدت في دراستها لهذا المصطلح على مجمل دراسات باختين في الرواية، حيث أقامته على بناء الباختيني حول مفهوم الحوارية، وخصصت جهدها لتعميقه وفحصه، فانبثق منه كثير من المصطلحات الإجرائية الفرعية المتنوعة، وقد عدت كريستيفا رواية جيهان دوسانتري، الرواية الوحيدة من كتابات دي لاسال التي تكون نسخا وتجميعا أو مرسلات سفر أو رسائل مواساة، وهي حكايات تبنى كخطاب تاريخي أو فسيفساء لا متجانسة من النصوص"[9].

شارك ميخائيل باخثين (1895-1975) بصورة فعالة في بلورة مفهوم التناص، لكن جهوده لم تظهر إلا في بداية الستينات رغم بذور الإيديولوجية التي كانت تسيطر على هذا المفهوم، والدعوة إلى الماركسية بين ثنايا السطور، التي تدعو إلى تبني فكرة الجماعة وإلغاء الصوت المفرد وإدماج أصوات الجماعة، من خلال إضفاء الطابع الجماعي للغة. ويشير محمد داود إلى مساهمة جوليا كريستسفا بقوله: "وإذا كانت جوليا كريستسفا قد أغفلت في بحثها كتاب باختين التأسيسي في اللسانيات، وإلى كيفية تأصيل مفهوم الحوار، فإن ذلك لم يمنعها من الإحاطة بكيفية ومغزى توظيف الكلمة كمفهوم في بنية الحوار، وتاليا أسست مفهومًا إجرائيًّا جديدا انطلاقا من كتابات هذا المنظّر، هو التناص، الذي يتبناه، فيما بعد تودروف وغيره من المنظرين"[10].

فمفهوم الحوارية التي جاء بها باختين التي تدعو إلى حوارية اللغة، وأن الكلمة طاقة منفتحة وفعالة، ولا يمكن أن تكون مبنية من العدمية، بل تنشأ نتيجة التفاعل اللفظي بين الكلمات، فميله إلى إعطاء اللغة السمة الاجتماعية، يبقى التوجه الماركسي (1929)، "فحسب ما أكده محمد داود عن مفهوم الحوارية عند ميخائيل باختين بدا بشكل واضح في كتابه (مسائل شعرية دوستوفسكي) إلى بحثه في (الخطاب الروائي) حيث تشكلت عنصر البنية الروائية عن طريق الحوار "وهو خالق الرواية المتعددة الأصوات"[11]، والبعد اللغوي للكلمة وتقاطعها مع كلمات أخرى.

صفوة القول لا يمثل النص وعي المؤلف فقط بل هو تبادل لعدة أشكال من الوعي الإنساني، وتاليا يدخل أصوات عدة أبطال لبنائه، بحيث تدمج الرواية المتعددة الأصوات من خلال دراسة شعرية دوستويفسكي في علاقة الفضاء النصي وتقاطعه مع نصوص أخرى، وهنا تغيب الرواية التقليدية للنقد القديم القائلة بأن النص وحيد الصوت، بحيث ينتقل المؤلف من صاحب النص إلى منصت لأصوات سنفونيات العالم، ويقف محاورا نصوصا أخرى حتى لا يعطي مبرر العدمية التي لا يمكن أن ينبني عليها النقد الحواري، الذي يرصد فيها صوت المؤلف والقارئ والمجتمع.

سعى ميخائيل باختين إلى البحث عن الأصوات التي تنبعث من البنية السردية للرواية، من خلال بعض النصوص الإغريقية والرومانية القديمة، "فكان أقرب تعريف أو تحديد لحالة التناص هو ذلك الذي يقدمه ناقد روسي متعدد الانتماءات، واكتسب شعبية متأخرة كتفكيكي متقدم وهو ميخائيل باختين."[12]، بحيث كان له الفضل في التنظير النقدي الذي اغترفت منه البلغارية (جوليا كريستيفا ( كما اعتمد عليها الناقد الفرنسي رولان بارث من خلال كتابه (لذة النص)، وأيضا الناقد الفرنسي جيرار جينيت من خلال كتابه "بالمبسيست (Palimpsestes)، الذي حدد أنماط التعالق النصي إلى خمسة أنواع في إطار يتداخل فيه النص مع نصوص أخرى، بشكل ضمني أو مباشر يظهر في الاقتباسات، ولا يمكن أن يصل إليه إلا القارئ النموذجي وهذا لاستخراج طاقاته الدلالية المتوالدة.

التناص في النقد العربي القديم

شكل مفهوم التناص محط الاهتمام في العالم العربي مما خلق إشكالات عديدة ظهرت مع بداية الثمانينيات، وحقق انتشارا تمثل في الدراسات النظرية والتطبيقية، لكنه أفرز التساؤل من خلال الرؤى المتعددة حول هذا المصطلح ورغبة في التأسيس له فراح البعض يبحث في النقد القديم في مفاهيم تتصل بالتناص، لتضع جوابا لعدة أسئلة أفرزها النقد العربي الحديث، فدمج الحديث عنه في السرقات والمعارضة والمناقضة والتضمين والاقتباس والتداول.

أحمد أمين

البحوث التي قدمت من طرف العديد من النّقاد الغربيين ممن احتضنوا مفهوم التناص، كجوليا كريستيفا ورولان بارث وتدروف يجعلنا نميل إلى تجذير هذا المصطلح، لما خلقه من تقارب نقدي مع النقد العربي القديم، لأن كلمة التناص قد لا نجد لها وجود في الفكر النقدي القديم، لكن هي انصهار لعدة مباحث نقدية قديمة. ويرى أحمد أمين أن "النقد الأدبي ككل علم ناشئ عن ملكات خاصة تنمو بالتربية والتمرين، فلو سئلت عن ناشئ يريد أن يعد نفسه ليكون ناقدا أي طريق يسلك؟ أقول أنه يجب عليه أولا أن يكثر من قراءة الأدب ويتفهم ويحاكي جيده، كالذي روى أن ناشئا عربيا سأل أستاذه كيف يشدو في الأدب؟ فنصحه أن يحفظ ديوان الحماسة ثم يجتهد أن يجعل شعره نثرا بليغا، فلما فرغ من ذلك طلب منه الإعادة، ثم أمره أن ينساها، والظاهر أن الشيخ نصح بذلك لأن الناشئ إذا نساها نسي مادتها وبقيت أنماطها في ذهنه يستمد منها عند حضور ما يناسبها"[13].

تنفتح بتأويلنا لسياق هذا النص إجابات لإرهاصات التناص، فجملة بقيت أنماطها في ذهنه ما يناسبها، هنا تقودنا إلى أن مفهوم التناص يتقارب مع ما أدلى به ناقدنا الكبير إلى درجة ما، كما أشار عبد المالك مرتاص إلى فكرة الحفظ الجيد التي تتبلور في مقدمة ابن خلدون ،"فالتناص وهو يعبر عن الاستمرارية الجينية للنص يكشف أن الإبداع نص واحد أزلي مستمر"تعبر الإنجازات المتتالية عن تمظهراته التي تتناسب طرديا والمواقف التي أملتها فقط، فإذا تغيرت هذه الإقتضاءات الخارجية، تغير شكل النص ليناسبها، ويناسب حدة التوترات التي تسكنها"[14].

فالقاعدة التي يرتكز عليها التناص في المفهوم الغربي، لها أنماط تأسيسية في الفكر النقدي العربي القديم، وتؤدي إلى الاقتراب والتقاطع مع هذا المصطلح الجديد في أبواب نقدية عربية قديمة،كما جاء في كتاب تلخيص المفتاح في المعاني والبيان والبديع للخطيب القزويني في فكرة الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح، وعند ابن رشيق في كتاب (العمدة)، من خلال باب السرقات، وابن خلدون من فصله الذي سماه (في صناعة الشعر وتعلمه)، في إطار الحفظ الجيد، وأبي هلال العسكري في كتابه (الصناعتين) في الفصل الأول من الباب السادس في حسن الأخذ، أو وقع الحافر على الحافر، وظهر أيضا عند عبد القاهر الجر جاني في كتابه أسرار البلاغة الذي استدل حديث في وجه الاتفاق في الغرض على العموم والاتفاق في وجه الدلالة الغرض، لينتفي وجود سرقة على الإطلاق إلا في حالة تكون فيها نسخا.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-05-2016 - 01:59 PM ]


الأصول العربية للتناص: الخطيب القزويني في كتابه "تلخيص المفتاح" في المعاني والبيان والبديع (666هـ-739هـ).

يقترح الخطيب القزويني بعض المفاهيم التي يمكن من خلال استنطاقها العودة لتأصيل مصطلح التناص إلى المفهوم العربي بتتبع واستكشاف لحركة نقدنا القديم، وليس من باب أننا سبقناهم كما جاء به صالح الغامدي، الذي دعا إلى عدم الاندفاع وراء عواطفنا، لكن يمكننا قول أن التناص لم ينشأ من العدمية لكن سبقته تحولات كانت نتيجة لقراءات سابقة، وما على الناقد العربي إلا أن يترصد الخطوات ويبحث عن الجذور التأصيلية لهذا المصطلح، وقد حدد القزويني بعض المفاهيم يمكن أن نستدرجها من فكرة الاقتباس وهو "أن يضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث"[15].

يظهر من هذا المفهوم، وجود بذور لفكرة التناص في النقد العربي القديم، من خلال التقاطع الحاصل بين كل من الاقتباس والتناص المباشر، كما أن حديثه عن مفهوم التضمين يبقي جذور التناص لديه، لكن مع اختلاف أساليب تحديد نوعية الأخذ "وذلك أن يضمن الشعر شيئا من شعر الآخرين"[16]، وإلى مفهوم العقد، وهو تنظيم نثر على طريق الاقتباس، أو بمفهوم الحل وهو جعل النظم نثرا، أو إلى مفهوم التلميح الذي يكون بالإشارة إلى قصة أو شعر من غير ذكر مصدر هذا الأخذ، وهنا يتطلب حضور القارئ النموذجي ليستقرأ هذا الأخذ.

كتاب العمدة لابن رشيق

تثمر الدراسات الجادة في كتاب العمدة لابن رشيق على اكتشاف مدى اشتمال الموروث القديم على بوادر مفهوم التناص، فالنظر إلى السرقات التي أشار إليها ابن رشيق شكلت هاجس البحث ومدى التقارب المحقق بين كلا المفهومين، بحيث إن باب السرقات "باب متسع جدا، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وآخر فاضحة لا تخفى عن الجاهل المغفل، وقد أتى الحاتمي في "حيلة المحاضرة" بألقاب محدثة تدبرتها ليس لها محصول إذا حققت: كالاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، والإعارة، والمرافدة، والاستلحاق وكلها قريب من قريب"[17].

يظل الشاعر مهما كانت فطنته وسليقته الشعرية يظل في وصلة مع من سبقه من الشعراء ولا يمكن له أن يتجاوز هذا المنهج الذي خيط له بوعي منه أو بدون وعي، وقد حدد ذلك ابن رشيق في باب السرقات كما وضع أنواعا من خلالها يدور الشاعر في حلقته من الأخذ، فإن لم يكن مصطرفا كان مجتلبا أو منتحلا أو مهتدمًا أو مغيرا، أو مسترفدا أو مستلحقا، فالخطاب الشعري "شخص له بعض الخصائص وان كان لا يختلف عن بقية الأشخاص من حيث خلقه، إلا أنه يتميز ببعض المقومات التي تجعل منه شاعرا دون سواه.
وأهم هذه الخصائص حساسيته المفرطة بما يدور حوله وقدرته على التعبير عما يختلج في نفسه من أحاسيس، وتلك القدرة ليست في أصلها فوقية ولا غيبية فهو ليس موهوبًا ولا يوحى إليه، وإنما من صنع مقومات منها النفسي ومنها الثقافي تساعده على بلوغ مآربه من قول الشعر، فلكي يكون ناجحا في خلقه الشعري لابد له من ثقافة شاملة واسعة تتطرق إلى كل العلوم وتضرب فيها بسهم وأهمها اللغة والشعر والتاريخ"[18].

تتم إذن المهمة الإبداعية في عملية استعمال الثقافة الواسعة والاستعانة بها في صنع النص الإبداعي،"والشاعر لا يصير في قريض الشعر فحلا حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني وتدور في مسامعه الألفاظ"[19]، فالأسس المكتسبة تبقى من مقومات الخلق الفني، وذلك بالاعتماد عل آثار السابقين من خلال كثرة القراءة وسعة الثقافة.

أسرار البلاغة القاهر الجر جاني (471-474 هـ)

تحدث الجرجاني في فصل سماه الاتفاق في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة "وبذلك أن الشاعرين إذا اتفقا لم يخل من أن يكون إما في وجه الغرض على الجملة والعموم، أو في وجه الدلالة على الغرض"[20]، فاتفاق الشاعرين يكون إما في وجه العرض على العموم أو وجه الدلالة على العرض، فوجه الاتفاق في الغرض على العموم يجري في المعنى العقلي الذي لا يدخل في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة، وهو ما يجتمع في عقول العلماء، أما الثاني في وجه الاتفاق للدّلالة على الغرض، وعده في المعنى التخيلي وهو ما اشترك وتعارف عليه الناس، فهو يجري باشتراك الناس في المعاني، وأن هذه الأخيرة تتبادل صفة العمومية والخصوصية في تناول الموضوعات.

وبهذه الدّراسة نرى كيف استطاع عبد القاهر الجرجاني "أن يفلسف دراسة السرقات إلى حد ما، وأن ينقلها من دائرة الاتهام إلى دراسة فنية خالصة للمعاني ينتفي معها وجود سرقة على الإطلاق إلا إذا كانت نسخًا"[21]، فهو يبرز فكرة الأخذ ويعطى لها سمة القبول من باب أن المعاني تشترك بين الناس وتتداولها العقول، فهي ليست سرقة وإنما تتبادل صفة العمومية والخصوصية يستطيع أن يمتلكها أي شخص ويدخل ذلك في باب الأخذ، فهذا الأخير نجد مفهومه يقترب بطريقة وبأخرى إلى حد كبير من مفهوم التناص.

أبو هلال العسكري في كتابه الصناعتين (ت 395هـ)

تحدث في الفصل الأول من الباب السادس في حسن الأخذ "وأنه ليس لأحد من أصناف القائلين عني عن تناول المعاني ممن تقدمهم والصب على قوالب من سبقهم ولكن عليهم إذا أخذوها أن يكسوها ألفاظا من عندهم ويبرزوها في معارض من تأليفهم ولولا أن القائل يؤدي ما سمع لما كان في طاقته أن يقول وإنما ينطق الطفل بعد استماعه من البالغين وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: "لو أن الكلام يعاد لنفد"[22]، فصفة الأخذ التي لا يسلم منها أحد، أبرزت لنا طريقة اكتساب اللغة عند الطفل، فهو لا يتكلم ولولا سماع الآخرين، فمبدأ الكلام هو استمرارية ولا يمكن له أن يكون من العدمية، فإذا هو تفاعل حاصل بين الناس، فحديثه يميل إلى درجة كبيرة لمفهوم التناص، كما أدلى أبو هلال العسكري في الفصل الثاني من الباب السادس في قبح الأخذ "وهو أن تعمد إلى معنى فتتناوله بلفظه كله أو أكثره أو تخريجه في معرض مستهجن"[23].

حدد أبو الهلال العسكري في هذا الفصل كيف يكون قبح الأخذ في تناول المعنى بلفظه كله، أو أخذه بأكثره أو إخراجه إلى معنى مستهجن، فمن خلال هذين الفصلين عمل على دراسة فكرة الأخذ التي تكون إما مستحسنة أو مستقبحة، ويبقى المبدع مربوطا بها، فلا يمكن أن يكون إبداعه مبنيًّا من لا شيء وإنما من ذات اطلعت على نصوص سابقة وأخذت منها ولكن تختلف طريقة الأخذ، في تقاطع مع فكرة التناص الذي اقترب من مصطلح الأخذ.

= = = = =

الهوامش

[1] محمد عزام، النقد والدلالة نحو تحليل سمياني للأدب، منشورات وزارة الثقافة، طـ. 1996، ص 148.

[2] عبد الملك مرتاض، النص الأدبي من أين؟ وإلى أين؟، محاضرات ألقيت لطلبة الماجستير السنة الجامعية 1980–1981، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر. 1983، ص 42.

[3] عبد الملك مرتاض، نظرية النقد، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع،طـ.2002، ص215.

[4] حبيب مونسي، فعل القراءة النشأة والتحول مقار بة تطبيقية في قراءة القراءة عبر أعمال عبد الملك مرتاض، منشورات دار الغرب، طـ. 2001/2002 ص 193.

[5] أحمد يوسف، القراءة النسقيية ومقولاتها النقدية، دار الغرب للنشر والتوزيع، الجزء الثاني، طـ. 2001/2002 م، ص 125.

[6] حبيب مونسي، فعل القراءة النشأة والتحول، مقاربة تطبيقية في قراءة القراءة عبر أعمال عبد الملك مرتاض، ص194.

[7] لمياء باعشن، نظريات قراءة النص، مجلة علامات في النقد، النادي الثقافي بجدة، الجزء التاسع والثلاثون، طـ.2001، ص 119.

[8] رولان بارث، لذة النص، تر فؤاد صفا والحسين سبحاز، دار توبقال للنشر، طـ.1 1988، ص 14.

[9] رولان بارث، ترجمة فؤاد صفا والحسين سبحاز لذة النص، دار توبقال، للنشر، طـ.1، 1988، ص 14.

[10] محمد داود، مفهوم الحوارية عند ميخائيل باختين، مجلة تجليات الحداثة، يصدرها معهد اللغة العربية وآدابها، جامعة وهران، السانية، عدد خاص بأعمال الندوة الوطنية حول المفاهيم النقدية الحداثية، ديسمبر 1992، ص 81.

[11] المرجع نفسه، ص 78.

[12] عبد العزيز حمّودة، المرايا الحدبة من البنيوية إلى التفكيك، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت،سنة (1418 هـ/1998 م).ص 362.

[13] أحمد أمين، النقد الأدبي، مكتبة النهضة المصرية، 1963، ج 1، طـ.3، ص.

[14] حبيب مونسي، توترات الإبداع الشعري نحو رؤية داخلية للدفق الشعري وتضاريس القصيدة، دار الغرب للنشر والتوزيع،ط. 2001–2002، ص. 67.

[15] الخطيب القزويني، تلخيص المفتاح، في المعاني والبيان والبديع، قرأه وكتب حواشيه وقدم له ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية سيدا، بيروت، طـ. 1، 1423 هـ/2002 م، ص 217.

[16] المصدر السابق، ص217.

[17] ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، حققه، وفصله، محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت، لبنان، ص 280.

[18] محمد عبد العظيم، في ماهية النص الشعري، إطلالة أسلوبية من نافذة التراث النقدي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، طـ. 1، 1415 هـ/1998م، ص39.

[19] يوسف حسن بكار نبناء القصيدة في النقد العربي القديم، في ضوء النقد الحديث، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، طـ. 2، 1403 هـ/1973م، ص56.

[20] عبد القاهر الجر جاني، أسرار البلاغة، قراه وعلق عليه محمود شاكر، الناشر دار المدني بجدة، ص 338.

[21] عبد العزيز عتيق، في النقد الأدبي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت، 1972، ص 353.

[22] أبو الهلال العسكري، كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، حققه وضبط نصه مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طـ. 2، 1409هـ/1989 م، ص 249.

[23] المصدر نفسه، ص 249.

رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-05-2016 - 07:01 PM ]


من موقع الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب :
نظرية التناص في النقد العربي

يعرف التناص –في النقد الغربي– كما نحتته الباحثة جوليا كريستفيا عام 1969 استنباطا من دراسة عن دوستويفيسكي لباختين، بأنه مجموع العلاقات القائمة بين نص أدبي ونصوص أخرى. ورغم أن مفهوم التناص عرف في السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا عند مجموع الداريسين الغربيين، إلا أنه لم يدرس كفاية من لدن النقاد العرب المعاصرين، حتى أنهم لم يتفقوا بعد على ترجمة موحدة لمصطلح Interextualité، فقد عربه البعض بالتناص، والبعض الآخر بالنصوصية، وفريق ثالث عربه بتداخل النصوص أو تعالقها… أما التراث النقدي العربي فقد عرف الظاهرة مبكرا وأشبعها دراسة وتحليلا، وإن كان بوضوح أقل وتحت مسميات عدة، مثل: التضمين؛ السرقات الشعرية؛ الاقتباس؛ الاحتذاء… إلخ.
(1)
أشار كثير من النقاد العرب القدامى وبعض الشعراء إلى ظاهرة التناص تحت مفاهيم الاقتباس والتلميح و الإشارة…
فهذا امرؤ القيس يقول:
عوجا على الطلل المحيل لأننا / نبكي الديار كما بكى ابن حذام
وهي إشارة إلى أنه ليس أول من بكى على الأطلال، فما فعله غير تكرار واستعادة لفعل شاعر آخر هو ابن حذام.
وهنا أيضا بيت لابن زهير يقول:
ما أرانا نقول إلا رجيعا / ومعادا من قولنا مكرورا
و أيضا إشارة علي بن أبي طالب لولا أن الكلام يعاد لنفد، وما قاله عنترة في معلقته:
هل غادر الشعراء من متردم / أم هل عرفت الدار بعد توهم
هو تساؤل بمعنى استنكاري حول أن الشعراء لم يتركوا شيئا يصاغ فيه الشعر إلا وصاغوه، أي أن الأول لم يترك للثاني شيئا، كما يتساءل أبو تمام: كم ترك الأول للآخر.
ويشير ابن رشيق في كتابه قراضة الذهب في أشعار العرب، إلى أن : مصدر كل كلام هو كلام قبله حتى وإن كان الكشف عن التعالقات النصية ليست بالعملية اليسيرة، فالكلام من الكلام وإن خفيت طرقه وبعدت مناسباته.
ويشير حازم القرطاجني في مصنفه منهج البلغاء وسراج الأدباء إلى نوع من تعامل الكاتب مع النصوص السابقة إذ يدخلها في نصوصه وذلك بإيراد ذلك الكلام أو بعضه بنوع من التصرف و التغيير أو التضمين فيحيل على ذلك أو يضمنه أو يدمج الإشارة إليه أو يورد معناه في عبارة أخرى على جهة قلب أو نقل.
وشيء عادي أن يستفيد اللاحق من السابق، حيث لا يمكن أن يستغني الأخير عن الاستعارة من الأول –بقول ابن الأثير– فقد كان العرب ينصحون المبتدئ من الشعراء بقراءة آلاف الأبيات الشعرية مع حفظها والتمعن فيها حتى تعلق معانيها بفهمه وترسخ أصولها في قلبه، وبعد ذلك عليه أن ينساها، كما أكد النقاد القدامى على ضرورة معرفة الشاعر لأيام العرب وأمثالهم مع الاطلاع على كل ما يشحذ القريحة ويذكي الفطنة من كلام المتقدمين المنظوم والمنثور.
إذن، كما لاحظنا، فقد تنبه النقاد العرب القدماء إلى ظاهرة التداخلات بين النصوص وبخاصة في الخطاب الشعري، حيث ظهرت مجموعة من المصطلحات تعالج جزئيات الظاهرة. وهو مؤشر على تعرف العرب على ظاهرة التناص وإن لم يسموها بهذا الوصف فقد ظهرت مصطلحات عديدة تقترب من معنى التناص من مثل: التلميح؛ التضمين؛ الاقتباس؛ والاحتذاء…إلخ.
فالتلميح يعتمد على صدور إشارات من النص الحاضر إلى النص الغائب. والتضمين هو أن يتضمن بيت شعري كلمات من بيت آخر وبتعريف البلاغيين هو استعارتك الأنصاف والأبيات من غيرك وإدخالك إياه في أثناء أبيات قصيدتك. مثل قول عنترة:
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم / عنها ولكني تضايق مقدمي
ضمنه مسلم بن الوليد في قوله:
ولقد سما للخرمي فلم يقل / يوم الوغى أني تضايق مقدمي
وأما الاقتباس فهو أخذ بيت شعري بلفظه ومحتواه، وهو عند البلاغيين مرتبط بالقرآن الكريم، فالاقتباس كما يقول فخر الدين الرازي هو إدراج كلمة من القرآن في الكلام تزيينا لنظامه وتفخيما لشأنه، وأيضا لإضفاء نوع من القداسة على النص. والأمثلة بهذا الخصوص كثيرة، منها قول ابن الرومي:
لقد أنزلت حاجتـي / بواد غيـر ذي زرع
وقول محمود درويش: “أنا يوسف يا أبي” و “رأيت أحد عشر كوكبا”.
وأما الاحتذاء فهو عملية فنية لها مواصفتها التي تبعدها عن المحاكاة وتقترب بها من الأخذ، كما يقول الباحث محمد عزام. ومن مثال ذلك قول امرؤ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل / بسقط اللوى بين الدخول فحومل
احتذاه شاعر مغربي من القرن السابع عشر الميلادي هو أبن زاكور بقوله:
قفا حدثاني عن معان وأربع / بجزع النقا بين الهضاب فأنقع
(2)
كان هذا في الجانب البلاغي، أما في الجانب النقدي فقد عرف التناص تحت مسميات أخرى كالنقائض والمعارضات والسرقات.
النقائض هي أن ينقض الشاعر الثاني ما قاله الأول ملتزما الوزن والقافية والروي كما نظم الأول منسجا على غراره ناقضا مزاعمه ومعانيه.
وأما السرقات الشعرية فهي أخذ اللاحق معنى السابق، ولأن الشاعر المحدث جاء تاليا فقد وصم بالسرقة، حيث مضى النقاد في إظهار تحاملهم على الشعراء، وبخاصة على أبي تمام والمتنبي. فعندما قال المتنبي:
يزور الأعادي في سماء عجاجة / أسنته في جانبيها الكواكب
وجد النقاد أنه مأخوذ من قول بن كلثوم :
تبني سنابكها من فوق أرؤسهم / سقفا كواكبه البيض المباتير
وقد أخذ أمر السرقات الشعرية مدة القرنين من الزمن (من القرن الثالث الهجري حتى القرن الخامس) في مساجلات بين أخذ ورد بين متحامل ومنصف. وبحسب المنصفين السرقات ظاهرة طبيعية حيث المعاني مشاعة بين الشعراء والناس لا ضير أبدا في أن يأخذ اللاحق من السابق.
من هنا دفاع المتنبي عن نفسه في مناظرة: رويدا، أما ما نعيته علي من السرق، فما يدريك أني اعتمدته وكلام العرب آخذ بعضه برقاب البعض، وآخذ بعضه من بعض، والمعاني تختلف في الصدور، وتخطر للمتقدم تارة، وللمتأخر أخرى، والألفاظ مشتركة مباحة.
ويقول الجاحظ : بأن المعاني في الطريق مطروحة، وهي من الشيوع بين الناس لا يمكن نسبتها إلى أحد بعينه.

ويقول المتنبي أيضا: لا أعلم شاعرا جاهليا ولا إسلاميا إلا وقد احتذى واقتفى، واجتذب واجتلب.
(3)
تجاوزا لهذه النزعة السجالية التي هيمنت في فهم التعالقات النصية، فإن مفهوم التناص في النقد العربي الحديث –مع الإبدالات المعرفية التي شملت تصور النص و نظريته– قد حقق قلبا في المقاربات النصية بما فجره من تساؤلات امتدت إلى هوية النص ذاته. علما أن الخطاب النقدي العربي لم يتعرف على هذا المفهوم إلا أواخر السبعينيات من القرن العشرين. ولعل محمد بنيس –الشاعر المغربي- أول من اشتغل على هذا المفهوم، وذلك في كتابه “ظاهرة النص الشعري في المغرب” الصادر سنة 1979، حيث نجد أن بنيس قد استعمل مفهوم التناص كأداة للقراءة الخارجية للمتن المدروس، وذلك باستناده على كريستفيا وتودروف وهودبين، حيث كان يعتبر إذ ذاك أن النص الشعري بنية لغوية متميزة. وهو ما سيعيد النظر فيه بعد تعرفه على شعرية الإيقاع وظهور مآزق النموذج البنيوي في قراءة الشعر.
بعد ذلك، وفي إطار مسعاه التنظيري حول تقعيد العلاقات النصية، سيهتدي بنيس إلى مفهوم النص الغائب الذي سيثريه بمفهوم هجرة النص الذي تناوله في دراسته حول هجرة النص المشرقي إلى النص المغربي.
(4)
كان هذا منطلقا أوليا لتأمل العلاقات البي-نصية التي حظيت فيما بعد باهتمام كبير، حتى غدا التناص من المفاهيم المركزية داخل الخطاب النقدي العربي المعاصر، لتظهر بذلك دراسات كثيرة حول هذا المفهوم، كان من أبرزها دراسات محمد مفتاح الذي أولى لموضوع التناص اهتماما ملحوظا في جل كتبه، وبالضبط كتابه “تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص”. حيث يعرف التناص بكونه فسيفساء من نصوص أخرى أدمجت فيه بتقنيات مختلفة، وأيضا بكونه محول للنصوص يمططها أو يكثفها بقصد مناقضة خصائصها ودلالتها أو بهدف تعضيدها. أي أن التناص هو تعالق نصوص متعددة مع نص بكيفيات مختلفة.
ويشير الدكتور محمد مفتاح في كتابه اللاحق “مساءلة النص” إلى التحريف وسوء الفهم الذي اعترى إنجازات الدارسين لمفهوم التناص، ثم بعد دعوته إلى وجوب إدراك ظروف نشأة المفهوم وأبعاده الفكرية، يقترح درجات ستة للتناص، هي:
1. التطابق: أي تساوي النصوص في الخصائص البنيوية وفي النتائج الوظيفية.
2. التفاعل: كل نص هو نتيجة تفاعل مع نصوص أخرى تكون درجة وجودها بحسب نوع النص المتفاعلة معه، وأهداف الكاتب ومقاصده.
3. التداخل: تشارك نصوص لفضاء نص عام دون تحقيق الامتزاج أو التفاعل بينها.
4. التحاذي: يكون بمحافظة كل نص على هويته في غياب أي صلة بين النصوص.
5. التباعد: إذا كان من الممكن تحاذي نص حديثي ونص قرآني، فإن التباعد يتجلى في مجاورة نكتة سخيفة لآية قرآنية.
6. التقاصي: يقوم على التقابلات التالية: النصوص الدينية/النصوص الفاجرة؛ النصوص العلمية/النصوص الفكاهية.
مع ملاحظة أن بعض هذه الدرجات يمكن الاستغناء عنها، إذ لا كبير فرق بين التفاعل والتداخل، وبين التباعد والتقاصي.كما يمكن إلغاء درجة التطابق لأنها لا تدخل ضمن التناص كونها لا تتحقق إلا في النصوص المستنسخة.
و في الختام، تجدر الإشارة إلى أن محمد مفتاح في مقاربته لمفهوم التناص قد اعتمد منهج الدلائلية الذي يعتبره أشمل نظرية لتحليل الخطاب الإنساني، مركزا بذلك في تحليله للشعر على البعد التواصلي: مهما أعرنا الاهتمام إلى التعبير فإن المضمون يبقى قطب العملية التواصلية. وهذا ما يجعل التناص لديه وسيلة تواصل لا يمكن أن يحصل القصد من أي خطاب لغوي بدونه.


http://wata.cc/forums/showthread.php?t=67973


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-05-2016 - 07:02 PM ]


المصدر : منتدى معمري للعلوم

هنا سؤال أتمنى ممن يهمه الأمر الإجابة عليه للفائدة ؟ لأني عندما طرحت لطالباتي معلومة أن التناص يعده بعض النقاد من السرقات من خلال الفيس بوك طرح علي هذا السؤال ؟
إن كان التناص يعتبر من السرقات الأدبية فإن كثير من شعراءنا القدماء وقعوا في شرك السرقة الأدبية بمعنى أن تاريخنا الأدبي مليء بالسرقات الأدبية
فكيف لنا الافتخار بتراثنا العربي وأن نتعلم أشعار من هم بنظر النقاد لصوص شعر كالمتنبي وغيره ؟ وعليه نريد قصائد وأشعار مبتكرة لا تناص فيها ولا اقتباس ولا محاكاة ..!!!!

فعلا ذهلت من السؤال ولم أملك إجابة ... وطلبهم غريب
هذه دعوة لجميع النقاد العرب للاتفاق في هذا الأمر حتى تستفيد الأجيال القادمة وحتى لايحدث لديها نوع من التضارب والحيرة ولايشوه تاريخنا الأدبي العريق ...
وإن كان هناك اتفاق قريب أرجوا توجيهي إليه حتى أفيد وأُفيد ... تقبلوا صادق احترامي وتقديري للجميع





ــــــــــــــــــــــــ
الأديبة الغالية سميرة رعبوب أشكرك أولا على الموضوع المطروح و قد شمل درسا أكاديميا حول التناص
حقيقة استمتعت بمتابعة دقيقة للمفهوم في تجليه البلاغي والنقدي ووجدت إلى ذلك فهما للظاهرة في متنها النقدي قديمه وحديثه، وهو لا شك مفهوم جليل لكونه يخلصنا من وهم النص المنغلق على ذاته ومن النموذج البنيوي الميكانيكي و ينقلنا إلى نموذج للنص حي منفتح على مرجعيته منغرس في تربته الثقافية. ولا شك في أن ظاهرة التناص لا تقيم وزنا للنصوص المتراسلة فقط بل تفتح رحابها لعملية النقد و القراءة، فالقارئ بدرجاته المتفاوتة بوعيه و ثقافته هو من سيكشف نقاب التناص وهو الذي سيفك أحجية النص و يفكك العلاقات المتشابكة القائمة بينه و بين نصوص أخرى، إن الحديث عن التناص بهذه الطريقة يجعل النص في إطار تداولي حي و يتيح لنا الخروج من النقد إلى الناقد (من الابستيمي ) إلى الذاتي من النقد العام في صورته الكلية إلى الناقد بشخصه فهو الذي سيمهد لنا السبيل إلى اكتشاف المفهوم وكلما اتسعت ثقافة الناقد أمكن له التعرف إلى العلاقات التي يقيمها أديب بين نصه و نصوص أخرى،
أما عن سؤالك الذي ورد تاليا و تعلق بمفهوم السرقة: فأود أن نفرق هنا بين الاعتداء على النص بنسخه وانتحاله، وبين التأثر بالنصوص السابقة وهذا طبعا وارد في عرف الكتابة ذلك أن للذاكرة دورا في خلق المبتكر وليس ثمة أديب أو شاعر أو ناقد يزعم أنه ولد مبتكرا و إنما يحتاج الخلق الفني إلى الدربة و الحفظ، و يهمنا هنا أيضا أن نذكر بمفهوم الخيال وهو عند بعضهم إعادة إنتاج للواقع وكذا شأن الأدب فهو إعادة إنتاج للنصوص وكلما قرأنا أكثر صرنا أقدر على الكتابة و يحدث هنا أن يقع الخاطر على الخاطر (حتى لا أقول الحافر على الحافر) و يحدث أن يؤثر أديب متقدم على اديب متأخر فلا يزيدنا ذلك إلا يقينا بعبقرية من سبق و إعجابا بثقافة من تأخر و فخرا بثقافتنا التي يحيي متأخروها متقدميها
إن كثيرا مما عده السابقون سرقة إنما يدخل في باب التناص و التفاعل المعقول بين الأدباء و النصوص ونحن إذ نطل على هذه القضية إنما ننظر بإكبار إلى رجال تواضعوا لمن سبقوهم و أقروا لهم بالفضل في بناء أدبهم،

الأديبة الغالية سميرة رعبوب أشكرك أولا على الموضوع المطروح و قد شمل درسا أكاديميا حول التناص
حقيقة استمتعت بمتابعة دقيقة للمفهوم في تجليه البلاغي والنقدي ووجدت إلى ذلك فهما للظاهرة في متنها النقدي قديمه وحديثه، وهو لا شك مفهوم جليل لكونه يخلصنا من وهم النص المنغلق على ذاته ومن النموذج البنيوي الميكانيكي و ينقلنا إلى نموذج للنص حي منفتح على مرجعيته منغرس في تربته الثقافية. ولا شك في أن ظاهرة التناص لا تقيم وزنا للنصوص المتراسلة فقط بل تفتح رحابها لعملية النقد و القراءة، فالقارئ بدرجاته المتفاوتة بوعيه و ثقافته هو من سيكشف نقاب التناص وهو الذي سيفك أحجية النص و يفكك العلاقات المتشابكة القائمة بينه و بين نصوص أخرى، إن الحديث عن التناص بهذه الطريقة يجعل النص في إطار تداولي حي و يتيح لنا الخروج من النقد إلى الناقد (من الابستيمي ) إلى الذاتي من النقد العام في صورته الكلية إلى الناقد بشخصه فهو الذي سيمهد لنا السبيل إلى اكتشاف المفهوم وكلما اتسعت ثقافة الناقد أمكن له التعرف إلى العلاقات التي يقيمها أديب بين نصه و نصوص أخرى،
أما عن سؤالك الذي ورد تاليا و تعلق بمفهوم السرقة: فأود أن نفرق هنا بين الاعتداء على النص بنسخه وانتحاله، وبين التأثر بالنصوص السابقة وهذا طبعا وارد في عرف الكتابة ذلك أن للذاكرة دورا في خلق المبتكر وليس ثمة أديب أو شاعر أو ناقد يزعم أنه ولد مبتكرا و إنما يحتاج الخلق الفني إلى الدربة و الحفظ، و يهمنا هنا أيضا أن نذكر بمفهوم الخيال وهو عند بعضهم إعادة إنتاج للواقع وكذا شأن الأدب فهو إعادة إنتاج للنصوص وكلما قرأنا أكثر صرنا أقدر على الكتابة و يحدث هنا أن يقع الخاطر على الخاطر (حتى لا أقول الحافر على الحافر) و يحدث أن يؤثر أديب متقدم على اديب متأخر فلا يزيدنا ذلك إلا يقينا بعبقرية من سبق و إعجابا بثقافة من تأخر و فخرا بثقافتنا التي يحيي متأخروها متقدميها
إن كثيرا مما عده السابقون سرقة إنما يدخل في باب التناص و التفاعل المعقول بين الأدباء و النصوص ونحن إذ نطل على هذه القضية إنما ننظر بإكبار إلى رجال تواضعوا لمن سبقوهم و أقروا لهم بالفضل في بناء أدبهم،
مودتي واحترامي
أشكرك أستاذنا الفاضل على مرورك الكريم وإضافتك الهادفة
فما أوردته سيدي الكريم هو ماذكره المنصفون من النقاد ...
بيد أن هناك من يشدد في مسألة التناص والاقتباس وكأنه يرفع البطاقة الحمراء بـ ( لا للابداع )
سيدي الكريم لطالما كنت إلى هذه اللحظة أرى أن التناص أمر لابد منه في الشعر والنثر ، وتعجبت بأن بعض النقاد يعدونه وبشدة يندرج تحت مسمى السرقة الأدبية
واختلاف النقد قديما وحديثا بنظري لايعد اشكالية بقدر أنها آراء واجتهادات محل احترام ونظر وتقدير ولابد من إكبار من صنعوا لنا تاريخنا ومجدنا العربي
ولكن أجيالنا اليوم أكثر جراءة وثقافة وهم يريدون لمن يعتبره في شراك السرقة الأدبية أن يضع لهم البديل وأن يجيبهم بكل ثبات لما هاج في نفوسهم من حيرة واستفهامات وهذا جانب لايمكن تغافله أبدا ..
فهو عندما يصفه بالسرقة الأدبية فكأنه يضع استفهامات كثيرة أمام أجيال قادمة ترى من الأدب العربي وشعر المتقدميين والمتأخريين مجدا لها ..





ويقول المتنبي أيضا: لا أعلم شاعرا جاهليا ولا إسلاميا إلا وقد احتذى واقتفى، واجتذب واجتلب.

أنا أرى أن الأمور نسبية في هذا الأمر

فقد تكون توارد أفكار - اذا اعتبرنا حسن النية

ولكن !

هناك أصولا لنقد النصوص

مثل علم النقد النصي

بحث طيب

أشكرك أستاذة سميرة رعبوب

أنتي مجتهدة

فلك

تحية تربوية حضارية

غ‍
غ‍غ‍
غ‍غ‍غ‍غ‍
غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍
غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍
غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍
غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا
غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍
فهـوَ الـذي يبنـي الطبـاعَ قويمـةً
وهوَ الذي يبنـي النفـوس عُـدولا
غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍
قُـــمْ للـمـعـلّـمِ وَفِّــــه التـبـجـيـلا
كــادَ المعـلّـمُ أن يكـونَ رســـولا
غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍غ‍


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 6 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-05-2016 - 07:02 PM ]


الأستاذة الأديبة المتميزة سميرة رعبوب،

أشكرك على اختيار هذه الدراسة التي جاءت في وقتٍ مناسب، ليتم تناولها ومناقشتها هنا في منتديات واتا الحضارية، لما ينبني على نتائجها من أحكام على نصوص أدبية لا تخلو من تناص؛ فلا نحيف على أصحابها مستعجلين إطلاق حكم (السرقة الأدبية) لمجرد التعالق بينها ونصوص أخرى سابقة.

فالتناص في الأدب عموماً هو أحد أشكال التفاعل النصي وتداخله، وقد أقره الأدباء والنقاد قديماً وحديثاً، فهذه جوليا كريستيفا تعتبر التناص كمفهوم ومصطلح، مرتبطا "بالنص المولد الذي يهتم بالكيفية التي يتم بها توالد النصوص، وخلقها وفق عمل منبنٍ على بناءٍ سابق أو مسبق. ولهذا فإن النص الشعري بالنسبة إليها إنما ينتج ضمن حركة معقدة، ومركبة من إثبات النصوص الأخرى، ونفيها في آن"

وقديماً ذهب أحمد بن أبي طاهر(ت 385هـ)، إلى أن الكلام العربي: "ملتبس بعضه ببعض، وآخذ أواخره من أوائله، والمبتدع منه والمخترع قليل إذا تصفحته وامتحنته، والمحترس المتحفظ المطبوع بلاغة وشعرا من المتقدمين والمتأخرين، لا يسلم أن يكون كلامه آخذا من كلام غيره، وإن اجتهد في الاحتراس، وتخلل طريق الكلام، وباعد في المعنى، وأقرب في اللفظ، وأفلت من شباك التداخل. فكيف يكون ذلك مع المتكلف المتصنع والمتعمد القاصد (...) ومن ظن أن كلامه لا يلتبس بكلام غيره فقد كذب ظنه، وفضحه امتحانه".

وحتى لا يكون الكلام في مستوى التنظير فحسب، نحيل إلى دراسة الأديب والناقد المغربي محمد داني، وهي بعنوان: (التناص في شعر محمد علي الرباوي)، نشرها في منتدى مطر، على الرابط التالي:
http://matarmatar.net/vb/t16762/

والشاعر المغربي محمد علي الرباوي يحمل درجة دكتوراه الدولة في الأدب العربي، تخصص علم الإيقاع الشعري، ولمزيد حول سيرته الذاتية وإنتاجه الأدبي أرجو زيارة الرابط التالي:
http://www.diwanalarab.com/spip.php?article13903

في الدراسة المشار إليها، نجد شعر محمد علي الرباوي حافلا بالتناصات المتعددة ، والمتنوعة:
ففيه تناص مع القرآن الكريم،
وفيه تناص مع الحديث النبوي الشريف،
وفيه تناص مع التراث القديم.

ويخلص الباحث في دراسته إلى أن محمد علي الرباوي واع بأهمية التناص في القول الشعري...فهو يريد منه أغراضا فنية وجمالية بالدرجة الأولى.. يمكن إجمالها في:
- تقوية البناء الشعري.
- خلق حوار تناصي في شعره.
- خلق نوع من الإيحائية داخل نصوصه الشعرية.
- مد النص الشعري بجماليات نصية جديدة، وإضفاء حياة زائدة داخله.
- خلق تقاطعات داخل النص.
- خلق نوع من التفاعل ما بين النص والمتلقي.
- إتاحة فضاءات تأويلية خصبة، وأكثر اتساعا.
- تعطي للنص الشعري خاصياته الفنية.

وبناء عليه، وفيما يتعلق بسؤالك المطروح في نهاية الدراسة؛ فأرى أن وصف (السرقة) هو أقرب ما يكون إلى (استنساخ) النص الأصلي، وانتحاله. أما التعانق، والتعالق، والإشارة، والإحالة، والتضمين، وتلبس الكلام في الكلام؛ فلا يعتبر سرقةً، وإنما هو نوع من التفاعل النصي والدلالي.

وتقبلوا فائق تقديري واحترامي.

التعديل الأخير تم بواسطة أحمد المدهون ; 28/06/2011 الساعة 02:00 AM

" سُئلت عمـن سيقود الجنس البشري ؟ فأجبت: الذين يعرفون كيـف يقرؤون "
فولتيـــر



اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة السعيد ابراهيم الفقي مشاهدة المشاركة
ويقول المتنبي أيضا: لا أعلم شاعرا جاهليا ولا إسلاميا إلا وقد احتذى واقتفى، واجتذب واجتلب.
أنا أرى أن الأمور نسبية في هذا الأمر
فقد تكون توارد أفكار - اذا اعتبرنا حسن النية
ولكن !
هناك أصولا لنقد النصوص
مثل علم النقد النصي
بحث طيب
أشكرك أستاذة سميرة رعبوب
أنتي مجتهدة
فلك
تحية تربوية حضارية
أستاذنا المبدع والفاضل / السعيد ابراهيم
أشكرك سيدي الكريم على مرورك الطيب وكلماتك المشجعة
وإضافتك التي أثرت الموضوع ..
لك صادق احترامي وتقديري

رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ



أشكرك على اختيار هذه الدراسة التي جاءت في وقتٍ مناسب، ليتم تناولها ومناقشتها هنا في منتديات واتا الحضارية، لما ينبني على نتائجها من أحكام على نصوص أدبية لا تخلو من تناص؛ فلا نحيف على أصحابها مستعجلين إطلاق حكم (السرقة الأدبية) لمجرد التعالق بينها ونصوص أخرى سابقة.

فالتناص في الأدب عموماً هو أحد أشكال التفاعل النصي وتداخله، وقد أقره الأدباء والنقاد قديماً وحديثاً، فهذه جوليا كريستيفا تعتبر التناص كمفهوم ومصطلح، مرتبطا "بالنص المولد الذي يهتم بالكيفية التي يتم بها توالد النصوص، وخلقها وفق عمل منبنٍ على بناءٍ سابق أو مسبق. ولهذا فإن النص الشعري بالنسبة إليها إنما ينتج ضمن حركة معقدة، ومركبة من إثبات النصوص الأخرى، ونفيها في آن"

وقديماً ذهب أحمد بن أبي طاهر(ت 385هـ)، إلى أن الكلام العربي: "ملتبس بعضه ببعض، وآخذ أواخره من أوائله، والمبتدع منه والمخترع قليل إذا تصفحته وامتحنته، والمحترس المتحفظ المطبوع بلاغة وشعرا من المتقدمين والمتأخرين، لا يسلم أن يكون كلامه آخذا من كلام غيره، وإن اجتهد في الاحتراس، وتخلل طريق الكلام، وباعد في المعنى، وأقرب في اللفظ، وأفلت من شباك التداخل. فكيف يكون ذلك مع المتكلف المتصنع والمتعمد القاصد (...) ومن ظن أن كلامه لا يلتبس بكلام غيره فقد كذب ظنه، وفضحه امتحانه".

وحتى لا يكون الكلام في مستوى التنظير فحسب، نحيل إلى دراسة الأديب والناقد المغربي محمد داني، وهي بعنوان: (التناص في شعر محمد علي الرباوي)، نشرها في منتدى مطر، على الرابط التالي:
http://matarmatar.net/vb/t16762/

والشاعر المغربي محمد علي الرباوي يحمل درجة دكتوراه الدولة في الأدب العربي، تخصص علم الإيقاع الشعري، ولمزيد حول سيرته الذاتية وإنتاجه الأدبي أرجو زيارة الرابط التالي:
http://www.diwanalarab.com/spip.php?article13903

في الدراسة المشار إليها، نجد شعر محمد علي الرباوي حافلا بالتناصات المتعددة ، والمتنوعة:
ففيه تناص مع القرآن الكريم،
وفيه تناص مع الحديث النبوي الشريف،
وفيه تناص مع التراث القديم.

ويخلص الباحث في دراسته إلى أن محمد علي الرباوي واع بأهمية التناص في القول الشعري...فهو يريد منه أغراضا فنية وجمالية بالدرجة الأولى.. يمكن إجمالها في:
- تقوية البناء الشعري.
- خلق حوار تناصي في شعره.
- خلق نوع من الإيحائية داخل نصوصه الشعرية.
- مد النص الشعري بجماليات نصية جديدة، وإضفاء حياة زائدة داخله.
- خلق تقاطعات داخل النص.
- خلق نوع من التفاعل ما بين النص والمتلقي.
- إتاحة فضاءات تأويلية خصبة، وأكثر اتساعا.
- تعطي للنص الشعري خاصياته الفنية.

وبناء عليه، وفيما يتعلق بسؤالك المطروح في نهاية الدراسة؛ فأرى أن وصف (السرقة) هو أقرب ما يكون إلى (استنساخ) النص الأصلي، وانتحاله. أما التعانق، والتعالق، والإشارة، والإحالة، والتضمين، وتلبس الكلام في الكلام؛ فلا يعتبر سرقةً، وإنما هو نوع من التفاعل النصي والدلالي.

وتقبلوا فائق تقديري واحترامي.

بدوري أشكرك على هذا الموضوع الهام وضرورة وضعه على طاولة البحث والنقد والتمحيص.. وفيه أود أن أضيف إلى ما قاله الأخوة قبلي: إن المسألة مسألة التناص لا يمكن اعتبارها سرقات أو تقليداً ليس فيه جديداً.. بل الدقة تفرض علينا اعتباره تطويراً للنص السابق لا يخلو النص الجديد معه من حداثة في الصور والمعاني وأدوات التعبير وتقنياته.. ولنا في محاكاة أحمد شوقي لقصيدة البوصيري: "نهج البردة" خير دليل فالقاريء للقصيدتين يدرك الفوارق بينهما في كل ما ذكرنا.. ففي قصيدة شوقي صور جديدة ولغة ومعانٍ لم يتطرق إليها سلفه وهي مرتبطة بالعصر الذي قيلت فيه وفيها الكثير من المعاني التي لم تكن مطروحة زمن البوصيري بكل ما فيها من فنون وبلاغة وتعبير عن التحديات الموجودة في العصر الذي عاشه شوقي..
ومثال على ذلك، فإن إرادة الشعوب لم تكن أمراً مطروحاً في زمن أبي تمام إذ قال:
السيف أصدق إنباء من الكتب.... في حده الحد بين الجد واللعب
فهل أكون أنا سارقاً إذ حاكيته في قصيدتي إرحل لبغداد فقلت:
مهلاً علينا أبا تمام بان لنا.... إرادة الشعب فوق السيف والكتب
وهل أكون سارقاً عندما قلت له:
هنا المعالي على الشلال من دمنا .... ننالها لا على جسر من التعب
رداً على قوله:
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها.... تنال إلا على جسر من التعب
هل الفكرة هي نفسها؟ وكذلك الصورة والإيحاء والدلالات في كلا النصين؟
حقيقة يجب أن يعرفها طلا بنا وهي ما أشار إليه البلاغيون العرب من أن النص يدخل إلى المتلقي ويمتزج بما عنده من معاناة وأفكار وأحاسيس ومستوى.. فيخرج من عنده نصاً آخر.. ليس هو هو.
وحقيقة أخرى يجب أن نغرسها في أذهاننا وهي أنه: " ليس كل ماهو فرنجي برنجي" أي جيد، كما نقول نحن في بلاد الشام.
ومن يقرأ نظريات البلاغيين والفلاسفة العرب في الشعر ونقده : ( الخيال والتخييل والمحاكاة والتلقي ..) يعرف كم سرق هذا الغرب منا وأخذ.. غير أنه طور ولا يزال. في حين أنستنا البرامج والمناهج التي صاغها لنا المستعمرون الدرر والجواهر في تراثنا وحضارتنا وتاريخنا..

إذا كان غالبا ما ينتقل "المنهج " أو"المصطلح" النقدي من ثقافة إلى أخرى مشوبا بالاضطراب، فإن مفهوم التناصية (Inter****ualité). قد عرف التباسا في بيئته الأصلية (الغرب) نتيجة للتطورات وللتعديلات التي كانت تلحقه، كما توزع بين عديد من المجالات التي تداولته. و إضافة إلى هذه الصعوبات، هناك مشكل ترجمة المصطلح، ففي اللغة الفرنسية نقلت لفظة Inter****ualité)) إلى العربية تحت مصطلحات كثيرة، من أبرزها (التداخل النصي).(1) وقد آثرنا الإبقاء على مصطلح (التناصية) في ترجمته إلى (Inter****ualité) نظرا لشيوعه داخل الأوساط النقدية العربية، كما أن مادة "نص"(2) في اللغة العربية تحمل معنى التنضيد، واختزاله في نوع واحد فقط من أنواع المتعاليات النصية (Inter****ualité). لذلك يأتي اختيارنا لهذا المصطلح لكوننا نجانب تعميق التباس المفهوم ومقابلته باستعمال مصطلحات أخرى، وسنبقي على تداول مصطلح التناصية باعتباره المنظم للعلاقات النصية، تحويلا و محاكاة وتضمينا وسرقة وتحريرا ...الخ.
كما سيكون تعاملنا مع مستويات الحضور المؤسس للتناصية كما طرح مع الأوائل، وسنعمل على إبراز مستويات الحضور المرسخ بشكل أعم مما طرحته "كريستيفيا J.Kristiva"، إذ سنعتمد على ما طرحه "جنيتG.Genette" في كتابه التطريسات (Palimpsestes) حول المتعاليات النصية" لكونه طور آراءها المطورة عن أفكار "م.باختين M.Bakhtine" حول الحوارية في صياغة مفاهيمها حول التناصية.

أ- التناص في النقد العربي القديم
لقد كان العرب من السباقين إلى معالجة مفهوم التناصية تحت مسمى السرقات الأدبية، وانتقل الموضوع من مبحث في النقد إلى مبحث في البلاغة. وخلال بداية القرن الأخير،لم يكن في وسع النقد العربي تجاوز المقولات التقليدية في النقد حول السرقة الأدبية، إذ ظلت الاتهامات متبادلة بين النقاد والمبدعون.
حينما أطلق مصطلح (سرقة) في النقد العربي القديم على ظاهرة انتقال المعاني من نص إلى آخر، لم يكن ذلك يعد قدحا في الظاهرة، بدليل أن هناك تمييز بين سرقة ممدوحة وأخرى مذمومة، وفي هذا السياق يقول ابن رشيق عن السرقات" باب متسع جدا، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه، وبه أشياء غامضة إلا على البصير الحاذق بالصناعة، وأخرى فاضحة لا تخفى إلا على الجاهل المغفل".(3) فأهمية رأي "ابن رشيق" تكمن في كونه يعتبر موضوع السرقة متسعا، لأن هناك صعوبة بادية في حصر ما هو سالف من النصوص المتواجدة داخل النص المنتج(اللاحق) سواء كتنصيص أو اقتباس أو استعارة أو صدى، كما يرى انه لا يمكن لأي شاعر أن يدعي السلامة منه، فمن الضروري أن يستند الشاعر على نصوص سابقيه من أجل بناء قصيدته، وهذه النصوص السابقة المتسللة إلى نص الشاعر تتفاوت في درجة التعرف عليها من قارئ إلى آخر، لذلك نجد الناقد العربي القديم قد حصر السرقة في المعاني دون "الألفاظ ليست محظورة على أحد"،(4) وبذلك خص المعاني المتداولة بمصطلح (الاتفاق). من هنا كان اهتمامه منصبا على استخراج معاني الغير من القصيدة والتي يصعب الكشف عنها، فرأى أن ذلك من مهمته، بينما المعاني المتداولة (تشبيهات العامة-الأمثال) فهي معروفة عند العامة يسهل تبينها، لهذا تخرج عن كونها سرقة.
أما السرقات عند "ابن رشيق" هي تلك التي تكون من جنس أدبي إلى آخر (شعر/ نثر). فيقول " أجل السرقات نظم النثر، وحل الشعر".(5) كما أن هناك فرع آخر من العلاقات النصية، وهو التضمين، الذي يخرج عن باب السرقات عند "ابن رشيق"، الذي يعني" قصدك إلى البيت من الشعر أو القسيم فتأتي به في آخر شعرك أو وسطه كالمتمثل".(6)
ومن النقاد الذين يميزون بين السرقة والاحتذاء هناك عبد القاهر الجرجاني إذ ينكر على النقاد "وصمهم الشاعر بالسرقة ما دام محتذيا، وذلك لأنه يفرق بين الاحتذاء والسرقة".(7) ورغم ما ذكرت من التفاتات نقدية متميزة عند نقادنا القدامى، فإنه يمكن أن نخرج بالملاحظات التالية:
استحكام النظرة التجزيئية: حيث لم يتعامل الناقد العربي القديم مع القصيدة في شموليتها من أولها إلى آخرها، بل البحث هده السرقات بشكل جزئي،أي على مستوى البيت أو البيتين فحسب.
استحكام النظرة المعيارية: ودلك بجعل مقاربتهم لمسألة السرقات من زاوية معيارية لا من زاوية وصفية.
بروز النزعة المتعالية: لقد كان ينظر إلى الناقد العربي القديم بأنه خزان من المحفوظات، وهذه المقدرة تمكنه من رد المعاني إلى أصولها، وهي عملية كانت تعلي من شأن الناقد وتجعله فوق كل شاعر، وتجعله يمارس الرقابة على كل منتج شعري.
تحامل بعض النقاد العرب القدامى على بعض الشعراء: إن تعالي الناقد العربي القديم على الشاعر العربي، وشعوره بأهمية المكانة التي يحتلها، خولت له التحامل على بعض الشعراء لأسباب أو لأخرى، مثال ذلك تحامل الحاتمي على المتنبي.
عموما إذا كان للعرب القدامى تصورهم للتناصية كسرقة أدبية، وان اختلفوا في توصيف هذه السرقات والبحث عن مسوغات أدبية وفنية لها، فان للغرب تصوره الخاص به وفق مرجعياته الفكرية والتاريخية.

ب- التصور التقليدي لمفهوم التناصية.
يقوم هذا التصور على إرجاع ظاهرة التناصية إلى مفاهيم لا ترقى إلى مستوى العلمية، كونها ترد إلى قضايا ظاهرية وعلاقات بسيطة وسببيات لا تقوم على منطقية مقبولة، هكذا نجد "L’aurent Jenny" يعتبر بعض هذه الدراسات ناقصة ولا ترقى إلى مستوى العلم، حيث تكتفي بمقاربة اجتماعية أو نفسية أو تاريخية لظاهرة التناصية " كل واحد له طريقته في البحث عن قانون لترتيب تاريخ التناصية، داخل الظروف النفسية والاجتماعية وليس في أشكاله"،(8) ويضرب مثالا على ذلك بما قام به "هـ. بلوم Bloom. H" و"مكليهان Maklehan".
يرى "هـ. بلوم H.Bloom" في جمعه بين الشخصيات والموروث اصطراعا بين" العبقرية السابقة والطموح الحالي، جائزتها أو ثمنها البقاء أو الانضواء في السنة"( ). فالسنة والمعيار وما يحتويه من أسماء كبيرة لها روائعها المعروفة،" متمظهرا كوسواس تأثير يكزن ويشوه كل كتابة جديدة تطمح إلى الخلود".(10) وفي كتابه ( الشعر والكبت1976)ظهر "بلوم Bloom"أكثر وضوحا: فثمة وعي بالعلاقة بين الأحفاد و الآباء، وثمة انجراف وتحريف. لهذا يقول"إن أي شاعر، وحتى هومر لو عرفنا بسابقيه، هو في موقف الاثنين من بعد.... فانه بالضرورة لاحق. ولهذا في أحسن الأحوال يسعى للانتقاء من بين آثار لغة الشعر عبر الكبح: أي أن يكتب بعض من هذه بينما يبقى على اخرى".(11) من هنا يقترب "بلوم Bloom" من فكرة لا عبقرية خارج الموروث ليذهب إلى القول بان " حتى الشاعر الأقوى ينبغي أن يتخذ مكانه وموقفه داخل اللغة الأدبية. أما إذا وقف خارجها فانه لا يقدر عندئذ على كتابة الشعر، لان الشعر يحيا دائما في ظل الشعر".(12)
لذلك ينشغل "بلومBloom" بحدي العلاقة بين الكبار ، سابقين ولاحقين، أباء وأحفاد، داخل الموروث بصفته المتصلة داخل اللغة الأدبية. من ثم يحتدم الصراع في نظره داخل"حلبت الموروث الشعري" ثم يجزم بان" التناصية هي أرشيف العائلة" عندما يبقى الشاعر"تماما داخل السنة المتوارثة للشعراء الكبار"(13)
يرد الأول ظاهرة التناصية إلى بعد نفسي بحيث يتأثر كل شاعر بالذي سبقه، مما يدفعه إلى إحداث شاعريته وفق سابقيه، ويرجع هذه الفرضية إلى قضية في تطور الأدب "إن كل شاعر يتلقى"وسواس تأثير" حقيقي ومعقد من أوديب، وهذا ما يدفعه إلى تغيير الأشكال التي هو حساس أمامها إلى صور متعددة".(14) إن هذا التصور دفع" لوران جيني L’aurent Jenny"إلى أن يصف موقف"بلوم"بالهش والفظيع" إن نظرية بلوم تخلط بشكل فضيع بين النظرية الشكلانية ونظرية المنابع".(15)
أما "مكليهان Maklehan" فيرجع مسالة التناصية إلى تطور وسائل الاتصال السمعية والبصرية كالمذياع والتلفزيون والسينما والصحافة، وليس إلى الأشكال التاريخية للظاهرة؛ فالذاكرة الأدبية عنده قوية و فعالة، تختزل هذه التطورات لتولد أشكالها الجديدة. غير أن "لوران جيني L'aurent Jenny" يعتبر هذا الموقف غير كامل وناضج، لكونه يقصي البعد الإيديولوجي للتناصية" إن نظرة "مكليهانMaklehan" تقوم على آلية بسيطة مقلصة، وفي نفس الوقت، تفرغ التناصية من كل دلالة أيديولوجية"(16).


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الفتوى (1250) : مصطلح (التناصّ) أَعربيٌّ هو أم غربيٌّ د.مصطفى يوسف أنت تسأل والمجمع يجيب 2 10-08-2017 01:47 AM
مصطلح (المزاولة) مصطفى شعبان المصطلحات والأساليب 4 08-16-2017 05:19 AM
مصطلح (الفونيم) مصطفى شعبان المصطلحات والأساليب 2 08-14-2017 11:45 AM
مصطلح (التصريع) مصطفى شعبان المصطلحات والأساليب 0 08-13-2017 07:43 AM
مصطلح (نفس الأمر) مصطفى شعبان المصطلحات والأساليب 0 08-02-2017 11:49 AM


الساعة الآن 11:54 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by