mic لمتابعة إذاعة مجمع اللغة العربية اضغط هنا

id card مجمع اللغة العربية بمكة يطلق عضوياته الجديدة
لطلب العضوية:
اضغط هنا

youtube لمتابعة قناة المجمع على اليوتيوب اضغط هنا

 


الانتقال للخلف   منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية > القسم العام > البحوث و المقالات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
رقم المشاركة : ( 1 )
 
علاء التميمي
عضو نشيط

علاء التميمي غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي مفهوم التلقي في التراث العربي

كُتب : [ 03-06-2016 - 05:27 PM ]


مفهوم التلقي في التراث العربي
الباحث: محمد مليـانــي
جامعة وهران – الجزائر
المصدر: مجلة دراسات وأبحاث - جامعة الجلفة - الجزائر، ع 13.
تاريخ النشر: 2013م

ملخص:
لقد جاء اهتمام أسلافنا بجماليات التلقي مبثوثا في جملة أحكامهم بقضايا النّص عبر حقب زمنية مختلفة، من أمثال الجاحظ (ت 255 هـ) وابن قتيبـة (ت 276 هـ) وعبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) الذّين يشكّلون تطورا لحركـة الفكـر النّقدي العربي بشكل عام، ويمثلون طفرة هائمة فيما يتعمق بجماليات التلقـي، وبخاصة في رحاب تلقي القرآن الكريم والشعر العـربي، اللذين أوجدا نوعين من التلقـي هما التلقي الشفاهي والقراءة.
لم يغفل الدّراسون العرب –قديما وحديثا- موقف المتلقي وذلك التفاعل الذي بينه وبين المبدع، وعلاقتهما الوثيقة التي تسهم في إضفاء شرعية فهم النص وتحديد فضائه. وأصفى ما نقدمه شاهدا على ذلك هو أنّ علم النحو العربي قد أقيم صرحه على دراسة دور المتلقي "فقد استنبطوا قواعدهم باستقراء الأداء الذّي يتلقاه المتلقي؛"([1]) لأنّ هذا الأخير يعد عنصرا رئيسا في فهم ما يُنشَأُ؛ ولأنّ النص موجّه إليه كي يفهمه ويتبيّن دلالاته المختلفة، ولذا فليحقق المنتج هذه الغاية عليه أن يراعي الإحساس المغوي عند المتلقي المتفاعل مع أجواء النّص الفسيحة للإسهام في إنتاج المعنى.
كما يعد المنشئ طرفا هاما وأساسا في علمية إنتاج الكلام، وعنصرا فعالا في تحديد خصائص النص، إذ على عاتقه تقع مهمة إخراجه على سمت كلام العرب من جهة، واستجابته لمقتضيات الوظيفة النصية التي تختص ببناء الحدث المغوي من جية أخرى، وذلك باختيار الجمل المناسبة لأساليب اللغة العربية، ولقوانين عموميا بكيفية تتسق وتنسجم مع علمية الاتصال والإبانة والإفهام،([2]) والمبدع كما يراه ر.بارث (R.Barthes) يكتب من لغته التي ورثيا عن سالفيه ومن أسلوبه، وهو شبكة من الاستحواذ اللفظي ذات سمة خاصة شبه شعورية.([3])
ويعد المتلقي قطبا مخر من أقطاب العلمية التواصلية، فمراعاته ومراعاة مقامه وجلب انتباهه مما يؤثر في تركيب الجمل وحشر مكوناتها وفق ترتيب معين تطلبه أكثر من ضرورة؛ لأنّ عدم مراعاة المتلقي قد يؤدي إلى خلق حالة فيه معاكسة تماما لما كان المتكلم يروم فيه.
فالمادة اللغوية التي تصنع الحدث اللساني، تتغير بفعل التركيب القائم على الحذف والذكر والتقديم والتأخير والوصل والفصال، وهذه الكيفيات التعبيرية هي التي تصنع الأدب، وتبرز الفرق بين خطاب وآخر. فالخطاب العادي يطلب متلقيا عاديا والخطاب المنماز يطلب متلقيا متطورا الذّي عليه أن يتعقب فراغات النص وفجواته وملتوياته قصد تحقيق المتعة الجمالية التي مصدرها لذة الاكتشاف القائمة أساسا على تفاعل المتلقي مع النص.
ولم يغاب هذا الأمر عن ذهن عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) حين قال "إنّ المعنى إذا أتاك ممثلا فهو في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرّةّ وتحريك الخاطر لو والهمة في طلبه. وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر واباؤه أظهر واحتجابه أشد".([4]) ومغزى كلامه أن المعنى كلما كان بعيدا كانت به النفس أشغف .
وبالرجوع إلى آي القرآن الكريم نجد لفظ التلقي ورد فيها للدلالة على التعليم والتلقين والتوفيق، ومنه قوله تعالى ﴿ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾([5]) وقوله تعالى ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾([6]) أي يأخذ بعض عن بعضّ؛ وأمّا قوله تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾([7])؛ فمعناه أنّه أخاذها عنه([8]).
ويتضح لنا في ضوء ما تقدم، أنّ الاستعمال القرآني لمادة التلقي إشارة إلى عملية التفاعل النفسي والذهني مع النّص، وتأكيد على مكانة المتلقي ووظيفته العاليتين في تلقي النّص القرآني وفهمه للوقوف على أسراره العجيبة، وهذا ما فعله أسلافنا حقيقة، ومن ذلك قوله تعالىّ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾([9]) والتقدير ولا يحسَبَنَّ الذين يبخلون البخلَ [هو] خيرا ليم، ولم يذكر البخل اجتزاء بعلم المخاطَب بأنه البخل، لذكره يبخلون"([10]) بوصفه قرينة لفظية، "ومثل ذلك قول العرب (مَنْ كَذَبَ كَانَ شَرا لَهُ)، يريد كان الكذب شرا له، إلاّ أنّه استغنى بأنّ المخاطَب قد علم أنّه الكذبُ، لقوله كَذَبَ في أوّل حديثه"،([11]) ويتضح بأن سيبويه (ت 180 ه) وهو راس النحاة كان يولي أهمية كبيرة للمتلقي في فهمه لكلام العرب ووصفه.
ويؤكد الفراء (ت 207 ه) ما ذهب إليه سيبويه أثناء حديثو عن حذف جواب الشّرط، وعلله بأنّ "العرب تفعل هذا في كل موضع يُعرف فيه معنى الجواب،"([12]) وهذا يعني أن المعرفة والدراية من الأمور التي ينبغي أن تكون حاضرة لدى المتلقي، ماع العلم أنّ جواب الشراط ركن أساسي في أسلوب الشرط إلاّ أنه يجيئ محذوفا في كلام العرب؛ لأنّ حذفه أبلغ من ذكره، وهو ما ضبطه النحاة بقواعد توجيه دقيقة لضبط المعنى المقصود بالحذف، ومن هذه القواعد:
أن يشتمل الكلام على ما يدلّ على جملة الجواب المحذوفة([13]) لفظا أو تقديرا، وأن لاّ يصلح جوابا.([14])
وأن يكون فعل الشرط التالي للأداة ماضيا لفظا ومعنى، أو معنى فقط، ينضاف إلى ذلك إذا كان مسبوقا ب: "لم" .
والنظم في مفهوم عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) معنى مشكّل تشكيلا فنيا يقوم في جوهره على قدر كبير من الصنعة والغرابة والتقديم والتأخير والحذف" سبيل المعاني أن ترى الواحد منها غفلا ساذجا عاميا موجودا في كلام الناس كلهم ثم تراه نفسه وقد عمد إليه البصر بشأن البلاغة واحداث الصور في المعاني فيصنع فيه ما يصنع الصنّع الحاذق حتّى يغرب في الصنعة... ويبدع في الصياغة".([15])
وكان يمثل جيد صاحب دلائل الإعجاز اتجاها ناضجا لفهم معاني النحو؛ إذ كان ينظر للنحو على أنه تحصيل الخبرات المتنوعة بتراكيب وأساليب العربية وليس على أنه قواعد صرامة فحسب، وكان هذا الفهم الواعي للنحو ووظيفته قد ظهر في إشارات سيبويه "وقاد فطن كبار النحاة أيضا إلى أن الخبرة بتراكيب العربية هي في الوقت ذاته خبرة بالأغراض التي تعبر عنها اللغة، وبعبارة ثانية أدرك النحاة أن هناك التحاما بين ما يسمى تراكيب وما نسميه باسم المعاني...وظل إحساس النحاة بالاختلاف في إدراك المعاني حافزا يحفزهم إلى التمييز بين التراكيب أو التنويع القائم في بنية اللغة، ظل إحساس النحاة قائما بالعلاقة المتينة بين ما يسمى باسم اللغة وما يسمى الأغراض أو المعاني"،([16]) ويكمن فضل عباد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) في جمع إشارات كبار النحاة في نظرية محكمة.
وفي ضوء هذا الفهم فإنّ النحو ليس إقامة الحدود بين الصواب والخطأ فحسب، بل هو إبداع، يقوم به المنشىء المتطور العارف بشجاعة العربية القائمة على طرق ترتيب الكلمات في جمل وتواشجها.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
علاء التميمي
عضو نشيط
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

علاء التميمي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-06-2016 - 05:29 PM ]


وجملة الأمر أنّ المعنى لا يدرك إلاّ في سياق آلياته اللّغوية وعلاقته بالمتلقي، أي حين تتضافر المكونات النحوية والمجازية في النّص، وترتبط بالمتلقي فيتحقق التأثير الجمالي؛ وأولى هذه المسألة النقد العربي أهمية متزايدة لاسيما الجاحظ (ت 255 ه) والجرجاني في حديثهما عن مفهوم اللذة الأدبية وكيفية الوقوف عليها في النّص، وفي هذا الشأن قال الجاحظ "الشّيء من غير معدنه أغراب، وكلما كان أغراب كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف وكلما كان أطرف كان أعجب وكمما كان أعجب كان أبدع".([17])
وعبّر عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) عن هذا الأثر ووظيفته الجمالية بعدة مصطلحات تشكل جميعها خصائص الأثر الجمالي، وهي: التأثير- القراءة - التأمل- التأويل- بوصفها وظائف المتلقي نحو النّص الأدبي ترتبط بتقنيات أسلوبية قوامها التفاعل المتبادل، فالت أثير ال ذي أومأ إليه صاحب دلائل الإعجاز يكشف عن وعي متقدم بطبيعة النص وخصوصية تلقيه: "لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى، حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها".([18])
ولا تتحقق متعة النص (la jouissance du ****e) ولذة القراءة (de la lecture le plaisir) بمفهوميها العميق إلاّ بعاد التأمل واعمال الفكر وكادّ الذهن من أجال الفهم، واذا تحقق للمتلقي ذلك أحسّ بوقع المتعة الجمالية في نفسه، وهذا ما عبّر عنه شيخ البلاغة بقوله: "ومن المركوز في الطباع إذا نيل بعد الطّلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالميزة أولى، فكان موقعه من النّفس أجل وألطف، وكانت به أضن وأشغف".([19]) ويقول في موضع آخر: "فإذا رأيتها قد راقتك وكثرت عندك، ووجدت لها اهتزازا في نفسك، فعد فانظر في السبب، واستّقص في النّظر".([20])
أمّا القراءة بوصفها ممارسة فعلية تساهم في بناء وتشكيل النص فحظيت بعناية خاصة في دراسات العرب الأقدمين، كما اهتمّوا - أيضا- بالتأويل بوصفه فعالية فكرية ينهض بها المتلقي لاكتشاف آليات النّص وفهم أسراره والوصول إلى دلالاته، وتحديد إيحاءاته الفكرية. ومادامت البنية الأدبية بنية مجازية أمكن تصور علاقة الأدب بالتأويل؛ لأن المجاز هو الفضاء الذي يتحرّك فيه التأويل.([21])
وجاء اهتمام أسلافنا بجماليات التلقي مبثوثا في جملة أحكامهم بقضايا النّص عبر حقب زمنية مختلفة، من أمثال الجاحظ (ت 255 ه) وابن قتيبة (ت 276 ه) وعبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) الذّين يشكّلون تطورا لحركة الفكر النّقدي العربي بشكل عام، ويمثلون طفرة هائلة فيما يتعلق بجماليات التّلقي، وبخاصة في رحاب تلقي القرآن الكريم والشعر العرابي، اللذين أوجدا نوعين من التلقي هما التلقي الشفاهي والقراءة، أحدهما مرتبط بالآخر، ويتعلق الأمر بالسماع والإنصات، والإنشاد والتلاوة،([22]) والمتتبّع لتاريخ هذه الطفرة يدرك - لا محالة- أنه من السّهل إدراك الفوارق البيّنة في طبيعة التعامل مع النّص في الحركة النّقدية على تعدد الضوابط واختلاف مستويات الإدراك والذّوق.([23])
ويتبيّن لنا في ضوء ما سبق أنّ النّقد العربي القديم تعامل مع النّص من خلال ثلاث عناصر هامة (النّص- المتلقي- المبدع) ولم يهمل المتلقي (مستمعا أو قارئا أو مخاطبا) في عملية التفاعل مع قدرات النّص الفنية الكامنة فيه، ولمحاته الجمالية لكشف غوامضه وفهم أسراره.
وأصبح اليوم من مهمة المعاجم العربية لحديثة والمشتغلين في هذا المجال أن ينقلوا التلقي من مفهومه اللغوي إلى فضاءات جديدة، اكتسبت بعدا نظريا وجماليا في الدّراسات النظرية والنقدية المعاصرة كما هو الشأن في المعاجم الألمانية، مراعين في ذلك التمايز الموجود بين طبيعة النّص العرابي وطبيعة النّص الغربي، ودلالاتها التعبيرية، وكذا خصائص اللغة العربية ،كما رآها عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه): "استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها، أو حسن ترتيب تكامل معه البيان، حتى وصل المعنى إلى القلب، مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقرّ في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن."([24])
ولعالّ أهام ما يبرر الاهتمام بنظرية جماليات التلقي بهدف الإفادة منها، هو أنها اكتسبت مفهوما نظريا جديدا في نسق الفكر الألماني المعاصر قبل أن يأخذ ذلك في أنساق المعرفة الإنسانية الأخرى، رغم محاولة بعض الدّراسات الفرنسية والأنجلو الأمريكية إيجاد بعض ملامحها.([25])
وترجع أهمية هذه نظرية التلقي إلى عدم الاكتفاء ببنية الجملة في التحليل اللغوي، بل تتجاوزها إلى بنية النص، واللغة أصلا هي تواصل بين المتحدث (المبدع) والمستمع (المتلقي) ممّا يؤكد دور المتلقي بوصفه المنتج الثاني للنص.
واذا كان الكلام في اللغة اليومية يهدف إلى التأثير في المتلقي وتحقيق غاية ما، فإنّ الأمر أشد وضوحا وقوة في العمل الأدبي، حيث يسعى المنشئ جاهدا ألاّ يترك شيئا للصدفة؛ لأن إرادته الواعية تنتقي المفردات وتركبها تركيبا محكما يميزه عن غيره، ويأتي بعادها المتلقي الذّي بدوره يكشف عن البنى الهيكلية العميقة، وكذا البحث عن الوشائج القائمة بينها.
وينضاف إلى ذلك أن الكلام الشفهي قد لا يكتنفه الغموض أو سوء الفهم؛ لأنّ المتكلمين يشتركان بالضرورة في شبكة واحدة من المعرفة والثقافة بحكم اشتراكهما في الوسط المحيطي والمكاني، غير أن النّص المكتوب يقع بين يدي المتلقي مقطوعا عن وسطه المكاني وبعيدا عن محيطه الزماني، وهذا يعني أن المنشىء والمتلقي لا يشتركان في شبكة واحدة من المرجعية، فما يحيل إليه المبدع يجهله القارئ، وهذه المسألة لم تغب عن الجاحظ حين قال: "وقالوا اللسان مقصور على القريب الحاضر والقلم مطلق في الشاهد والغائب، وهو للغابر الحاّئن، مثله للقائم الراهن، والكتاب يقرا بكل مكان، ويدرس في كل زمان واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوزه إلى غيره".([26]) يتبين لنا من خلال هذا القول أن الجاحظ نوه بالنص المكتوب، وأبرز فضله على المشافهة وأصبح بديلا حضاريا عن الشفاهية التي لم تعد القناة الوحيدة للاتصال.
ووفق هذا التصور فإن المتلقي يعتمد على بنية النص، محللا العلاقات الداخلية التي أسهمت في نسجه، وهي التي يتم فيها اختراق أفقية المنطق الخطي نحو منطق عمودي نطلب من خلاله إدراك الدلالات المنطوية والمتوارية في ثنايا المكتوب، وهذا لخلق السياق العام الضروري لفهم النّص.([27])
غير أنّ النص لا يمكن سبر أغواره وتسليط الأضواء على دروبه الملتوية إلاّ بحضور متلق خبير ومتطور، يدرك جيدا كيف يمكان أن يخلق نوعا من التضايف بين ما تسكت عنه اللغة وما تثبته، ويصنع الألفة بينها.
وأصفى قول يؤكد هذا الفهم: "وإنما المعنى أنّ هناك مشابهات خفية بدق المسلك إليها؛ فإذا تغلغل فكرك. فأدركها فقد استحققت الفضل، ولذلك يشبه المدقق في المعاني كالغائص على الدر".([28])
ولن يتأتى له ذلك إلاّ عن طريق الانسجام والتماسك باين أجزاء النص الواحد، وقاد أشارا عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) إلى هذه المسألة بقوله: "وما شرفت صنعة ولا ذكر بالفضيلة عمل إلاّ لأنهما يحتاجان من دقة الفكر ولطف النظر ونفاذ الخاطر إلى ما لا يحتاج إلى غيرهما، ويحتكمان على من زاولهما والطالب ليما في هذا المعنى ما لا يحتكم ما عاداهما. ولا يقتضيان ذلك إلاّ من جهة إيجاد الائتلاف في المختلفات، وذلك بين لك فيما تراه من الصناعات وسائر الأعمال التي تنساب إلى الدقة، فإنك تجد الصورة المعمولة فيها كلما كانت أجزاؤها أشد اختلافا في الشكل والهيئة، ثم كان التلاؤم بينها مع ذلك أتم، والائتلاف أبين، كان شأنها أعجب والحذق لمصورها أوجب".([29])


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
علاء التميمي
عضو نشيط
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

علاء التميمي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-06-2016 - 05:34 PM ]


ويتضح من كلام عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) أنه لا يتحقق الانسجام في النص من انسجام المعاني ووضوحها فحسب، بل من اختلافها و غموضها أيضا، وأن هذا الاختلاف دليل على حذق المنشئ الذي يتصرف في المادة اللغوية والتي تتغير بفعال المجاز والتركيب الذي يخضع لكيفيات عديدة نطق بها العرب، وأن المتلقي يجتهد في إيجاد وحدة وألفة بين المختلفات والمتنافرات، ويمكن تمثل هذا الفهم بالشكل التالي


ويعتبر كل نص تواصلا بين المنشئ والمتلقي، والوسيط النوعي بينهما هو اللغة، ويقتضي هذا التواصل منهما (المنشئ والمتلقي) اتفاقا ضمنيا، يهيئ مجالا لنمو النص في ذهن المتلقي، وبالتالي فيم آلياته واكتشاف أسراره والوصول إلى دلالاته وتحديد إيحاءاته الفكرية، وتعد هذه الحقيقة التواصلية أساسا ومنطلقا لمجال واسع من الفهم والتلقي.
إذا كان النص تواصلا بين المبدع والمتلقي، وكانت اللغة هي الوسيط النوعي بينهما، فإنّ العملية اللغوية كليا تعد حوارا متصلا بين المبدع والنّص والمتلقي، وفي ضوء هذا الفهم، فإن اللغة لا تعدو أن تكون نصا مهمته التوصيل والفهم.([30])
وهذا ما لفت انتباه أعلام مدرسة كونستانس (Constance) إلى ضرورة بلورة مفهوم جديد يحتفي بالعلاقة المتبادلة بين النص والمتلقي، إيمانا بما للقارئ من دور فاعل ومهم في صياغة معنى النص، من خلال الأسئلة العديدة التي يطرحها على النص، الذّي بدوره يجيب عنها، وفي هذه الحالة يصبح المتلقي هو الوحيد الذي يتفرد بالحكم على النص.
ويعاد عنصر المعنى أحد الركائز الرئيسة التي عول عليها النحويون العرب في تحليل البنية اللسانية، إذ لم يتوقفوا عند حدود الشكل التركيبي لها، بل تعدّوه إلى الإفادة وجعلوها أصلا، ولا يكون الكلام كلاما إلاّ بها، ويعضد هذه الحقيقة عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه) بقوله: "ما اللفظ لولا المعنى ؟ وهل الكلام إلا معناه ؟."([31])
وهو ما جعل النحو العربي يقوم على فكرة الإسناد، أي أنه يبحث في العلاقة التي تربط المسند بالمسند إليه، بخاصة إذا جاء المسند إليه واحدا وتعدد المسند؛ لأنه قد يأتي في عدد من الجمل، وينبغي في هذه الحالة لتحقيق الإفادة البحث عن الوسائل التي تحقق تماسك جمل النص الواحد، "ذلك أن كل جملة تمتلك بعض أشكال التماسك عادة مع الجملة السابقة، مباشرة، من جهة أخر كل جملة تحتوي-على الأقل- على رابطة واحدة تربطها بما حدث مقدما، وبعض آخر من الجمل يمكن أن يحتوي على رابطة تربطها بما سوف يأتي، لكن هذه نادرة، وليست ضرورية لتعيين النص"،([32]) وقد وردت الفكرة نفسها في الدلائل: "أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها بأول..."([33])
وهذا يعني أن المتلقي أثناء تواصله مع المبدع فهو يتواصل مع معانيه؛ لأنها هي الأساس الذي ينهض عليه النص، و لم يغب هذا الفهم -أيضا- عن عباد القاهر (ت 471 ه) حيث قال: "أن ليس النظم شيئا إلاّ توخي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه فيما بين معاني الكلم".([34])
ويدخل المتلقي إلى عالم المبدع الفسيح من خلال ارتباطه بمعاني النص الظاهرة والخفية المستخرجة والمستوحاة من الأوضاع اللغوية المختلفة؛ لأنه لا يرتبط بما ينطق به المبدع ويثبته ويصرح بو في النص، وإنما يرتبط بمعاني الكيفيات اللغوية التي اعتماد عليها المبدع في بناء نصه، وهذا هو الذي يجذب المتلقي لقراءة الإبداع واعمال الفكر فيه وتدبر معاني؛ "لأنّ المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغير على الجملة عما أراده واضاع اللغة، واذا ثبات ذلك ظهر منه أنه لا معنى لقولنا: كثرة المعنى مع قمة اللفظ: غير أن المتكلم يتوصل بدلالة المعنى على المعنى إلى فوائد لو أنه أراد الدلالة عليها باللفظ لاحتاج إلى لفظ كثير".([35])
ويمكن تمثل ذلك في الشكل الآتي:


ويتحدث عبد القاهر الجرجاني عن إمكانية تلقي معنى كثيف بلفظ قليل، وكأنه يومئ إلى تعدد القراءة واختلاف التلقي من متلق إلى آخر كما هو – اليوم- معروف في نظرية جمالية التلقي المعاصرة التي تبلورت في مدرسة كونستانس (constance) الألمانية.
وهي نظرية توفيقية تجمع بين جمالية النص وتلقيه، استنادا إلى تجاوبات المتلقي وردود فعله بوصفه عنصرا فعالا يربطه بالنص تواصل وتفاعل فني جمالي.


رد مع اقتباس
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
علاء التميمي
عضو نشيط
رقم العضوية : 2146
تاريخ التسجيل : Oct 2014
مكان الإقامة : الرياض
عدد المشاركات : 725
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

علاء التميمي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 03-06-2016 - 05:35 PM ]


[1] نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية: د. مصطفى حميدة، ط.1، سنة 1998م، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان - مصر – ص 21.
[2] ينظر أثر العناصر غير اللغوية في صياغة المعنى، faculty. Uaeu.ae/rachid
[3] ينظر الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية: عبد الله الغذامي، ط.1، سنة 1985م، النادي الأدبي الثقافي -جدة ص 12-13.
[4] أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، ص 118.
[5] سورة فصلت/ 35.
[6] سورة النور/ 15.
[7] سورة البقرة/ 37.
[8] ينظر لسان العرب: ابن منظور، ج 15/256.
[9] سورة آل عمران/ 180.
[10] الكتاب: سيبويه، ج 2/319.
[11] المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
[12] معاني القرآن: أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، تحقيق أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار، ط 2، سنة 1980م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج 1/331-332.
[13] مغني اللبيب: ابن هشام، ج 2/647.
[14] ينظر النحو الوافي: عباس حسن، ط.6، سنة 1979 ه، دار المعارف –مصر- ج 4/341.
[15] دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني، ص 324.
[16] النحو والشعر، قراءة في دلائل الإعجاز: مصطفى ناصف، مجلة فصول العدد 3، أبريل 1981م، القاهرة، مصر، ص 45.
[17] البيان والتبيين: الجاحظ، ج 1/65.
[18] دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني، ص 199.
[19] أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، ص 118.
[20] دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني، ص 68.
[21] ينظر استقبال النص عند العرب: د. محمد المبارك، ط. 1/1999 م، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص 220.
[22] المرجع نفسه ص 284.
[23] ينظر قراءة النص وجماليات التلقي بين المذاهب الغربية الحديثة وتراثنا النقدي: محمود عباس عبد الواحد، ط. 1/1996 م، دار الفكر العربي -القاهرة- ص 80.
[24] أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، ص 16.
[25] ينظر نظرية التلقي، إشكالات وتطبيقات: أحمد بو حسن، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ندوات ومناظرات رقم 24، سنة 1993م -المغرب- ص 11.
[26] البيان والتبيان: الجاحظ، ج 1/58.
[27] ينظر من النص إلى التأويل: محمد ديوان، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 60-61، مركز الإنماء القومي، بيروت، باريس 1989م.
[28] أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، ص 130.
[29] المصدر السابق، ص 127.
[30] -ينظر نحو النص – اتجاه جديد في الدرس النحوي-: د. أحمد عفيفي، ط.1، سنة 2001م، مكتبة زهراء الشرق القاهرة، ص 21.
[31] دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني، ص 194.
[32]Halliday et Ruqaiya Hasan , Cohesion in English, Longman London, p 35
[33] دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني، ص 73.
[34] المصدر السابق، ص 403.
[35] المصدر نفسه، ص 357.


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على الموضوعات
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الموضوعات المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
مفهوم الشعر العربي.. رؤية فلسفية شمس البحوث و المقالات 12 11-30-2017 11:34 AM
ملتقى (المستشرقون والأدب العربي المعاصر: التلقي والتأثير) شمس أخبار ومناسبات لغوية 0 12-15-2016 07:14 PM


الساعة الآن 11:17 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc. Trans by