ولذا إن أعربت الواو الداخلة على [الصابئون] اعتراضية، والجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب فهذا صواب، مراعاة للصورة الحاضرة، وإن أعربتها عاطفة والجملة معطوفة فهذا صواب أيضاً مراعاة لنية التأخير حسب التقدير([1].)
ومن ذلك قوله تعالى (لأُقسم بيوم القيامة ) في قراءة من أدخل لام الإبتداء على الفعل أُقسم ،فقالوا :إن التقدير لأنا أُقسم ،وذلك لأن فعل الحال لايقسم عليه في قول البصريين ([2])
هذه هي أسباب التقدير في العربية وفوائده ولابد من الإشارة إلى حدود التقدير وميدانه ،لأن عدم ضبطه يؤدي إلى الخروج عن النظام اللغوي العربي ،فنقع في متاهات التأويل التي تخرج المرء من الملة ،
ميدان التقدير النحوي وحدوده
حافظ أهل هذه الصنعة على أصول هذه الصناعة التي بنوها بعد استقرائهم كلام العرب، وجعلوا ذلك قواعد مطردة بناءً على ما هو كثير في كلام العرب، ثم لمَّا نضج العلم واستقرت أصوله ومصطلحاته قدموا هذا كله على أنها أصول لتلك الصنعة
فمثلاً الفعل لا بد له من فاعل، والمبتدأ لا بد له من خبر، لذا إنْ حُذف المبتدأ لأمرٍ ما، بحثوا عن هذا المبتدأ وقدروه، وصار ذلك من التقديرات الصناعيةوهي في أصلها مأخوذة من كلام العرب ،لأنهم لم ينطقوا فعلاً بلا فاعل ،ولا اسماً موصولاً بلا صلة ،ولا مبتدأً بلا خبر
و مع أن المعنى العام قد يكون مفهوماً واضحاً كما لو قلنا: زيد في الدار، لكن تقدير الصنعة يوجب –عند بعض النحويين هنا- أن يكون الخبر هو متعلق الجار والمجرور وهو لفظة كائن أو مستقر... فالمعنى العام وإن كان واضحاً -كما ذكرت-
لكن أصول الصناعة نتيجة الاستقراء اللغوي العربي تدفع إلى القول : إنه لا بد من تقدير متعلَّقٍ تتعلق به شبه الجملة، وذلك لأن الخبر في الأصل يجب أن يكون عين المبتدأ، وهنا( في الدار) ليس هو عين (زيد)
لذا لجأنا إلى تقدير( كائن أو موجودأوحاصل أو مستقر أو استقرأو أية لفظة دالة على كينونة ) لتطرد القاعدة المطردة مع كلام العرب، وهو أن المبتدأ هو الخبر، والخبر هو المبتد
كقولنا: الله ربنا، فربنا هو الله، والله هوربنا ،كلاهما عين الآخر، ومثله قولنا: محمد نبينا،والإسلام ديننا ،والجامعة واسعة ،
أخلص من هذا إلى أن أهل صناعة النحو أفردوا لتقديرات الصنعة حديثاً خاصاً، فحددوا معالم تقديراتهم ورسموا حدودها
وهي كما قال سيبويه "ولكنك تضمر بعدما أضمرت فيه العرب من الحروف والمواضع ،وتظهر ماأظهروا ....فقفْ حيث وقفوا ثم فسِّر" ([3])
فمن هذا النص ندرك أنه لايجوز التقدير الاعتباطي والتأويل الذي لايسير على نظام العرب كالذي نراه عند الطوائف المارقة ،ولقد أشار ابن هشام أيضاً إلى حدود التقدير بقوله:« الحذف الذي يلزم النحويّ النظر فيه هو ما اقتضته الصناعة، وذلك بأن يجد خبراً بدون مبتدأ أو بالعكس أو شرطاً بدون جزاء أو بالعكس، أو معطوفاً بدون معطوف عليه أو معمولاً بدون عامل، نحو: ليقولنَّ اللهُ ونحو قالوا: خيراً، ونحو: خيرٍ عافاك الله([4]).
ثم أشار إلى بعض التقديرات التفسيرية المعنوية التي لا علاقة للنحوي بها قائلاً: "وأما قولهم: في نحو: {سرابيل تقيكم الحر}، إن التقدير: والبرد، ونحو: {وتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبَّدْت بني إسرائيل}
إن التقدير: ولم تعبدني ،ففضول في فن النحو، وإنما ذلك للمفسِّر"، ثم عرَّج على بعض التقديرات الناجمة عن الدواعي البلاغية، قال: وكذا قولهم يحذف الفاعل لعظمته وحقارة المفعول أو بالعكس أو للجهل به أو للخوف عليه أو منه ونحو ذلك، فإنه تطفل منهم على صناعة البيان ([5])
ولا يريد ابن هشام أن يرفض الاستعانة بأهل التفسير والبلاغيين لتوضيح بعض التراكيب، بل على العكس ، فمن المقررعند النحاة أنه إذا تلاقى التقدير النحوي الصناعي مع البلاغي والتفسيري ففي ذلك الغاية،ففي قوله تعالى :يأخذ كل سفينة غصباً ،نلحظ أن تقدير النحاة هنا يتفق مع ما ذكره المفسرون حين قالوا :أي سفينة صالحة غصباً ،مؤيدين ذلك بقراءة أبي وعثمان :"سفينة صالحة "ففي مثل هذا النوع من التطابق هو الغاية المطلوبة
أما إذا حصل تخالف ، فإن الأصول النحوية الكثيرة المرنة ،ولغة العرب الواسعة التي لايكاد يُحاط بها كما قال ابن جني ،([6])مع نحوي لغوي بارع ،يُستطاع بذلك كله أن نحافظ على المعنى بمسالك الصنعة ، مثال ذلك قوله تعالى ":بشراكم اليوم جنات "قال العكبري:بشراكم مبتدأوجنات خبره ،أي دخول جنات "([7])فقوله دخول جنات ،يعني أن الصنعة تتطلب ذلك ،كما أن المعنى لايأبى هذا التقدير بل إن المعنى يتطلب هذا التقدير لو تدبرنا ه بتؤدة،أما الصنعة فقد تطلبت ذلك لأن البشرى مصدر ،وجنات جثة ،ولا يخبر عن المصدر بالجثة لعدم حصول فائدة من ذلك
فلا يقال :ضَرْبٌ زيدٌ ،على أن "ضرب"مبتدأ وزيد خبره ،ولذا قدر النحاة والمفسرون في الآية الكريمة لفظة "دخول "يؤكدهذا أن "خالدين "بعدها هي حال ،ولا عامل يعمل بها ،لأن البشرى وإن كانت مصدراً عاملاً
لكن الفصل بالأجنبي وهو قوله تعالى "جنات "أضعف هذا التوجيه ،لأنه لايفصل بين العامل ومعموله بفاصل أجنبي ،فلما كان الأمر كذلك قدروا "الدخول "ليكون عاملاً في هذه الحال ،وهكذا دبَّر النحاة التركيب وفق الصنعة ووفق المعنى ،ومثل ذلك صنع أبو علي الفارسي حين لم يجز أن نعلق "إذا "في قوله تعالى :فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا هم يتساءلون "بما بعد "لا"وذلك لأن ما بعد "لا " لايعمل فيما قبلها
وقال :نقدر فعلاً محذوفاً يدل عليه قوله تعالى :لاأنساب بينهم "فالصنعة كما نرى لم تجز ذلك في حين أن المعنى يتطلب ذلك ،فإذا ذهبنا إلى البحر المحيط لأبي حيان وجدناه يذكر قولاً لابن عباس يذكر فيه ما يمكن أن نعلق فيه "إذا" وهو فعل "يموت "قال ابن عباس :عند النفخة الأولى يموت الناس فلا يكون بينهم نسب في ذلك الوقت وهم أموات ([8])
وبهذا التقدير تم الاتفاق بين المعنى التفسيري والصنعة ،وعلى هذا المنهج سار النحاة محافظين على المعنى مع الصنعة ،ولا يماري في هذا إلا جاهل ، ولم نجد حتى الآن أسلوباً قديماً أو حديثاً لم يستطع (النحو العربي )أن (يدبره )
فهو معمل دقيق منظم ،أراد الله له التوفيق والنجاح ،لأنه خادم لشرعه ،واجتبى لإدارته وتشغيل آلياته علماء يعرف فضلهم وأقدارهم النجباء، ممن أراد الله بهم خيراً لعباده ، أما الناتج عن هذا المعمل فحدِّث –يابُنيَّ -عن جودته ما شئت أن تحدِّ ث ،ويكفيه جودة أن حضارتنا الإسلامية المشرقة كتبت بقواعده وأحكامه ،فهو الحصن الحصين لهذه الحضارة ،ولاريب أن بقاءعمله - رغم السهام التي توجه إليه كل آن وحين- لهو من أوضح الأدلة الدالة على أصالته وأصالة علمائه
فلا تزال العربية مضيئة مشرقة ،وسيبقى علماؤها الذين أفنوا أعمارهم في خدمتها منارات ،يهتدي بها التائهون
أخيراً لعلك ياأُخيَّ فهمت التقدير وأسبابه مع منافعه وفوائده وأدركت ما لحركات الإعراب من وظائف دلالية تغافل عنها من أنكرها ،ولا تلتفتنَّ إلى من لا تراه إلا ناقداً تعيساً ،ودع هؤلاء الناقدين في طغيانهم يعمهون ،وتذكر دائماً قوله تعالى "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" " والذي خبث لا يخرج إلا نكدا" صدق الله العظيم
ورحم الله القائل :فإن كنت تفهمنا فاعتقد وإلا فدعنا ولا تنتقد
وقيل :زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول شجر الحنظل ،فكلما ازداد رياً ازداد مرارة "
"نسأل الله الكريم الرحيم أن يهدينا جميعاً إلى سواء السبيل.
_________________________
[1] -انظر إعراب شواهد أوضح المسالك 1/178
[4] - المغني 853ومن المفيد أن نذكر أن ابن هشا م ذكر شروط الحذف في المغني ،وكمية المقدر ،ومكانه ،فأتى بالعجب العجاب ،ولايستغني طالب النحو عنه أبداً
[5]- المغني853
[6]-عقد ابن جني فصلاً في خصائصه للفرق بين تفسير المعنى وتقدير الإعراب 1/284 لفه الغموض ،فلعل ماقدمناه يوضح ماأراده
[8]- انظر البغداديات لأبي علي ،218 والبحر 6/421