الأوهام ولغة القرآن ...
أ.د أحمد محمود عبد القادر درويش
يقول تعالى : ﴿وَقالوا لَن يَدخُلَ الجَنَّةَ إِلّا مَن كانَ هودًا أَو نَصارى تِلكَ أَمانِيُّهُم قُل هاتوا بُرهانَكُم إِن كُنتُم صادِقينَ﴾ [البقرة: ١١١]...
يلفت انتباهك أن أمنيتهم واحدة وهي دخول الجنة!! لكن القرآن عبر بالجمع (أمانيهم ) ...
وهنا يتبادر إلى ذهنك سؤالان :
الأول : لم كان المبتدأ ( تلك ) مفردا ، وجاء الخبر ( أمانيهم ) جمعا ؟ ...
الثاني : الأمنية واحدة وهي دخول الجنة ، فلم كان التعبير بالجمع ( أمانيهم) ، لا ( أمنيتهم) ؟
أما الإجابة عن السؤال الأول فلا حرج في ذلك ، فاسم الإشارة ( تلك ) قد يأتي خبره مفردا كقوله تعالى :﴿وَتِلكَ نِعمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَن عَبَّدتَ بَني إِسرائيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] ، وقد يأتي جمعا ، كقوله تعالى ﴿ وَتِلكَ الأَيّامُ نُداوِلُها بَينَ الناس﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، فلا مشكلة في ذلك ...
أما الإجابة عن التساؤل الثاني ، فهي تحتاج فضل نظر ، وزيادة تأمل في قراءة السياق...
فالحق أن هذا الجمع كما ذكر العلماء كأبي السعود وابن عاشور يشير إلى أمور :
الأول : أن هذه الأمنية عاشها الفريقان ليلٙ نهارٙ وآمنوا بها ؛ حتى صارت الأمنية أماني ... فالجمع يعبر عن سيطرة عميقة للفكرة في نفوسهم وأفئدتهم بطرائق مبالغ فيها ، فكأنها منتشرة في كل نحو من أنحائهم ، وكأن كل أمانيهم هي تلك الأمنية ...
الثاني :جمع الكلمة ( أمانيهم ) يعبر عن صدورها من كل واحد من الفريقين ، فصارت أمنية كل واحد دخول الجنة ؛ لذا وجدنا الفعل ( قالوا) بواو الجماعة وكأن كل واحد من الفريقين قال ذلك ، وظل يرددها دون توقف ... يقول أبو السعود في ( إرشاد العقل) : " الجمع باعتبار صدوره عن الجميع" فدل الجمع على كثرة القائلين والمتمنين... فناسب ذلك جمع الكلمة على ( أمانيهم)
الثالث : هنا يجب أن نصحح لغطا في الآية ، فقد يظن قارئ القرآن أنهم قصروا دخول الجنة عليهما ، ( معا ) (ووحدهما ) ... ، لا ، فالفهم الدقيق هنا : أن اليهود قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، فالنصارى ليسوا من أصحاب الجنة ... والنصارى قالوا : لن يدخل الجنة إلا النصارى ، فاليهود ليسوا من أصحابها بدليل قوله تعالى ﴿وَقالَتِ اليَهودُ لَيسَتِ النَّصارى عَلى شَيءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيسَتِ اليَهودُ عَلى شَيءٍ وَهُم يَتلونَ الكِتابَ ﴾
[البقرة: ١١٣] ( وهي أصدق كلمة حقيقة ) ...فجاء الجمع هنا هو الأدق لأنه يعبر عن تصارع الأماني ﻻ اتحادها ؛ فكل فريق يريد (وحده) دخول الجنة ومنع الآخر الدخول ...
فالجمع هنا عبر عن التناحر والتحاسد بين أبناء الفريقين ... ولو جاءت اللفظة بالإفراد لدل على أنها أمنية عابرة غير مهمة ، وهذا ليس بمراد القرآن ألبتة ...
نسأل الله أن يفهمنا القرآن