- يعبر الفارابي عن نظرته لعلاقة النحو بالمنطق فهي علاقة مشاركة جزئية من جانب المنطق للنحو فهو الذي يصنع و يضع المعاني الكلية من الجزئيات على شكل قوانين النحو ، أي أن العلاقة تمخضت عن القوانين عن طريق استخدام المنطق في استخلاص المعنى العام الذي يكون في كل جزئية مستقرأة . و هذه نظرة شكلية تتوقف حدودها على معنى الإستخدام للمنطق كأداة فقط ، و لم تتعرض للمشاركة في الأصل (المعقولات) و لا للتداخل الذي بين المنطق و النحو في المعقولات ، كما شرحنا من قبل .
- يؤكد على مفارقة النحو المنطق في التعلق بالألفاظ ، فالنحو يخص المعاني الكلية التي في ألفاظ لسان محدد ، أما المنطق فيخص المعاني الكلية التي في كل الألسنة ، و يمكن القول على ذلك أن معاني النحو معاني غير منطقية ، بل هي معاني خاصة بالعرف اللفظي في الكلام بما لا تؤثر على أداء المعاني العقلية لأن المنطق يُعَبَّر عنه و عن معقولاته من خلال هذه المعانى اللفظية العرفية لكل أمة (النحو) . فالمنطق يعبر عنه بالنحو و ليس هو النحو .
- و المنطق يضع قوانين لتركيب الألفاظ على كيفيات لتؤدي المعاني المعقولة على ما يرتئيه من الصحة و الخطأ ، و لكن هذه القوانين موحدة في كل الألسنة و الأمم ، و ما ينفرد به لسان عن أخر هو ما يسمى بالنحو عند أهل هذا اللسان ، و مثاله ما في اللسان العربي من رفع الفاعل و نصب المفعول و غير ذلك ، و لا أظن أن يكون مقصود العربي من القائم بالفعل و من المفعول به ، غير مقصود كل الأمم من الفاعل و المفعول ، فإن لم يكن هذه هي المعاني المعقولة التي في كل الأمم فما هي إذن ؟!
فكيف يمكن تصور مثل هذا على كلام الفارابي و تصوره عن النحو العربي ، فلا بد أن يكون مقصوده على الحركة الإعرابية و العلامة الإعرابية و ما يشابهها ، أن هذا هو النحو العربي و ليس هو المنطق العربي الذي هو منطق البشر ، و أن هذا النحو ليس له علاقة بالمعاني العقلية و لا أخص من معنى الفاعل و المفعول بالمعاني العقلية ، فإذا استبعدنا هذا لم يبقى إلا أن معاني هذه الأسماء (الفاعل – المفعول – نائب الفاعل و ما يشبه ذلك) مجرد اصطلاحات خاصة بهم مبتورة تماما عن معانيها العقلية و المعجمية و الصرفية ، و هذه هي النتيجة المقبولة لمثل هذا الإشكال ، أن الحركات الإعرابية و العلامات الإعرابية ليس لها دلالة و لا معنى عقلي ، و هي مجرد أصوات مجردة عن الدلالة المستقلة ، و عن الدلالة الإرشادية ، و أن تفسير وجودها و اطرادها في كلام العرب هو مجرد توافق وجودي و ليس له معنى مقصود ، و هذا كترابط ظاهرتي ضوء الشمس و خفاء النجوم من السماء ، فلا يمكن تفسير ضوء الشمس على خفاء النجوم ، فيقال تظهر الشمس رويدا رويدا كلما اختفت النجوم رويدا رويدا ، أو عندما تختفي النجوم رويدا رويدا تظهر الشمس رويدا رويدا ، على أساس عدم رؤيتنا لهما معا ، فتم ربط تجاورهما الزمني على أنها علاقة لها علة يجب ربطها إما بالشمس أو بالنجوم ، و هما في الحقيقة ليس لهما علاقة علية ببعضهما البعض ، فكل ما هنالك أن ضوء الشمس لا يجعلنا نلحظ ضوء النجوم الضعيف فلا نراها ، و على ذلك نعتقد عدم وجودها في أماكنها المعهودة ، و أنها عندما تأتي أو تقترب تبدأ الشمس في الغروب و الإختفاء .
فالشمس لها مسارها و مواعيدها و لا تتوقف حركتها على النجوم ، و كذلك النجوم هي موجودة في أماكنها دائما و لا تتحرك منها ، و هذا غير معلول بالشمس ، و لكن الظن بعلية أحدهما بالأخر المبني على الترابط بينهما ، هو ما جعل هذه القول مستساغ و تفسيرا للظاهرة .
* " و الأقاويل القياسية أكانت مركوزة في النفس أو خارجة بالصوت فهي مؤلفة : أما المركوزة في النفس فمن معقولات كثيرة مرتبطة ، مرتبة ، تتعاضد على تصحيح شيء واحد . و الخارجة بالصوت فمن ألفاظ كثيرة مرتبطة مرتبة تدل على تلك المعقولات و تساويها فتصير باقترانها إليها مترادفة و متعاونة على تصحيح شيء عند السامع .
و أقل الأقاويل الخارجة هي مركبة من لفظين لفظين ، و أقل الأقاويل المركوزة مركبة من معقولين مفردين ، معقولين مفردين ، و هذه هي الأقاويل البسيطة .
و الأقاويل القياسية إنما تؤلف عن الأقاويل البسيطة فتصير أقاويل مركبة . و أقل الأقاويل المركبة ما كان مركبا عن قولين بسيطين و أكثرها غير محدود . فكل قول قياسي فأجزاؤه العظمى هي الأقاويل البسيطة ، و أجزاؤه الصغرى ، و هي أجزاء أجزائه ، و هي المفردات من المعقولات و الألفاظ الدالة عليها . فتصير أجزاء المنطق ثمانية كل جزء منها في كتاب ."
ثم أخذ يسرد هذه الكتب و ما غرضها و موضوعها ، و ليس فيها أي ذكر للنحو أو ربط النحو بالمنطق ، فلا هناك منطق نحوي و لا النحو المنطقي ، مع أن النحو متعلق بالألفاظ من حيث الصحة و الخطأ ، و المنطق يؤدى بالألفاظ و تركيبها فكان يجب أن يكون هناك نحو منطقي أي نحو خاص بالمنطق من خلال الألفاظ كي تؤدي المنطق على جهة الصحة و البعد عن الخطأ ، فاتضح و بان أن النحو المنطقي هو الخاص بأنواع الكلم و التثنية و الافراد و الجمع و ما كل سبيله يعم الألسنة كلها ، أما ما يخص لسان عن لسان فهو النحو اللفظي و ليس له جهة تعلق بالمنطق بالصحة أو الخطأ .
و هذا آخر ما علقت به على هذا الكتاب ، و سنتبعه إن شاء الله بكتب أخرى له و لغيره من القدماء و المعاصرين .