المُتهالكونَ المُنبطحونَ على بُطونهم، والمُزاحِمونَ على مَوائد المَصالح الخاصّة، والمُلاهسونَ الوارشون الحاضِرونَ في كلّ صَيْحَة،
الواغلونَ على كلّ مائدةٍ ، الدّاخلونَ على كلّ شَربٍ، الذين يَحسبونَ أنّهم يَنصحون وأنهم يُحسنون تحليلاً وصُنعاً، ينتقدونَ المقاوَمَةَ
ويُحمّلونَها -جهلاً منهم أو عَمداً- مسؤوليةَ إشعال الحرب ، يُقالُ لهم:
يبدو أن نقد المقاوَمَة أسلوبٌ غير مُجدٍ في زمن ضعُفَ فيه الناصر وكثرَ المُضيِّقُ والحاصِر. تحميل المقاوَمَة مسؤوليةَ الحرب ؟! هذا
كلامٌ غريبٌ، ومَفهومٌ من كَلام القائلينَ به تبرئةُ الصهاينَة من كلّ تَبِعَة، فهُم مَهيبونَ في ملّتهِم واعتقادهم، لا ينبغي لأحد استثارتُهم
أو استفزازُهم، أنّهم في أرضهم ويُؤمَنُ جانبُهم ويَحترِمونَ جارَهم وجوارَهُم، هذه غفلةٌ عظيمةٌ، ولقد غَفَلَ وضلَّ وهَوى على أمِ رأسِه
مَن ظنّ بالصهاينة خيراً، فلا يظنّ بهم خيراً إلا مَن هو على شاكلتهم، أو مَن سَفِه نفسَه أو مَن رَغبَ في الصّهاينَة أو رَهبَهُم. لو لم تردّ
المُقاوَمَةُ كيدَ الصهاينة الكائدينَ لابتَلَعَ اليهودُ فلسطين ثمّ أتبعوها بالشّام ثم العراق والبقيّة تأتي ثمّ يُلقونَ بمَن يُحسن الظّنَّ بهم إلى
البحر. يُقالُ لهذاالمُحسنِ الظّنَّ: أيها المُغفَّلُ ألَم تعلَمْ بعدُ أنهم يستفزّونَ ويقصفون ويقتلون لسبب ولغير سبب، ويُسيئونَ الظّنّ بالعرب
جميعاً إلا مَن والَاهم ووافَقَهم وخَدَمَهم وفَتَح لهم المعابرَ والحدودَ ودلَّهُم على طُرُق المقاوَمَة التي تسلكُها، يا هذا انتبه، العالَم العربيّ
باعَ القضيّةَ و أسلَمَ إخوَتَه في الدّين والعُروبة [عروبة اللسان والقضية] والتاريخ والهمّ المُشترَك، ومَن أعان العدوّ على أخيه ولو بشطر كلمة أو
بطرف عَيْن فقَد باعَ أخاه وقُضيَ الأمرُ على هذه الأمة، حتّى يأتي الله بقومٍ يضعونَ أيديَهُم في أيدي المُقاوَمَة الفلسطينيّة الشّريفَة التي
تآمَرَ عليها قومُها قبل عدوِّها.
وعلى شاكلة هؤلاءِ قومٌ آخرونَ يَنهونَ عن نعت الجيوش العربيّة بالتّخاذل وأنّه ينبغي تخفيف الخطاب من النّقد فإنّ النّقدَ واللّومَ لممّا
يبعَثُ على اليأس والإحباطِ ، وأنّ نقدَ الجيش العربيّ إثارةٌ للفتنة وتَيْئيسٌ وتَنكيسٌ... يُقالُ لهؤلاءِ أيضاً :
أية فتنة وأي خطاب تشكيك بعد التعرية التي ظهرت مع الحرب على غزة وتصدي المقاومة الفلسطينية وحدها للدفاع عن الأمة. أما الأمة
فقد أصيبت بالنكسة وتحتاج لتستيقظ إلى الصدمة العنيفة التي تهز أركانَها وتحيي مواتها بعد أن أصابها التبلُّدُ والتّرهُّلُ. أينَ الجيشُ العربيُّ
اليوم. إنه محنطٌ، يحمي الوهمَ. يبدو أن خطابَنا وطريقةَ تفكيرنا لم تتبدلْ بعدُ، لم تنتقلْ بعدُ من عالَم الأحلام القَديمة ومن أيّام أمجادِ القومية...
إلى نقد الأحوال الراهنة والتردي الذي أصابها فأفقدها وظيفتها المنوطة بها.
وباختصار: إنّ المُقاوَمَةَ الفلسطينيّةَ غيّرَت المُعادَلَة وقَلَبَت الموازينَ ووجّهَت مراكز البحث والتّحليل وجهاتٍ أخرى لم تكنْ منتَظَرةً، إنّه جيشٌ
جديدٌ يتشكّلُ، وأمّةٌ جديدةٌ تولَدُ بعدَ أن يَسقُطَ الفَتّانونَ والمُخرّبونَ من الرّافضِة والمَشبوهينَ والعُمَلاءِ والمأجورينَ. إنّ الأمةَ تشهدُ ميلاداً
جديداً ليسَ فيه فتنة قتال اٌخوة أعداء، ولكن فيه التّمايُز بين فُسطاطَيْن: فُسطاط إيمانٍ لا كُفرَ فيه ولا نفاقَ ، وفسطاط كفرٍ ونفاقٍ لا إيمانَ فيه